Loading...

Tuesday, 27 March 2012

مسوَّدة لقراءة في التجربة الشعرية لغادة خليفة - (تقفز من سحابةٍ لأخرى - تسكب جمالها دون طائل)



- ملاحظة أنّ رسم الأحرف النهائية للكلمات الأخيرة في الفقراتِ أو في القصائد يحتفظُ عمدًا بالتشكيل كما لو كانت الفقراتُ لم تنتهِ أو أنَّ القصائدَ لم تنتهِ بالفعلِ، وينطبق هذا على ما تفعلُهُ (غادة) أثناء الإلقاء في كثيرٍ من الأحيان .. وهي حالةٌ قرآنيةٌ بشكلٍ ما ، حيثُ يُفترضُ في قراءة القرآن أنَّ القارئَ لن يتوقفَ عن القراءة ، وحين سينتهي سيبدأُ في حلزونيةٍ يعبرُ عنها الحديث: "اقرأ وارتقِ ورتِّل، فإنَّ منزلتَكَ عند آخرِ آيةٍ تقرأُها." الحالُ هكذا مع (غادة) ، فاسترسالُ التشكيلِ في كثيرٍ من المواضعِ يفترضُ نهمًا أبديًّا للمزيدِ من التجربة .. ببساطة ، (غادة) تبتلعُ اللحظات بشكلٍ مستمرٍّ وتكادُ تُنهي نصوصَها مرغمةً ، لأنها في حالةِ صعودٍ مستمرٍّ نحوَ أفقٍ غير محدّد .. توجد قراءةٌ أخرى محتملة لهذا الأمر وهو أنَّ مسألة التسكين المرتبطة بالرّوِيّ بشكلٍ ما أو بآخَر ، تمثّل في وعي (غادة) أو لا وعيها – اللهُ أعلم – ارتكانًا إلى موروث الرّوِيّ المرتبط بسلطة العمود والقالَب التقليدي ، فهي تحافظُ على حال الاضطرابِ والثورة حتى آخر حرفٍ في التجربة .. بمعنى أنّها تمضي مع فرضية (النثرِ) إلى آخرِها ..

- قصيدتُها (نسيانٌ متعمَّد) التي تلخص – في رأيي – رؤيةَ (غادة) لذاتِها .. احتفاؤها بالحالة الطفولية التلقائية في النصف الأول من القصيدة قبل أن (تسقُطَ) ، ثم يخنقها البكاء ، ثم تتناسى هذه الخبرة الفرِحَة بأن تغسل وجهها وتغرقه في المساحيق ، ربما يعني أنّها تشفق من مستقبلٍ ستُضطَرُّ فيه إلى أن تكونَ أقلَّ تلقائيةً مما هي عليه .. ليس اعتباطًا أنَّ هذه القصيدةَ وحدَها تذكرني باثنتَين من أجمل قصص الأطفال وأقربِها إلى قلبي .. (ثلاث ريشاتٍ) ، و(الأرنبُ الحكيم) .. في الأولى تكونَت لديَّ بداياتُ إدراكٍ لكُنهِ الأنوثةِ ، حيثُ تسيرُ البطلةُ الطفلةُ في طريقٍ جميل ، ثم تهبُّ الريحُ فتُطيرُ قبعتَها كما تُطيرُ فستانَها إلى أعلى ، فتتركُ القبعةَ ذات الريشاتِ الثلاثِ لتطير ، بينما تمسكُ بفستانِها لتكبَحَ حركتَه التلقائية .. أذكرُ أني سألتُ أبي وأنا بعدُ لم أتجاوز الخامسة .. لماذا لم تفعل العكس .. وكان ردُّهُ بسيطًا ومتوقَّعًا جدّا!
  في القصة الثانية، يقنعُ الأرنبُ شعبَ الفِيَلَة بأنّ القمرَ غاضبٌ لأنهم شربوا من بحيرتِهِ وأثاروا صورتَه المنعكسةَ على سطحِها .. (الأرنبُ داخلَ القمرِ يبتسمُ لها) .. حالةُ الحكمة والرضا المُدَّخَرَةُ في البعيدِ الذي لا يُطال .. تعبيرٌ آخَرُ عن الاحتفاءِ بالطفولة .. (غادة) ..

-  ملاحظةُ أنّ النصوص ذات المعمار الواضح في الديوان الأول أكثرُ منها في الديوانِ الثاني .. قصيدةٌ مثل (نسيانٌ متعمَّد) وأخرى كـ(غير ملومين) في الأول من أفضل الأمثلة على هذا المعمار المتماسك .. ولا يكاد يكون بين نصوص الديوان الثاني إلا بضع قصائد ذا المعمار .. ليس في الأمر حكمٌ قيميٌّ من جانبي .. أنا فقط أسجلُ الملاحظةَ وأحاول أن أستكنهَ ما وراءَها .. ربَّما هو هروبٌ من الوعي في الديوان الأول إلى اللاوعي في الثاني ، وهو ما كنتُ نوهتُ به في مداخلتي المتواضعة أثناءَ المناقشةِ الأولى لهذا الديوان ، حيثُ أعربتُ عن تصوري أن (غادة) تعتمدُ تقنيةَ التداعي الحر في الكتابة بشكلٍ أساسيٍّ، ربما لتهرب من سلطة وعيها بالفعل .. وأرى أنَّ هذا يتَّسِقُ مع عنوانَي الديوانَين .. فالأولُ رغمَ أنه مقتطعٌ من قصيدةٍ واضحةٍ مفزعةٍ تتنبّأُ فيها (غادة) بمصيرِها وتُبدعُ الـEschatology الخاصّ بها ، إلا أنه يكرّسُ حالةَ البهجةِ والحضور التي تحكم النصف الأول من القصيدة (تقفزُ من سحابةٍ لأخرى) .. حتى العنوانُ يذكرني بلعبةٍ أخرى لكنها لعبة (أتاري) هذه المرّة ..!
أمّا العنوانُ الثاني (تسكبُ جمالَها دونَ طائل) ، فيكرّسُ حالةً من اليأس والاعترافِ بالفشل وبالعبث ..
تجرُّني هذه المسألة إلى موضوعِ التراتب الزمني لإصداراتِ المبدع ووعيه بعلاقة إصداراتِهِ ببعضها ، كما أنَّ له علاقةً بعلاقة العنوان بالنّصّ وأسبقية أيٍّ منهما على الآخر .. أتصوّرُ أن إدراك (غادة) لهذه العلاقة بين ديوانَيها جاءَ ربما بعد أن أنجزَت الثاني بالفعل .. لكن ، ماذا لو أنَّ مبدعًا ما كان لدَيه مخطَّطٌ لإصداراته وموضوعاتِها قبل حتى أن يشرَعَ في كتابتِها؟!
هل هذا الوعي القبليُّ (وهو وعيٌ بالذاتِ بشكلٍ ما) يبعِدُ الكاتبَ من دائرةِ الإبداعِ بدَعوى أن الفنَّ تلقائيٌّ إلى أبعد الحدود؟ أنا أعني تحديدًا حالة (كريم الصياد) .. وبالمثل ، هل اختيارُ العنوان قبل كتابة النص يخرج الكاتب من هذه الدائرة بدعوى أنه يحجرُ على أفكاره مقدَّمًا؟ شخصيًّا لا أرى ذلك ..
(ليس لديّ حكمٌ قيميٌّ جاهزٌ أيضًا فيما يتصل بأفضلية أيٍّ من الكتابة الواعية وغير الواعية .. أراهما في النهاية خيطَين ينضفران بشكلٍ محتومٍ في كل كتابةٍ ، ويكاد يكون من المستحيلِ أن نقطع بسطوة أحدهما على الآخَر خارجَ النص .. فرويد كرّس (اللاوعي) وقلب التراتبَ الأفلاطونيَّ حين بسطَ هيمنتَه على الوعي ، كما فعل (نيتشه) في تصوره عن أسبقية (الصيرورةِ) على الوجود .. ثم جاء (دَريدا) لينسِفَ الأسبقيات ويكرّس سيولةً شاملة !)

- في قصيدتها (نبوءةٌ لن تتحقق) أو (فيرونيكا تقرر أن تعيش): أنا لم أقرأ رواية (پاولو) .. لكن (غادة) بهذا العنوان تسفِّهُ مسعى القصيدةِ بنفسها .. (سيتركونها تعيشُ بجنونها)، لكنَّ هذا ببساطةٍ لن يحدث .. إنها حالةٌ تشبهُ (صورة دوريان غراي) الكتابَ المقدِّسَ للفنِّ ، الذي يسفِّهُ الفنَّ وينسفهُ من جذوره في ذات الآن ..
- في قصيدتها (مرآة) .. تُكَذّبُ (غادة) أصلََ الإهداء في الديوان الأول: "إلى كلِّ من علّمني أن أتكئَ على ذاتي .. وأن أحترمَ طريقتي في فهمِ العالَم". السؤالُ هو: ألا تحتاجُ التجربةُ الصوفيةُ إلى ضبطٍ ما؟ السؤالُ مطروح ..
- خطوةٌ للخلف .. قصيدة (ثبات) .. لا يمكن وصفُ كتابةِ (غادة) بأنها نسوية .. القصيدة تحتفي بالرجل العنكبوت! الرجلُ الذي يمارسُ رجولتَه طيلةَ الوقت بينما الفريسةُ مستكينةٌ (ثابتةٌ) تنتظرٌ أن يجدلَ خيوطَهُ حولَها ويُتِمَّ صيدَها .. لا تريدُ (غادة) ثورةً في الحقيقةِ على ما هو كائنٌ ، بقدر ما تفضَحُ الحالةَ الرّاهنة .. تعرّيها أمام العِيان لكنّها تظلُّ أسيرتَها ..
Ghada is not a feminist!
ويتأكد هذا في نصِّها (عنوسة) الذي تحاول فيه أن تقتنص قدرًا من الحرية دون أن تقلِبَ الوضعَ القائم أيضا ..
- (وهمٌ دافئٌ) .. دعيني أكونُ جزئيًّا كما كان يحلو لأسلافنا من القراء!! صورةٌ بارعةٌ بكلِّ المقاييس (ماذا تفعلُ لامرأةٍ تنسجُ ثوبَ زفافٍ من خيطٍ وحيدٍ يتدلى من كُمِّ قميصِك؟) في مقابل تعبيرٍ لا أجدُ مدخلاً لفهمه على الإطلاق (عن زاوية الضياعِ بعينيك) .. هذا التراوُحُ بين معقوليةِ الصُّوَر لا يترك لديَّ سوى إحساسٍ ببداية تسرُّب (التداعي الحر) إلى الكتابة ..
- محاولةٌ أخرى لتوثين الفن في قصيدتها (الأربعاء) المهداة إلى (عمر جهان والمجموعة) .. إلى هذا الحدِّ يمكن أن يكون الفنُّ هو الحقيقة .. أتصور أن النصوص التي تخرج فيها (غادة) خارج إطار رؤيتها للعلاقة مع الرجل هي النصوص الأكثر واعديَّةً بتطوُّرٍ تعبيريٍّ في مستقبل كتابتِها .. ربما لأنها النصوص الأندر لدَيها ..
- وفي رأيي أنَّ أجملَ ما قرأته لـ(غادة) هو نصُّها (غراب السطح) .. إنه نصُّها الذي وددتُ لو كنتُ كتبتُه .. كما أتمنى لو كنت قد كتبتُ غراب إدجار آلن پو!
- من اللافت للانتباه حرص (غادة) على إفراد الصفحات الأخيرة لديوانَيها للوحاتها المحتفية بالأوجُه .. لماذا لم يلحق وجهٌ ما بكل نصٍّ على سبيل المثال؟!
أتصوَّرُ أنَّ الأمرَ كذلك لأنها لا تريدُ معادلاً بصريًّا للنصوص ولا لتيمة الديوان الرئيسة بقَدر ما تشيرُ من طرفٍ خفيٍّ إلى رغبتِها الدفينةِ في الصمت ، رغم كلِّ هذه الثرثرة ، أو بعدَها .. الصمتُ هو حالةُ الكمالِ والامتلاء والتطابق مع الذات التي تَنشُدُها (غادة) من وراء كل هذا .. ولا يتيحُ الصمتَ فنٌّ كذلك الذي يحتفي به .. التشكيل .. ولماذا دائمًا كانت اللوحاتُ بالحبر الجافِّ تحديدًا ، رغم أنّ (غادة) تشكيليةٌ متمرسةٌ تعرف التعامل مع معظم الوسائط إن لم يكن كلها؟ أتصوّرُ أنَّ لهذا علاقةً بعدم قابليةِ الوسيطِ للمحو .. بخلاف ألوان الخشب مثلاً ، سيكونُ الصمتُ هنا أبديًّا .. بقاءٌ يقتربُ من المطلقية .. ولماذا وجوهٌ فقط؟ لأنَّ هذا هو مشروع (غادة) حين تخرج من إسار الرجل .. الناس .. والناسُ وجوهُ الناس .. وهذه الوجوه تنبتُ حولها وفيها دائمًا كائناتٌ صغيرةٌ: إما نقطٌ تكوّنُ بؤرًا كما في الوجه الأول في الديوان الثاني ، وإمّا قطعٌ مستقيمةٌ حول العينين والأنف كما في الثاني ، وإمّا زخارفُ بيزنطيةٌ كما في الثالث الذي أحبُّهُ كثيرًا بعينَيه اللتَين لا تعرفان البؤبؤ كتماثيلِ اليونانِ ، وبتلك الزخارف التي تُعيدُني إلى (جوستاف كليمت) والـArt Noveau .. إنه الوجهُ الأخلدُ لأنه لا ينظرُ إلى شيء .. تعرفين يا (غادة)؟ هو يفتقدُ للدفءِ تمامًا لتفاصيلهِ هذهِ ، ولهذا فهو الأخلد! الوجهُ الرابعُ (نيجاتيف) مهولٌ لمن قبله ومن بعده .. مجردٌ من كل التفاصيل .. ربما ليرسُمَ القارئُ له التفاصيلَ التي يراها تناسبُ ذائقتَه .. لا تنسى (غادة) كتشكيلية أن تمنحَنا بعضَ المساحة لكي نرسم!! الوجهُ الخامس كاتبٌ بالإيحاء! أعني أنّ الريشات النابتةَ في جوانبه تشيرُ إلى استغراقِهِ في الكتابة، ولذا يبدو الأعمقَ حزنًا، وهو خالٍ من الألوانِ أيضًا لأنه أفرغَ ألوانَهُ بدورِهِ على دفتره .. اللوحة السادسةُ هي المنظرُ الجانبيُّ الوحيد .. لا يظهر النصُّ الكلاميُّ إلا في هذه اللوحة ، وهو هنا سطور أغنية Backstreet Boys .. هو الوجهُ الأكثرُ انعزالاً لأنه لا ينظرُ إلينا .. ينظرُ في فراغه الخاص ، ولهذا نبتت فيه كلماتُ أغنية الوِحدة، وأعشبَت أيضًا !! اللوحةُ السابعةُ رجلٌ معيَّنُ الوجهِ لا يعبأُ بوجودِ (غادة) وينبتُ من رأسهِ هوائيٌّ محترَمٌ كقرنَي استشعارٍ لا علاقةَ لهما بما تريدُهُ (غادة) من آدمية .. والجه الأخير (غادة) ، وجهُ الغلاف (غادة) ..!
- إصرار (غادة) على إدراج نصوصٍ لا تحملُ عنوانًا نصّيًّا بل رقمًا من (1-9) ، وعدمُ إدراجها في الفهرس حتى ولو بأرقامها يوحي يوجود Cryptex على غرار تلك الألغاز المنتشرة في رواية (شفرة دافنتشي) لـ(دان براون)! تتبُّع هذه النصوص التسعة يشبه الدورانَ في حلقةٍ مفرغَة .. يتوسطُها النص رقم (5) الذي يحتفي بالوهم ويقدسُهُ، أعني وهمَ الوجود في حضرة رجلٍ يصطادُ الشاعرةَ بصمتِهِ دون نطقه (تغازلُني الآنَ دون أن تنطق) ، وهو ما يبدو أن الشاعرة تبحثُ عنه: صمتٌ يغنيها عن كل هذه الثرثرة ، وهو يتّسقُ مع الركون إلى الوجوه الصامتة في نهاية الديوانين.
لكن أربعةً من النصوص قبل هذا ومثلَها بعده تعترفُ بالفشل والعبث وتركن إلى الثرثرة تمضيةً لوقت الانتظار الطويل .. ربما كان هذا هو السياق!
- من نافلة القول أن نعيد القول نعيده ونعيده في الارتباك اذي تعانيه الذات الشاعرة في علاقتها بالرجل ، وهذا ربما يتضحُ أكثرَ ما يتضحُ في نصّي (إلى رجلٍ بلا اسمٍ) و (رغبةٌ في الرقص) ..
- من واقع مداخلتي السابقة كذلك ، أستعيرُ تعليقي على نص (خيالٌ مسكون) .. هو مسكونٌ لأنه ملتبسٌ طيلةَ الوقت .. توجد حالةٌ من الـRoleplaying تملأ النص .. تبادل دور الفريسة والصياد بين الذكر والأنثى أرى أنه أثرى النص جدًّا ..
- اختيار اللغة السينمائية في تجربة تستلهم فيلمًا سينمائيًّا تقنيةٌ تستحق التوقفَ عندها .. كنت انتظر تعقيدًا ما في حبكة النص ، اتكاءًا على عنوانه الذي يشير إلى لغز رياضي ميكانيكي شهير اخترعه المجري (أرنو روبيك)، وعلى اللغة السينمائية المتقاطعة مع فيلم حقيقي يجسد معادلاً ما لحياة الذات الشاعرة .. النص جميل بالطبع .. ربما نتظرتُ منه أن يكون أسرع إيقاعًا ليكسر البطءَ الحزين الذي تصفه الشاعرةُ في بطلتها وفي الفيلم .. ربما!
- مازلتُ أكرر: نص (كابوس التمام) هو الأكثر استسلامًا بين نصوص الديوان للتداعي الحر ، ربما هو كذلك لأنه يحكي كابوسًا حقيقيًّا .. رغم أني أفتقد لترابطٍ يقيمُ معمارًا مميزًا في النص، إلا أن شواغل مثل التجربة الصوفية والـgender identity والعلاقة بالرجل تتضح في فقراتٍ ومفرداتٍ بعينِها .. للنص هذا الرُّوحُ الپانوراميُّ أيضًا كما أسلفتُ من قبل، ولأنه ينتهي بـlocation خارجي تبدو فيه السماء ونجومها والقمر ثم تبتلع النيران الصور ، فهو يذكرُني بشكلٍ ما بفيلم La Dolce Vita لفيلليني .. هو للتمام لأنه يجمعُ قصاصاتِ الشواغل المؤرقة للذات الشاعرة ، ربما كلَّها .. وهو كابوسٌ لأنها قصاصاتٌ لا تكتملُ أيٌّ منها في لوحةٍ قائمةٍ بذاتِها، ولأنّ النار تأكل الصور المتراصةَ إلى جانبِ بعضِها في النهاية فيبدو الأمرُ غيرَ قابلٍ للحل .. أحب هذا النص رغم ارتمائه في حضن التداعي الحر إلى أبعد الحدود .. ربما راديكاليتُهُ المفرطة هي السببُ في ذلك!


Sunday, 18 March 2012


قراءةٌ في رواية (سيرةُ مولعٍ بالهوانم) لطلال فيصل

من الصعب ألا أتحدث عن نفسي بشكل مباشر وأنا أحاول أن أقدّم قراءةً لرواية (طلال) الأولى! ربما يبدو هذا سخيفًا ، لكنني قرأت نصوص هذه الرواية من قبلُ عشراتِ المراتِ ، ولم أقرأها أيضًا من قبل!
علاقتي المباشرة بكتابة (طلال) قبل هذه الرواية تتمثّل في بعض قصائد ديوانه (الملائكة لا تشاهد الأفلام الإباحية) ومقالَين أو ثلاثة مقالاتٍ قرأتُها له في جريدةٍ ما، وربما حوارٍ أو اثنَين في (أخبار الأدب) .. لكن (طلال) هو أحد أقرب أصدقائي إليّ، وهو زميلي في التنظيم السري المكوّن منه ومنّي فقط ، وبصورةٍ ضمنيةٍ ، وبشكلٍ ربما يتأبّى على الوعي!
المهم ..
(طلال) يكتبُ نفسَه ..
أتفهّمُ مآزقَهُ الكبرى لأني أشاركُهُ معظمَ أرضياتِهِ الثقافيةِ إن لم يكن كلَّها .. كلانا خرّيج (قصر العيني) بكل تداعياتِ ذلك الموقف من العقد النفسيةِ والذكرياتِ الجميلةِ الأليمة، وكلانا يكتب (كلانا يا واد يا طلال (سرقته ست الوعد من نومه وجاتله مضفـّرة)) ، وكلانا وقف على أرضيةٍ إسلاميةٍ بشكلٍ ما أو بآخر (وإن كان طلال أوغلَ في تجربة الجماعات ولم أوغل فيها فظلت علاقتي بالتبليغ والدعوة سطحيةً جدًّا) ، وكلانا أتى من بيئةٍ محافظةٍ بالمعانى الأكثر شيوعًا في مجتمعنا ، وكلانا في النهاية (يحيى المنقبادي) في أرض الخوف ..
الموقفُ النِّفَّرِيُّ الذي ابتدعه (طلال) ليقدمَ به روايتَه (موقف التأهّب) يلخصُ في رأيي موقفَه من ذاتِهِ ومن العالم، ليس ذلك فحسبُ ، بل إنه يشيرُ من طرفٍ خفيٍّ إلى موقفِهِ من تفاصيلَ بعينِها في عالمِهِ هذا ..
أعني:
حين يتحدثُ (طلال) صديقي عن أدبياتِ المتصوفةِ خارجَ الرواية ، فإنه يحترمُها ويُكبرُها ، لكنه يبذلُ جهدًا لإخفاء تأففهِ من حالةِ (عدم الضبط) المسيطرة على التجربة الصوفية .. لهذا يستعيرُ (موقفَ) النّفّريّ دون أن يحفظَ له قدسيَّتَه .. ينتهكُهُ بمقدار ما يستشهدُ فيهِ اللهُ بعبارة (أينشتين) .. ليس استدعاءُ (أينشتين) في الموقفِ الصوفيِّ (المفترَضِ) جلالتُهُ تسامحًا بقَدر ما هو انتهاكٌ لقدسيةِ الموقف .. لأكونَ منصفـًا ، فهو تسامحٌ يُبطِنُ السخريةَ والانتهاك ..
وحين يسألُ اللهَ "كيفَ أقتفي أثرَ الجميلاتِ وأنا لم أدخل في علاقةٍ أيِّ علاقةٍ؟ - كيف أكتب روايةً عن الجميلاتِ وأنا –وأنتَ أعلمُ – لم أمارس الجنس ولا مرةً واحدة؟" ومفارقةُ أنَّ اللهَ يقرُّهُ على الكتابةِ في الإجابة ، فإنَّهُ يؤطِّرُ حيرتَهُ العميقةَ في مسألةِ دور الكاتبِ إن كان له دور .. سيكتبُ (طلال) روايةً عن الجنس الآخر وهو لم يمارس الجنس .. سيصفُ البحرَ وهو لم يخـُضهُ ، وإنما اكتفى برؤيتِه .. هل الكاتبُ مشاهدٌ محايدٌ تنحصر مسؤوليتُهُ تجاهَ فنِّهِ في رصد ما يحدثُ بدقةٍ ومحاولة اكتشاف المنطق الذي يحكمُ هذا الـ(ما يحدثُ) دون أن يقدمَ إجابةً عن التساؤلاتِ التي يُثيرُها؟ أم أنَّ عليهِ أن (يخوضَ) البحرَ ويعرَك الجنسَ طوالَ الوقت؟ حين يستشهدُ الله بعبارةٍ لأينشتين ، فإن هذ العبارةَ تكونُ "الخيالُ أقوى من المعرفة" .. ليس عليكَ يا صغيري أن تخوضَ البحرَ وإنما عليكَ أن تتخيلَه ..
لِيَكُن ..!

حين يبدأ (طلال) الروايةَ بـ(مس هالة) فيقدمُ نفسَهَ العاشقَ الطفلَ الذي يغارُ على معلمتِهِ ، يتّسِقُ من جديدٍ من رؤيتِهِ لذاتِهِ التي لا يصيبُها التغيرُ ، فهو في نهاية الحكاية الثامنة (عن لوليتا بولكوفا) يحاولُ أن يكتنهَ ما تفكرُ فيه راقصة الباليه بعد مرور كل هذه السنوات فيقول: "هل أمرُّ بخاطرِها ولو لمرةٍ واحدةٍ، تتساءلُ فيها بينها وبينَ نفسِها عن هذا الصبي العجيب الذي أصرّ أن يكلمَها بلغةٍ لا تفهمُها طوال مدة إقامتها في مصر!" .. صبيٌّ رغم أنه طبيبُ امتياز .. صبيٌّ لأنه يواجهُ العالمَ ببراءةٍ أصيلةٍ لم تتدنّس بالدنَسِ الأكثر عالميةً في كل الثقافات وعبرَ تاريخِ الجنس البشري (الجنس) .. وصبيٌّ لأنَّ أمامهُ الكثيرَ ليتعلمَهُ دائمًا .. وصبيٌّ بما تثيرُهُ الكلمةُ لغويًّا من دلالةِ الصبوةِ إلى الأنثى .. لا يتغيرُ جوهرُ الرّاوي طوالَ الرواية .. تتراكمُ ثقافتُهُ ومعارفُهُ تدريجيًّا ، لكنّه يظلُّ بِكرًا أصليًّا في علاقته بالله والعالَم .. والمعادلُ الموضوعيُّ لهذه البكارةِ هو عدمُ التدنُّس بالجنس ..
لماذا قرّرَ (طلال) أن يحادث (لوليتا) بالعربيةِ التي لا تفهمُها بعد محاولاتٍ فاشلةٍ للتواصل معها بالإنجليزية أو الفرنسية؟ من المؤكد أن محاولاتٍ بالإنجليزية غيرَ ناجحةٍ تمامًا ، أفضلُ من محاولاتٍ بالعربيةِ مستحيلةٍ بالقطع!
أتصورُهُ قد قررَ ذلك ليحافظَ على الحاجزِ الذي يفصلُهُ عن خوضِ البحر .. هل يريدُ ولا يريد؟ هل (يريدُ) بوعيِهِ ويكررُ ذلك طوالَ الوقتِ ، لكنهُ (لا يريدُ) بلاوعيِهِ ولذا قرر أن يحادثها بالعربية؟ ربّما قطع (طلال) بإجابةِ السؤالِ الخالدِ عن دوره ككاتبٍ منذ البدايةِ وقبلَ أن يصوغَ السؤالَ بالفعلِ ، ففقالَ (لاوعيُهُ): "أنا مجرَّدُ راصِد .. لن أعرك العالم حقيقةً .. لن أخوضَ البحر .. لن أمارسَ الجنس." ولذا قرر أن يتكلمَ بلسانهِ الأمّيّ النقيّ الذي لم يتدنس بالمعرفة البَعدية (ممثَّلةً في الإنجليزية) .. دعها لا تفهم .. المهمُّ أن أتخيلَ أنا كما قال (أينشتين) .. حالةٌ من السلفيةِ الكامنةِ هنا أيضًا .. السلفيةُ بما هي رجوع للأصل في بساطتِهِ ودون التعقيدِ الناجمِ عن تراكمات الحضارة.

   ألم أقل في البداية أنه يصعبُ عليَّ أن أتكلمَ عن عملٍ لـ(طلال) ولا أتكلمَ عن نفسي؟!
 في تجربتي الشعرية الوحيدة المهداةِ إلى (طلال)، والتي كتبتُها عام 2006 ، وبغضِّ النظرِ عن القيمةِ الفنيةِ للتجربة المفردة، فقد عنونتُ التجربةَ بـ(مسامرةِ الصّبيّ) (وهي موجودةٌ في ديواني (تعاطٍ)) .. حيثُ أقول في بيتها الثاني:
"أنا يا صبيُّ مجاهِدٌ فيكَ الصِّبا .. مُستأصِلٌ من فِيكَ ألسُنَ حالي" .. وأذكر أن العزيز (طلالاً) سألأني حين ألقيتُها عليه: "هل ترى فيَّ صبوةً ما؟" .. يبدو أنّني أمتلكُ رؤيةً بالفعل يا صديقي!!
 
  بالطبعِ لا قيمةَ لأن أورِدَ أمثلةً من الرواية على انشغال (طلال) بالهمّ الإسلامي ، فهو يمثلُ بالفعل الخلفيةَ (الشرعيةَ) للرواية .. ورُبّما لهذا نجد بطلات الروايةِ (هوانم) كما يحب (طلال) أن يسميَهن .. هوانم لأنهنَّ أقرب إلى الحالةِ المحافظة التي ينتمي إليها التصورُ الإسلاميُّ الذي يقفُ على أرضيته الكاتب .. ولهذا أيضًا يستبعدُ (سعاد حسني) بشكلٍ صادمٍ جدًّا في بداية حديثه ، ويُدرِجُ في (هوانمِهِ) شخصيةً كـ(درّيّة شرف الدين) ..

ربما تكون حكاية (صفية وآسر صالحين) / الحكايةُ الخامسة جديرةً بأن تحتلَّ صدارةَ مشهدِ الحكيِ في الرواية ..
هي كذلك من وجهةِ نظري لأنها الحكايةُ التي ينزاحُ الراوي من بطولتها ليفسحَ المجالَ لغيره، وهو هنا صديقُهُ/ أو بالأحرى زميلُهُ (آسر صالحين) .. قصة (لوليتا) قويةٌ – لا شكَّ في ذلك عندي – لكنَّ راويَها بطلُها كما هو الحالُ في بقيةِ الحكايات .. أتصوّرُ أنَّ لمركزية الراوي البطل في الرواية علاقةً بحداثةِ انقلاب (طلال) على الشِّعر كفنِّ مرجعيٍّ بالنسبةِ له .. الشِّعرُ في التصور الأكثر شيوعًا عنه استبطاناتٌ للموضوعاتِ في ذات الشاعر، فهو مركزُ التجربة الشعرية البارزُ في معظم الأوقاتِ إن لم يكن دائمًا .. وهذا هو الحالُ في الروايةِ هنا، باستثناء الحكاية الخامسةِ التي أعتبرُها نقطةَ انطلاقٍ لـ(طلال) كروائيٍّّ فيما يُستقبلُ من كتاباته ..
لماذا (ما هو المرادفُ العربيُّ لكلمة Mediocrity) هو العنوانُ الفرعيُّ لحكاية صفية وآسِر صالحين؟
يبدأ (طلال) الحكايةَ بأن السبب الذي يجعل شخصًا ما (وهو آسر) يحب فتاةً اسمها (صفية زينهم بيومي) ويضعها في قائمة الهوانم ، هو ذاتُ السبب الذي يجعلُهُ يعتنقُ الفكر السلفي .. اختزالاتُ (طلال) الواضحة المعقَّدة .. رمزه المفضوحُ المتواري .. هل (صفيّة) بما هي عليه من عادية Ordinariness هي التجسُّدَ الحيَّ للـMediocrity؟
اللفظة الأخيرةُ تردُ في سياقاتٍ تتعلقُ غالبًا بنقد الفنانين .. إنها السُّبَّة التي يفرُّ منها كلُّ من له صلةٌ بالإبداع ..
لكن هل يجوزُ مجتمعيًّا أن نستخدمها في سياقات الحياة الواقعية؟ أعني أنَّ (صفية) مجرد طالبة طب لا هي جميلة ولا قبيحة ، لا متفوقة ولا بليدة ، ولا أي شيء .. لكن دعني يا (طلال) أذهب معك إلى طرفي الحياة الطلاّبية الممكنة لمثلها .. لو كانت (صفية) متفوقةً ، كنت ستنعتها بالـmediocrity أيضًا . وكذلك لو كانت (بليدة) .. وكذلك لو كانت بارعةَ الجمال متفجرةَ الأنوثةِ أو شديدةَ الدمامة .. إنه موقفٌ يتبنّاه الفنّانُ إزاءَ من ليسوا بفنّانين، قبلَ أن ينعتَ به من يزدريهم من الفنانين .. في النهاية .. يبقى السؤال .. إن كان للأخلاقِ وجودٌ حقيقيٌّ، فهل هذا الموقفُ أخلاقيّ؟! ليست لديّ إجابة !!
المهمُّ أنّ (طلال) يحاول أن يكسرَ لدى متلقّيه النمطَ الشائعَ لديهم عن السلفيِّ، والذي كوّنته سيناريوهات (وحيد حامد) كما يقولُ صراحةً، بأن يُورِدَ مواقفَ (آسر) التي يظهرُ فيها عطفهُ على الراوي وتسامحهُ معه ، وفي ذات الوقتِ يتخذُ موقفًا مسبَّقًا منه حين يُلمِحُ بالـMediocrity في بداية القصة ..
إذَن رُبّما كان اعتناقُ الفكر السلفيِّ شيئًا غير الـMediocrity ، ولا هو حتى تجلٍّ من تجلياتها .. السلفيةُ – من خلال قائمة المحرّمات التي يذكرُها (طلال) والتي يستثني منها (آسر) صوتَ الشيخ (مشاري راشد) – جنوحٌ إلى البساطةِ الأولى من خلالِ توسُّعِ واطّرادٍ في استخدام القاعدة الفقهيةِ المتعلقةِ بـ(سدّ الذرائع) .. هي محاولةٌ للعودةِ إلى حالة المجتمع الإسلامي في نواتِهِ الأولى في العصر النبوي، وقبلَ أن تتجلى (زهرةُ الحياةِ الدنيا) بعد الفتوحات الإسلامية ونمو الحضارة .. أمّا الـMediocrity فهي موقفٌ يتبنّاه المبدعُ من غير المبدعِ طيلةَ الوقتِ، ربّما كحيلةٍ دفاعيةٍ لإثبات أصالةِ إبداعه ..
دعني يا (طلال) أتوسّل في هذه المسألة ببداية رواية (روبنسون كروزو) وهي فتحُ الرواية الإنجليزية الأولُ، الذي يحتفي بالروح البروتستانتيةِ ويفككها في ذات الآن .. الأبُ ينصحُ ابنه (روبنسون) في البداية بأن يسلك الطريق الوسطى في الحياة The Middle Way .. إنه طريقُ الموظفين والأطباء العاديين (غير العلماء) والمهن الموقّرة مجتمعيًّا دون وجود إبداعٍ أصيلٍ في ممارستها .. يندمُ (روبنسون) وهو يحكي عن رفضه لهذه النصائح ، ويقولُ إنه لم يقدّر قيمتَها إلا بعد أن أخذ الطريقَ التي اختارَها وهي طريقُ الاكتشافِ والمغامرة (التجلي الحقيقي للروح البروتستانتية التي لا تأمنُ أبدًا لرضا الإله عنها فتطمحُ في مزيدٍ من الجهاد/الاكتشاف والمغامرة، بعد أن أسقطت سلطة زعماء الكنيسة الذين كانوا يضمنون مستوىً معقولاً من رضا الله) .. يكرّس (دانييل ديفو) روحَ مذهبِهِ، ويفككها ببيان ما تنطوي عليه من إنهاكٍ حتميٍّ أبديٍّ في ذات الآن .. ما يهمُّنا الآنَ هو أن نشيرَ إلى تعبير (الطريق الوسطى) التي هي الـMediocrity .. حالة الرضا باللاإبداع هنا غيرُ حالةِ تقويضِ الوضع القائم في سبيل الوصولِ إلى أصلٍ غائبٍ مستحيلٍ كما في السلفية .. هذا هو تصوري الذي أردتُ بيانَه ..

  دعني أنتقل إلى نقطةٍ أخرى متعلقةٍ بحكاية (آسر صالحين) .. أرى أنّ (آسر صالحين) السلفي المثالي الذي يُلمحُ (طلال) إلى أنه أرادَ أن يكونَهُ وفشِل، هذا الـ(آسر صالحين) هو (طلال) طيلةَ الوقت!
(آسِر) يحبُّ زميلتَهَ (صفية) العاديةَ جدًّا بكلِّ المقاييس .. و(طلال) في الحكاية الموازية مع (لوليتا) (الحكاية التاسعة) يحبُّ باليرينا روسيةً يصرِّحُ بنفسهِ أنه يكاد يكون من المستحيل أن تفرّق العينُ بينها وبين رفيقاتها اللاتي هم دون الـVidette في الباليه .. إنه يعيدُ إنتاجَ (آسر) طيلةَ الوقت .. وبينما يعود (آسر) إلى ولعه بفن الخط العربي ويكتبُ لوحة (وزوّجناهم بحُورٍ عِينٍ) ، يختار (طلال) سنَّ الثالثة والثلاثين لُينهي به شقاءَ الروايةِ ويقرر أن يتزوّج ابنةَ معلمته الأولى .. لماذا الثالثة والثلاثون بالتحديد؟؟! أليست هذه سِنَّ أهل الجنة في المأثور الإسلامي؟ يبعثُ المؤمنون شبابًا على هذه السنّ، ويُزوَّجون الحُورَ العِين .. يعيد (طلال) إنتاج (آسِر) هنا أيضًا بآليةٍ مختلفة ..
ولأني آليتُ على نفسي أن أذكُرَ نفسي بينما أتحدث عن تجربة (طلال)، فإنني لسببِ مشابهٍ قررتُ أن يعودَ العالمُ إلى الحالةِ الجليديةِ على أجنحة (صَرّار الليل) في قصتي (أولي أجنحة) ، وأنا في الثالثة والثلاثين .. لم أذكر هذا صراحةً في القصة ، لكن بتتابع الأحداث وبمعرفةٍ شخصيةٍ وثيقةٍ بظروف دراستي الحالية ، يستنتج القراءُ المحدودون أن البطل هو أيضًا في الثالثة والثلاثين! ما علاقةُ هذا بحديثِنا؟ هاه؟!!

لابُدّ أن تستوقفَكَ حكاية الجميلات الثلاث الواقفات أمام مستشفى (أبو الريش) / الحكاية السابعة المعنونة (حكاية هامشية تمامًا) .. ماذا يريدُ (طلال) هنا؟
قد تبدو الحكاية مقحمَةً على سياق الرواية .. لكن لا! تمهّل قليلاً ..
الحكايةُ حالةٌ وسطٌ بين موضوعية الخامسة (صفية وآسر صالحين) وذاتية التاسعة (لوليتا بولكوفا) .. البطل (طلال) وهو ليس البطل أيضًا ، لأنَّ البطلَ شابٌّ مستهترٌ يجيءُ من لامكانٍ بعينه ويسمع (طارق الشيخ) ، وتحديدًا في أغنيته (يعمل اللي يعجبه) .. هل هو البطل الذي يشتاق (طلال) أن يكونَه رغم كل محاولاتنا لنفي ذلك؟! إنه البطل الذي يقرر أن يغتصب لمسةً (آثمةً) من طالبة الطب ، ويكرس له فنــُّـه الأثيرُ هذا الموقفَ حيث تقول الأغنية (يعمل اللي يعجبه) .. إنه موقفٌ على النقيض من موقفِ المتفرج الراصد الذي يتبناه (طلال) البطلُ اللابطل .. فالأغنية الشعبية تجيء (تقريريةً .. بلا خيالٍ ، ولا استعارةٍ ولا مجازٍ) كما يقول (طلال) .. بينما تقولُ عبارة (أينشتين) المقدسةُ المنتهِكَة في المقدمة: "الخيالُ أوسعُ من المعرفة" .. صدقني يا (طلال) .. الآن أشعرُ برِعدةٍ تتمشى ف جسدي على مهَلِها .. إنه الألم .. كلُّ هذا التمزق يا صديقي ...

في النهاية
أزعم أن الكلام عن الرواية لم ينتهِ بعد .. تظلُّ الرؤى التي أطرحُها هنا طِفلةً للغاية وهي تحومُ حولَ عملٍ فنيٍّ هامٍّ كهذا .. وتظلُّ أسئلتي أسئلةً لا أملكُ لها إجابات .. وتظلُّ الروايةُ حُبلى بالمزيدِ من هذه الأسئلة وما إليها ..
وأعتذر يا عزيزي المسافر
عن إقحام ذاتي في قراءةٍ لروايتك .. كما أعتذر عن إقحام ذاتك التي أزعم أني أعرف عنها الكثير (وهو ما لا قِبَلَ لي بفعله في قراءاتِ لأعمال غيرك) .. يبدو أنه من الصعبِ على أمثالي أن يكتبوا بعيدًا عن ظلال الصداقة!

كن كما أنت .. وأعدكَ أنني سأظلُّ كما أنا ..
مولَعًا بالهوانم.