Loading...

Wednesday, 8 April 2015

أنا أليسّاندرو دِل پييرو




عزيزي چوفانّي تراپاتوني  ..
اذهَبْ إلى الجحيم ..
ألا تعرفُ مَن أنا؟
لقد زرعَت نظراتي النومَ في أعيُنِ كلِّ مَن وقَعنَ في حُبّي
وزرعَت اليقظةَ في عينَي مَن أحببتُها  ..
قدمايَ 
اللتان تبدُوانَ أكثر الأقدامِ انتظامًا حين أنظرُ إلى الأرضِ قبلَ تكبيرةِ الإحرامِ
لم تترُكا شبرًا
من (دَربِ الشَّمسِ) بـ(السيدةِ زينب)
إلى برجِ قلعةِ (پراغ)
إلى ساحل الأدرياتيِّ
إلاّ وبذرَتا فيهِ الشَّوك  ..
كلُّ هؤلاء اللاعبينَ
لا يعرفونَ يا عزيزي أنَّ الكُرَةَ كُرِّيّةُ الشكل .. 
إنهم فقط يسلِّمُون بوجودِها  ..
وكلُّ هؤلاء الشعراءِ
لا يعرفون شيئًا عن اللغةِ   ..
إنهم فقط يتدثَّرُون بأحرُفِها
وينامونَ على أسطُرِها في استسلامٍ
طيلةَ الوقت ..
وَحدي 
أرى شيطانَها الذي يعرفُ أنني أراهُ
فيُخرجُ لي لسانَهُ
فأُخرِجُ لهُ لساني  ..
هل أبدو لكَ مصابًا بجنونِ العظَمَة؟
أنا فقط لا أتحمَّلُ ألاّ أنتصِر  ..
أعرفُ أنكَ في قرارةِ نفسِكَ تقولُ:
"هو رائعٌ بالتأكيدِ ، إلاّ أنَّ هناكَ غيرَه."  ..
لكنّني كما قلتُ لكَ آنفًا:
نَكَحتُ الكُرَةَ سبعةَ أعوامٍ
حتّى احمرّت
وزنيتُ بها سبعةَ أعوامٍ 
حتّى ابيضّت
وتركتُها تستقرُّ كهِرَّةٍ عندَ قدمَيَّ سبعةَ أعوامٍ
حتّى اسودّتْ
فهِيَ سوداءُ مُظلِمَة ..

أنا إسكندَرُ المهرِّجين:
بينَ كلِّ (پييروهاتِكُمْ) أنا الإسكندرُ الوحيد  ..
زوجاتُ أصدقائي يَعرِفنني ليَضحَكنَ
وأزواجُ صديقاتي يَعرِفونني ليَضحَكُوا
والكرةُ ماثلةٌ عند قدميَّ
تنظرُ إلى الجميعِ مزدريةً
وتصطدمُ عيناها بعينيَّ
فتخشَعُ  ..
تعرفُ أنني الإسكندرُ القيصرُ ابنُ آمون  ..
حينَ أركلُها
تبحثُ من تلقاءِ ذاتِها عن أكياسِ مَن اغتابُوني
لتَخصِيَهُم  ..
أنا يا عزيزي
(أليسّاندرو دِل پييرو) ..
أنظرُ الآنَ إلى السماءِ
حيثُ يمتدُ قرنا أبي (آمونَ) من الشرقِ إلى الغرب  ..
أراهُ يضحكُ لي
ويعدُني بالركلةِ التي حلَمتُ بها مُذ كنتُ في الرابعةِ
حيثُ تخرجُ الكرةُ من طرفِ حذائي عند مرمايَ
لتستقرَّ في أحشاءِ أعدائي
معلنةً للجميعِ 
أنَّ (أليسّاندرو) ليسَ كأحدٍ من رجالِهِم  ..
عزيزي (چوفانّي)  ..
أنا (أليسّاندرو دِل پييرو) ..
وهذا يكفيني .
....................
محمد سالم عُبادة
11/3/2012
..................
نُشِرَت بمجلة (الثقافة الجديدة) في عدد مارس 2015.

Saturday, 4 April 2015

في حَضرةِ الصمت .. قراءةٌ في المجموعة القصصية (الضئيل صاحب غِيّة الحَمَام) لأحمد سمير سعد








     "واقف ساكن تمام زي الحمام اللي حواليه" .. "هُو أصَمُّ أبكمُ غيرُ قادرٍ على سماعِهِ أو إسماعِهِ صوتَه" .. "يستمعُ إليه الخِضرُ أحيانًا، يُشيرُ نحوهُ بالصمتِ أحيانًا أخرى" .. "ستقضي باقيَ عُمرِكَ كنخلةٍ عمياءَ بكماءَ صَمّاءَ تحاولُ أن تهتزَّ في عنفٍ بائحةً بالسِّرِّ" .. "أبويا وأمي كلموا الداية لغاية ما ضمنوا سكوتها وفضِل السر. قالوا لي ما اقولش لحد" .. "لن أخبرَه بما سمعت .. سأحتفظُ بسرّ الحقيقةِ لنفسي" ..
     هكذا يؤسس (أحمد سمير) لرهبةِ الصمت في عالمِه القصصي .. أبطالٌ يلفُّهمُ الصّمتُ حتى يُهلِكَهم أو يُفرَضُ عليهم عقابًا على تطلُّعِهم إلى الحقيقةِ أو يُخيِّمُ على الماضي حتى يترُكَهم في تيه الحَيرةِ أو يتوهّمونه وسيلتَهم للنجاةِ فإذا هو حيادٌ مُخاتِلٌ يُسلِمُهُم لمصيرِهم المشئوم ..
     هي المجموعةُ القصصيةُ الأولى لمؤلِّفِنا، حيثُ صدرت له قبلَها رواية (سِفر الأراجوز) عام 2009، و(تسبيحةٌ دُستوريةٌ) وهو نصٌّ نثريٌّ طويلٌ مَصوغٌ في صيغةِ الدستور ..
     في القصة الافتتاحية التي تحملُ عنوانَ المجموعةِ يشهدُ الضئيلُ الأسمرُ صاحبُ غِيّة الحَمام – بحُكمِ موقعِهِ الدائمِ فوق سطح أحد البيوتِ – كُلّ موبِقاتِ جيرانِهِ من خيانةٍ زوجيّةٍ وتعاطي أبناءِ الأثرياءِ المهاجرينِ للمخدّراتِ وغِشّ صاحبِ محلّ الشّواءِ للُحومِ واشتهاءِ ربّ الأسرةِ بائعةَ الخُضرةِ متفجرةَ الأنوثة .. لكنّه صامتٌ (ساكنٌ كالحَمام) .. في المشهد الافتتاحيّ يُنكرُ هامسًا - حينما يستجوبُهُ الضابطُ- رؤيتَه لسرقةٍ حدثَت بالمنطقةِ، لكنّه في مواجهةِ النسرِ على كتفِ الضابطِ ذي الصوتِ الرّخيمِ ينهارُ مُدلِيًا بشهادتِه .. هنا يضعُنا القاصُّ منذُ الصفحةِ الأولى أمامَ مقابلةِ النسرِ الواثقِ بنفسِهِ والحَمامِ ذي الهديلِ الهادئِ المرتبكِ الذي يكادُ يكونُ صَمتا .. الجيرانُ يَخشَونَ صمتَه وينسجونَ حولَهُ الأساطيرَ، فيُقالُ إنه يُسَرِّحُ حَمامَهُ ليأتيَه بالأخبار، ويُقالُ إنّه نافِذُ البصَرِ حتى أنه مِن موقِعِهِ المرتفعِ رأى خاتَمًا يسقطُ من اللصوصِ أثناءَ هربِهِم بعدَ السرقةِ التي تبدأُ القصةُ بالتحقيقِ فيها .. وتلوكُ الألسُنُ حكاياتِ مَن حاولوا رِشوتَهُ بشتى الوسائلِ ليتستّر على جرائمِهِم .. وفي النهايةِ تصطادُهُ رَصاصةٌ طائشةٌ في فرَحٍ شعبيٍّ بينما يُلَوِحُ للحَمام ليلاً ليهبِطَ إلى الغِيَّة .. نحنُ بإزاءِ التعالي الّذي يُسكنُ الصمتُ فيهِ أصحابَه .. رجلٌ يُشبهُ النّصّ المُقدَّسَ الحافِلَ بالإشاراتِ دونَ التصريحِ والشّاهِدَ على الأحداثِ في لُطفٍ خَفِيٍّ، حين يتربّصُ بهِ العامّةُ فيَخشَونَهُ أولاً ثُمّ يتحيّنون الفُرَصَ لإسقاطِهِ في صخَبِهم الفَرِحِ الفَخُور ..
     في (بينَ يَدَي الخِضرِ) ما يُغرِي بثُبوتِ هذه الرُّؤيةِ حينَ يعودُ الشيخُ (راضي) من تحليقِهِ مع الخِضرِ إلى حلقةِ المتلهّفينَ إلى إجاباتِهِ عن أسئلتِهم، فيقولُ ككلامِ عرّافاتِ (ماكبِثْ) كلامًا يشبهُ حَكيَ الأحلامِ ويُلَمِّحُ دون التصريحِ: "يا اسماعيل التفاحة اللي بتقطفها وشايفها حلوة مدوّدة .. يا يونس اتقال لي انك حتغرق رغم تحذيري لك .. يا مؤنس الشمس بتطلع بالنهار والقمر بييجي بالليل وعمر ما هيحصل العكس" .. ولِذا فإنهم "يَخرجون يُمعنون التفكيرَ فيما أُخبِرُوا به، النجاةُ تعتمدُ على الاستقراءِ الصحيح" .. ووسطَ هذا الصمتِ يعيشُ تلميذُ الشيخِ ومُريدُهُ (جابر) الّذي يبذُلُ مجهودًا كبيرًا في القراءة والعبادةِ ليُجاوِزَ مرتبةَ شيخِهِ دُونَ جَدوى، إلاّ مِن صوتٍ يُخبِرُهُ بأنّ الأمورَ ستسيرُ مع شيخِهِ إلى حَدِّ أن يُفتَنَ به الناسُ فيَسجُدوا له، وبأنَّ بيدهِ أن يُوقِفَ هذا الأمرَ وأنَّ هذا دورُه، لنكتشِفَ أنَّ المُريدَ التلميذَ يستجيبُ للصوتِ في النهايةِ ويَقتُلُ شيخَهُ ليُوقِفَ الفِتنةَ، كما لو أنَّ الصوتَ الوحيدَ الّذي اخترقَ صمتَ العالَمِ العُلويِّ إزاءَهُ كان صوتَ الشيطان .. ورَغمَ هذا فإنه حِينَ يُحيطُ به مُريدُو الشيخِ الآخَرون والدَّمُ يَقطُرُ من خنجرِهِ أمام جُثّة الشيخِ، يشعرُ أنه يَطيرُ خفيفًا فوقَ الماءِ، فنُترَكُ نحنُ المتلقّينَ في حَيرةٍ: أكانَ حَقًّا صوتَ الشيطانِ أم كان صوتَ الخِضرِ الذي أخبرَ الشيخَ من قَبلُ برُوحٍ تطوفُ حولَهُ وبأنه لن يُفلِتَ من القدَر .. حيرةٌ على حَيرة .. صمتٌ لا يُسلِمُنا إلاّ لدُوارٍ يأكلُ رءوسَنا كدُوارِ الحَضرَة .. رُبّما كان ابنُ الجَوزِيِّ معذورًا في إفرادِ مؤلَّفٍ لتلبيسِ إبليس!
القصةُ الثانيةُ في المجموعةِ (للصمتِ لونُ ضوءٍ أبيَض) تحتفي في مستوىً ما من التّلقّي بتراسُلِ الحواسّ، وذلك حين يُخبرُ الشيخُ الأعمى صديقَه الشابَّ (محسن) بأن نغمةً ما يصدرُها أحدُ أوتارِ العود هي نغمةٌ برتقاليةٌ والأخرى بلونٍ مختلفٍ وهكذا، حتى يستطيعَ (محسن) الأصمُّ الأبكمُ في النهايةِ أن يعزفَ على العود ما يُبقي الشيخَ وإياهُ في حالة انتشاء .. لكنّنا في مستوىً آخَرَ نجدُ إحالةً إلى هيمنةِ الصمتِ على كل الأصواتِ واحتوائهِ إياها كما يهيمنُ الأبيضُ على كل الألوانِ ويحتويها، وهو ما يعنيه عنوانُ القصةِ ويجسدُهُ مشهدُ دخولِ (محسن) حجرةَ الشيخِ لأولِ مرةٍ ورؤيتَه للمصباحِ النيون الأبيض المحاطِ بالكريستال الذي يحلل الضوءَ إلى ألوانِ الطيف.
     في (النَّخلةُ .. مُحتَرِقة)، يُوصِي رجلٌ يُحتَضَرُ ولدَهُ (إسماعيلَ) – في تناصٍّ واضحٍ مع قصةِ نبيّ الله إسماعيلَ سادِنِ الكعبةِ – بالتماسِ النخلةِ المبارَكَة التي خدمها أبوهُ وأجدادُهُ قبلَ أن يترُكَها الأبُ المُحتَضَرُ وهو شابٌّ في سبيلِ أسفارِه .. يذهبُ إسماعيلُ إلى الموقعِ الّذي يُتوقَّعُ أن تكون فيه النخلةُ فيصطدِمُ بجَهل الناسِ بها، إلاّ عجوزًا تبدو كلماتُهُ عنها متأرجحةً بينَ الذكرياتِ والتّخريف، وإلاّ ملفّاتِ تحقيقٍ قديمةَ عن نخلةٍ احترقَت قديمًا ولم يُسفِر التحقيقُ عن معرفةِ الفاعل .. ولا يَجِدُ منغرزًا بجذورِهِ في المنطقةِ الموعودةِ إلاّ شجرةَ تُوت عملاقةً تقومُ في وعيِ الناسِ بكلِّ الأدوارِ التي يقولُ الأبُ الميّتُ والعجوزُ في تخاريفِهِ والتحقيقاتُ المحفوظةُ في السّجِلاّتِ بإسنادِها إلى النخلة .. ويُحيطُ (أحمد سمير) قصتَهُ من طَرَفَيها بِفقرةٍ تتحدثُ في البدايةِ عن النخلة: "شمخَت النخلةُ بساقِها عاليًا .. سعفُها المستعرَضُ يُناطِحُ السحابَ .. كانت أزليةَ الوجودِ، أولَ ما خُلِقَ على الأرضِ، ثُمَّ ومِن حولِها تكوَّنَت عناصِرُ الأشياء. شجرةٌ مباركَةٌ مَرَّ بها الأنبياءُ وتمخّضّت عنها البرَكاتُ"، وتتحدثُ في النهايةِ عن شجرةِ التُّوت: "شجرةُ التوتِ أزليةُ الوجودِ، ......" .. تَكرارٌ قاسٍ يضعُنا في قلبِ المأساةِ الكونِيّةِ المتمثّلَةِ في النسيانِ مع التقادُمِ والابتعادِ عن المصدرِ الأولِ للوجود، ويُساعِدُ في ذلك استحضارُ مورفولوچيّة النخلةِ في مقابلةِ شجرةِ التُّوت .. فالأولى شاهقةٌ لا تتفرّعُ شامخةٌ بساقِها كما يَصِفُها بنفسِهِ، والثانيةُ مكتنزةٌ قصيرةٌ إذا قُورِنَت بالنخلةِ، كأنّها تَسُدُ الأفُقَ في عينَي الناظِر .. ما يُشيرُ إلى السماءِ وإلى عالَمٍ مُفارِقٍ يَحتَرِقُ وتنزِعُهُ الجَرّافَةُ (المُزَمجِرَةُ) كما يَصِفُها في مشهدٍ آخَرَ قاسٍ يتعلّقُ بمصيرِ النخلةِ القديمةِ، ليَحُلَّ محَلَّهُ ما يُرَسِّخُ الحُضُورَ المادّيَّ للأرضِ ولعالَمِ الحِسِّ كأنّهُ هو وحدَهُ أزَلِيُّ الوجود .. التكرارُ القاسي للفقرةِ بألفاظِها مع حذفِ ما يُشَخِّصُ صفاتِ النخلةِ المورفولوچيّة كأنّه يَنصُبُ بين عينَي المتلقّي ذلك الخَيطَ الرّفيعَ بين الإيمانِ والإلحادِ .. وفي ملفّاتِ التحقيقِ اتّهامٌ يُلقي به المُحَقِّقُ في وجهِ الجميعِ بإحراقِ النخلةِ، ليتنصّلَ منه الجميعُ كذلك دافِعين عن أنفُسِهم التهمةَ ومستنكريها لِما تمثِّلُهُ النخلةُ بالنسبةِ لهم جميعًا من بَرَكةٍ رغمَ  ما يبدو من امتلاكِ كُلٍّ منهم لمبرِّرٍ رُبّما يدفعُهُ إلى هذا الحَرقِ، فالّذي اعتادَ أن يأكل بلحَها المتساقِطَ جُرِحَ رأسُهُ بارتدادِ حجَرٍ ألقاهُ إليها حين اصطدمَ بجذعِها، والّذي حاولَ ابنُهُ تسلُّقَها وقعَ من فوقِها فبَقِيَ بينَ الحياةِ والموتِ أيامًا، والّذي اعتادَ لقاءَ حبيبتِهِ عندَها لديهِ مبررُه هو الآخرَ فقد خُطِبَت إلى غيرِه .. فكأنَّ هناك مؤامرةً ضمنيَّةً ما لحَرقِها، فالكلُّ حرقَها والكلُّ لم يحرِقها .. الكلُّ يعرفُ بركتَها، وفي ذاتِ الآنِ يَخشاها ولديهِ ما يُحنِقُهُ عليها .. وفي هذا تجاوُبٌ مع القصة الافتتاحية (صاحب غِيّة الحَمام)، الّذي سقطَ مقتولاً بمؤامرةٍ ضمنيّةٍ ورصاصةٍ يَظهَرُ أنّها طائشة! 
     في (الندّاهة) نجدُ الصوتَ الهامِسَ المُخاتِلَ يُغري من يَمشي بحذاءِ النِّيلِ، بشرطِ أن يَكونَ (مادًّا الخُطَى)، فالبطلُ يفعلُ ذلكَ، وعندما يدخلُ قصرَ الندّاهةِ المنتصِبَ وسطَ النيل ويتنصّتُ إلى حوارِها مع آخَرَ أَغرَتهُ يَقبَعُ في الغرفةِ المجاورةِ يَسمعُهُ يقولُ لها: "لقد كُنتُ أمُدُّ الخُطَى، سأُتِمُّ طريقي وأعودُ إليكِ". ولا نعرفُ على وجهِ اليقينِ إلامَ طريقُهُ هذا، لكن يبدو أنه سعيٌ حثيثٌ على أيةِ حالٍ، وأنهُ شرطٌ لاستماعِ هذا الصّوت .. ولأنهُ صوتٌ هامسٌ ملائكيٌّ كما يصفُهُ القاصُّ فهو يبدو مَلاذًا وملجأً في البدايةِ، لكنّه لا يلبثُ أن يُفصِحَ عن نفسِهِ في النهايةِ هلاكًا محتومًا، فالآخَرُ المُتلَصَّصُ عليه يُلقَى في حوض ماءٍ تبقى رأسُهُ أسفلَ سطحِهِ ليغرق، والبطلُ الذي سوّلَت له نفسُهُ التجسُّسَ يُحكَمُ عليهِ بأن يَبقى نخلةً بكماءَ صَمّاءَ تحاولُ البَوحَ بالسّرِّ كلّما هبّت الرّيحُ حاملةً صوتَ النّدّاهةِ دُونَ جَدوَى .. لكنّ المسكوتَ عنهُ في هذه القصّة ربما يتمثلُ في سؤالٍ حولَ مصيرٍ بديلٍ للبطَل، أإذا كان قد قاومَ دافِعَهُ التلقائيَّ للتجسّسِ على ندّاهتِهِ، هل كان يَنجُو ويبقى في قصرِها المَشيدِ على صفحةِ الماءِ مُنَعَّمًا بقُربِها؟ السؤالُ في صيغةٍ أخرى: هل الاكتفاءُ بما يُلقَى من السّرِّ في رُوعِ مَن يَسعى مادًّا الخُطى كفيلٌ بارتقائهِ في المنزلةِ؟ وهل في العَجَلَة النّدامة؟! الصمتُ الأبديُّ هنا عقابٌ على تعجُّلِ المعرفةِ وإن بدَت الحقيقةُ قبيحةً كما بدا منظرُ الندّاهةِ والبطلُ يتلصّصُ عليها ..
     في قصةِ (المتسلّل) نلمحُ أثرًا طيفيًّا من قصّة الخِضرِ الغائبِ الحاضرِ هنا .. نحنُ هنا أمامَ شيخٍ يستطيعُ التسلُّلَ إلى قلوبِ العبادِ ليفحصَ أبيضَها من أسودِها، وهو يفعلُ ذلك بانقسامِ جسدهِ إلى جسدَين نورانيٍّ وجامدٍ، وهنا يُصِرُّ القاصُّ على تسميةِ عنصُرَي الكيانِ (جسدَين) لا جسدًا ورُوحًا مثَلاً، ورُبّما كان يحاولُ لَفتَ انتباهِنا من خلالِ هذه اللمحةِ الواقعيةِ السِّحريةِ اللُّغويةِ إلى تعاسةِ المتجادلين حول أسماءِ الأشياءِ، فكأنه يُسلِّمُ مع المادّيّين منذُ البدايةِ بأنّه لا شيءَ إلاّ الجسدُ، لكنّهُ جسدانِ وإن لم تنتبهوا إلى ذلك .. المهمُّ أنَّ الشيخَ يكتشفُ سوادًا كثيفًا في قلبِ (حامد) فيأمرُ بأن يُلقَى في أرضٍ تشبهُ جهنَّمَ أو (هادس) اليونانية .. ثُمّ يقومُ الشيخُ بتسللٍ سحريٍّ آخَرَ إلى قلب صغيرِ (حامد) الأبيض، فيُسجَنَ مؤقتًا داخلَهُ إلى أن يستطيعَ (حامد) الإفلاتَ من جهنّمِ القصّةِ والعودةَ إلى حضنِ صغيرِه .. ربّما يتراءى لنا الشيخُ هنا ممارسًا سُلطةً موسويّةً صارمةً، فهو بالفعل يستطيعُ التسلُّلَ إلى قلوبِ العِبادِ، لكنّ أمورًا ما يبدو أنها خافيةٌ عليهِ، ومِن بينِها ما يئولُ إليهِ حالُ القلبِ بين غفلةِ عينٍ وانتباهتِها، فرُبّما هي هنا بين أصبعين من أصابعِ الرحمنِ، فما يَجري بها أخفى من اللُّطفِ الخفِيّ .. إننا بإزاءِ تدخُّلٍ يشبهُ وساطاتِ الخضرِ مع نبي الله موسى، لكن من طرفٍ خفيٍّ يتناسَبُ وخفاءَ ولُطفَ ما يجري على قلبِ (حامد) في القصة، لا تدخُّلاً فجًّا صارخًا وثنيًّا كما في حيلة الإله الخارج من الآلةِ Deus ex Machina في المسرحِ اليونانيّ .. 
     في (الحُلم الذي لم يفسره يوسف) يأتي نبي الله يوسف للبطلِ بعد كلِّ حلمٍ يراهُ، وبدلاً من أن يقومَ بأحد أدواره التاريخيةِ المعروفةِ ويفسرَ الحلم، يشيرُ إلى قلب البطلِ مرّتين ثُمّ يتركُهُ بلا تفسير .. الشيخُ مفسّرُ الأحلامِ في القصةِ يسكتُ عمّا سكتَ عنه (يوسف) ويُحيلُ البطلَ إلى نفسه، والبطلُ يستحضرُ في حوارِهِ معهُ مبدأ تناسُخِ الأرواحِ حين يُخبرُهُ الشيخُ بأنه بالتأكيدِ يشبهُ (يوسفَ) طالما قد رآهُ في منامِه .. تنتهي القصةُ بأن يكتشف البطلُ وجهَ شبهه بالنبي يوسف، من حيثُ إنّ الاثنَين فُسِّرَ حلمُهما الأول بحُلمٍ ثانٍ، ثُمّ يسألُ الشيخُ البطلَ عمّا وصلَ إليه، فيترُكه البطلُ في صمتٍ مفضّلاً أن يرى أثرَ الحيرةِ على ملامحِ شيخه .. هنا تأسيسٌ متجددٌ لسلطةِ الصمتِ في لُعبةِ الشيخِ والمُريدِ أو التلميذ، ولا أعرفُ كمُتَلَقٍّ إن كان البطلُ يُشيرُ إلى أنه هو نفسه نبيُّ الله يوسفُ بعد أن نُسِخَت روحُهُ ليُكمِلَ دورَهُ في العالَم، أم أنّه وصلَ إلى شيءٍ آخَرَ تصمتُ عنه القصةُ بأسرِها وإن كان يُمكنُ التماسُهُ في تفاصيلِ الحُلمَين، أم أنّه لم يصل إلى شيءٍ وآثَرَ أن يُسَرِّبَ إلينا مع شيخِهِ إحساسًا زائفًا بترقُّبِ نتيجةٍ لم تحدث داخل الإطار الزمنيِّ للقصة كما لم تحدُث خارجَه! حيرةٌ على حيرةٍ من جديد ..    
     في (ميلاد) نجدُ صدىً للحُلم الذي لم يُفَسِّره يوسُف، فنحنُ إزاءَ حُلمَين أيضًا، أحدهما من بطلٍ يرى في المنام أنه يقفزُ من فوق بنايةٍ شاهقةٍ ليكادَ يسقطُ لولا ذراعا فتاةٍ تتلقفانه فيسيتيقظ، والآخرُ من بطلةٍ ترى أنها تكادُ تنتحرُ بأقراصِ المنوِّمِ لولا قبضةُ فتىً يمنعُها من ذلك وتخترقُ عيناهُ كيانَها لتستيقظَ، ويبحثُ كلٌّ منهما عن الآخَر .. حُلمان قصيرانِ لموشِكَين على الموتِ ينتهي بهما الحالُ إلى مواصلةِ الحياةِ، ولأنهُ ابتداءُ حُبٍّ كان العنوانُ يُخبرُ بالمسكوتِ عنهُ هنا وهو الميلادُ المنتظَرُ من تلاقي الحبيبَين .. يصمتُ القاصُّ عن الملابساتِ الواقعيةِ للبطلَين ليُجسِّدَ - في هذه القصةِ التي هي أقصرُ قصص المجموعةِ – سطوةَ الصمتِ على مستوى تقانةِ القصِّ نفسِها، في إخلاصٍ عميقٍ للصمت.
     في (حسنةٌ كبيرةٌ أعلى الفخِذ)، نجدُ صدىً لا يُجحَدُ من الملحمةِ الشعبيةِ، كما لا تُخطئُ العينُ قبسًا من رُوح (يحيى الطاهر عبد الله)، ربما لاعتماد الاثنين الواقعيةَ السحريةَ طريقًا بدرجةٍ كبيرة .. البطلُ هنا مولودٌ ببشارةٍ في جسدِهِ ينتظرُها الجميعُ، وهي التي يُخبرُنا بها العنوان .. يصمتُ أبواهُ عن الأمرِ ويحافظُ هو على السرّ كذلك، حتى من زوجتِهِ، وهو يُعِدُّ نفسَهُ لقتلِ الشرّير الأسطوريِّ الذي يغتصبُ العرائسَ ليلةَ عُرسِهِنَّ ولا يستطيعُ أحدُهم مقاومتَه لتحولاته الفيزيقية الأسطورية من رجلٍ عاديٍّ إلى رجلٍ بحجمِ الجبَل .. يمضي في طريقِهِ البطلُ (حامد) حتى يكونَ قابَ قوسَينِ من الانتصارِ على الرجل الجبل، لكنّه في المشهدِ الأخيرِ يسقطُ في المصارعةِ التي تتمُّ بينهما، ليُذعَرَ رجالُ البلدِ من المنظرِ بعدما كادوا ينضمون إلى (حامد) في قتالِه، ويدفنونه وهم يتهامسون عن بطلٍ سيحملُ حسنةً كبيرةً اعلى الفخِذِ يغيرُ رتابةَ حالِهم، وأنه "سينزلُ من السماءِ أو سيخرجُ من باطنِ الأرض" .. تدفعُنا القصةُ للتساؤل عن المصيرِ البديلِ لو لم يكن الصمتُ لفَّ بشارةَ (حامد) الجسدية ليعرفَ الجميعُ أنه البطلُ المنتظَر، كما تدفعُنا للتساؤل عن جدوى الصمتِ هنا من الأساس، لا سيَّما أن الصمتَ يُفوِّتُ على أهل البلدِ فرصةَ الانتقامِ لشرفِهم، فينتظرونَ بدلاً من مُواطنِهِم العاديِّ رجلاً خارقًا مُغايِرًا لبشريتِهم فيما يبدو، في ترديدٍ لمضمون الآياتِ: "أتؤمنون لرجلٍ مثلِكم يأكلُ مما تأكلونَ منه ويشربُ ممّا تشربون؟" و"قل لو كان في الأرضِ ملائكةٌ يَمشون مُطمئنّين لنزّلنا عليهم من السماءِ ملَكًا رسولا".
     في (رِحلة) نجدُ لَعِبًا متجددًا على تيمةِ الصمتِ والكلامِ، مستوحىً من قصص الجِنّ في التراثِ الإسلاميِّ، وتحديدًا من آيةِ سورةِ الجِنِّ: "وأنّا كُنّا نَقعُدُ منها مقاعِدَ للسمعِ فمَن يستمع الآنَ يَجد له شِهابًا رَصَدا" .. فالبطلُ الراوي يفاجأُ بقرينتِه الجنّيَة تعرضُ عليه رحلةً إلى السماءِ لمعرفةِ الحقيقة، ويَرضَخُ لها، وحين يصلان إلى السماءِ يجدُ إنسيِّين مثلَه محمولِين على قرنائهم الجنّ مثل قرينتِهِ في ابتغاءِ الحقيقة كذلك، ويتسمّعُ الجميعُ فإذا أصواتٌ عن أخبارٍ مستقبليةٍ تتعلّقُ في مجملِها بسوقِ المالِ، فتعافُ نفسُهُ هذه الأخبار لأنه يبغي (الحقيقةَ)، فيتسللُ إلى أذنيهِ كلامٌ يبدو سماويًّا ربانيًّا يتعجّبُ قائلُهُ من البشرِ الذين تعلموا كل الأسماءِ وهم في صُلبِ آدمَ ويأتون الآن يطالبون بالمعرفة، ثم تتساقطُ الشهبُ الموعودةُ لتحرقَ أجسادَ الجنّ ومن تسلقوها من البشر، ولا ينجو إلا البطلُ ورجلٌ غيرُه يُخبرُهُ بأنه لا أحدَ ينجو إلا من سعى لمعرفةِ ما سَعَيا هما لمعرفته، بعد أن يخبره بما سمعه من أن ثلاثةً في المرة السابقة استطاعوا (الوصول) وتحولت أجسادهم إلى أطيافٍ نورانيةٍ صعدت إلى السماء .. وحين يفكرُ البطلُ فيما سمعَه وهو في السماءِ معتقدًا أنه سِرُّ الحقيقةِ يفاجَأُ بالنّاجي معه -كأنه يقرأُ أفكارَهُ- يُخبرُهُ بأنه سمع مثل ما سمع في المرة السابقةِ وظنّ أنه سر الحقيقةِ لكنّه فكّر فأدركَ أنه لا يعني شيئًا في حدّ ذاتِه، فيقعُ البطلُ في الحيرةِ من جديد .. مجدَّدًا تلوحُ أمامَنا حالةُ الكلامِ الذي لا يعني إلا الرُّكوسَ إلى الصمتِ والوقوعَ في الحَيرة، كما في خاطرِ (جابر) في (بين يدي الخضر) وكما في تصريحاتِ شيخهِ (راضي) وكما في (الحلم الذي لم يفسره يوسفُ).
     في (الخيرُ يقرر أخيرًا أن يربَحَ) تتجلّى صورةُ الأليجوري Allegory (أو القصةِ التشبيهية) الناقصِ المعكوسِ، ففي الأليجوري يرمزُ أشخاصٌ وأحداثٌ متعيّنون إلى قِيَمٍ وأحداثٍ كُبرَى ذاتِ صِلَةٍ بالعقيدةِ الدينيةِ والمفاهيم اللاهوتية، وهي صورةٌ من الأدبِ ازدهرَت في العصور المسيحيةِ الأولى في أوربّا بخاصةٍ، أمّا هنا فالقيمتان الكُبريان في عالم الأخلاقِ (الخيرُ والشّرّ) تتنزّلانِ من عليائهما المجرَّدِ وتتشخّصانِ باسمَيهِما في هذه القصة، وربّما يحدثُ هذا التنزُّلُ حتى على مستوى القصِّ حيثُ يحكي القاصُّ عن انزواءِ الخيرِ أعلى الجبلِ وعن قرارهِ أخيرًا بالنزولِ إلى الأرضِ المنبسطة .. هنا أحكمُ حكماءِ الأرضِ يقولُ للخير والشر: "لقد أصبتُماني بالحَيرةِ الشديدة"! نجدُ تناصًّا محيَّرًا (بفتحِ الياء) مع قصة قابيلَ وهابيلَ كما روَتها الدياناتُ الإبراهيميةُ، ومع قصة قرابينِ بني إسرائيلَ كما يحفلُ بها العهدُ القديمُ وكما يشيرُ إليها القرآنُ، حيثُ الخيرُ يقدّمُ قربانًا إناءً من لبنٍ يشربهُ أحد العجائزِ المارّين، والشرُّ يقدّمُ قربانًا قطيعًا من الغنمِ تأكله نارٌ من السماء! ينتصرُ الشرُّ في هذه الجولةِ ليدفعَنا القاصُّ إلى التساؤلِ عن معاييرِ الحكم الأخلاقيِّ، وليضعَنا في بؤرةِ الحيرةِ أمامَ العلاماتِ الكونيةِ التي يفسرُها كلٌّ حسبَ هواه .. في الجولة الأخيرةِ بينهما يتسابقان لقَلبِ قارَبٍ بمَن فيهِ، في إحالةٍ ضمنيّةٍ أخرى إلى قصة الخِضرِ وموسى عليهما السلام، ويتوقفُ الشرُّ عن السباحةِ لألَمٍ ألَمّ بساقِهِ بينما ينجحُ الخيرُ في الوصولِ إلى القارَبِ وقلبِهِ .. ويترُكنا (أحمد سمير) مترقّبين حُكمًا سينطِقُ به أحكمُ حكماءِ الزمانِ من البشَرِ فيما بعدَ انتهاءِ القصةِ، ساخرًا في ثنايا قصته القصيرةِ الماكرةِ من حَفنةٍ من الفلسفاتِ في ميدانِ الأخلاقِ – ربّما أوضحُها الپراجماتيّة- جادَت بها قرائحُ مجموعةٍ من (أحكَم الحُكماء)، لتتملَّكَنا الحيرةُ للمرّة الألفِ ونُذعِنَ للصمتِ القاهر..
     أمّا في (مسّاكة الملِك)، فالبطلُ يلعبُ حَرفِيًّا مع أقرانِهِ بالصمتِ والكلامِ، حيثُ يلجأُ إلى الصمتِ ليُخفيَ نفسَهُ في إطارِ اللُّعبةِ عمَّن يُطاردُه، ويترقّبُ سماعَ كلمتَي (شاهدوني/ شهدنا لَك) لكي يَخرُجَ منتصرًا أو يقتربَ من النصر .. القصّةُ بتماهيها الكاملِ مع لعبةٍ من ألعابِ الشارعِ الحرَكيّة للأطفالِ تنتمي إلى تيّارٍ في القَصِّ العالميِّ يحاولُ مساءلةَ القِيَم الإنسانيةِ ومناوشةَ القضايا الكبرى للفكرِ من خلالِ تذكُّرِ مرحلةِ اللَّعِبِ الطفولي، وتذكّرُني بشكلٍ شخصيٍّ بقصّةِ (القفز إلى الخطَر) Der Sprung ins Ungewisse للأديب الألمانيّ Theodor Weissenborn (تيودور فايسنبورن) التي تحاولُ اكتناهَ العملياتِ الواعيةِ واللاواعيةِ في اتخاذِ القرارِ من خلالِ لعبةِ شارعٍ طفوليّةٍ أخرى .. المهمُّ أنّ القصّةَ هنا تحملُ طيفًا قريبًا من قصةِ (رِحلة)، حيثُ البطلُ يترقّبُ سماعَ كلمةٍ يترتّبُ عليها مصيرُهُ القريبُ في اللعبة، كما يترقّبُ البطلُ في (رحلة) سماعَ كلامِ السماءِ عن الحقيقةِ، وفي القصّتَين ينتهي الأمرُ بخيبةِ المَسعَى، فهناكَ يدركُ البطلُ ألاّ معنى محدّدًا لما سمعَه، وهنا يكتشفُ خروجَهُ قبلَ سماعِ ما كان يترقّبُ سماعَه، وهناك تغلبُ عليهِ الحيرةُ التي قد تُلمِحُ إلى محاولتِهِ الوصولَ لاحقًا، وهُنا يصرّحُ القاصُّ أنّه نوى بالفعلِ أن يحاولَ مرّةً أخرى .. هنا لا حيرةَ لأنَّ الأمرَ لُعبةٌ، ولكن عزمٌ يتماشى وعِنادَ الطفولةِ اللاعِبَ اللاواعِي .. لا يفوتُنا هنا كذلك تلك الإشاراتُ الإسلاميةُ في مَتنِ القصّة وفي ألفاظِها وما قد تنطوي عليه من احتمالاتٍ لقراءاتٍ متعددة، فالقاصُّ يقولُ عن بطلِهِ وصديقِهِ: "لو رفعَ أحدُهُم بصرَهُ لَرآه" في تناصٍّ مقلوبٍ مع قولِ أبي بكرٍ - رضي الله عنهُ - لرسول الله - صلى اللهُ عليه وسلّم – في غارِ ثَور: "لو نظر أحدهم تحت قدمَيه لرآنا"، ثُمّ يعمَدُ إلى بطلِهِ فيجعلُهُ: "يلتقط قبضة من الأتربة و الحصى الصغير المفروشة به أرض البناية غير المأهولة... يلقي به على رأس الواقفين في الأسفل يبحثون عنهما"، في تناصٍّ كذلك مع فعلِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلّم نفسِهِ خارجًا من الغارِ بادئًا رحلةَ الهجرة .. وهما تناصّانِ يضعانِ المتلقّي في بؤرةِ تنزُّلِ ما هو مقدَّسٌ إلى أرضِ اللّعِبِ، ليُعايِنَ اشتغالَ دالَّتَي الصّمتِ والكلامِ في نصوصِ السيرةِ وما إليها، وما قد تحملُهُ من تساؤلات .. كذلك يُخيَّلُ إليَّ أنّ اختيارَ هذه اللعبة بكلمتَيها (شاهدوني/ شهدنا لك) ربَّما يُجسِّدُ امتثالاً من القاصِّ لإغراءِ التناصِّ مع المقدَّسِ إذا تذَكَّرنا الآية القرآنيةَ: "وإذ أخذَ ربُّكَ من بني آدمَ من ظُهورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وأشهدَهم على أنفسهم ألستُ بربِّكُم؟ قالوا بلى شهِدنا ..." الآية. فهو تنزُّلٌ آخَرُ للّاهُوتِ إلى مستوى اللعِبِ، يَطرَحُ تيمةَ الهيمنةِ الألوهيّةِ وعلاقتَها بالصّمتِ وبالسؤالِ التقريريِّ الّذي يُعَدُّ من أخصِّ وألصَقِ ضُروبِ الكلامِ بحالةِ الهيمنة ..
     في القصةِ الأخيرةِ (من حكاوي المزيّن) ينقلبُ الأمرُ كما ينقلبُ في بناءِ سيمفونيّاتِ (بيتهوفن) فتجيءُ الحركةُ قبلَ الأخيرةِ (اسكيرتسو) Scherzo  هازِلةً مُجمِلَةً الجُمَلَ اللحنيةَ الأساسيةَ في السيمفونيةِ لكن في سخرية .. في هذه القصةِ يُخرجُنا (أحمد سمير) في قسوةٍ من باطنِ الصمتِ الذي ألقَتنا فيه قصصُ المجموعةِ واحدةً وراءَ الأخرى، إلى ثرثرةٍ عنيفةٍ لا تهدأُ، اختارَ لها بطلاً المزيّنَ/ الحلاّقَ الذي ارتبطَ في الوعي العامِّ المصريِّ على الأقلِّ بالثرثرة .. وهو مزيِّنٌ غيرُ واعٍ بثرثرتِهِ العنيفةِ حتى أنَّ عبارةً تجسِّدُ سخريةً مريرةً تأتي على لسانه في بداية القصة: "ذلك ربما لأن رؤيتي للعالَمِ شديدةُ الاتّساعِ، فكما يقولونَ، كلّما اتسعت الرؤيةُ ضاقت العبارةُ". المزيّن والدٌ لثلاثةِ أبناءٍ يحترفون الفنّ: موسيقيٌّ ورسّامٌ وشاعر، وهو فيما يزعمُ يجمعُ في ذاتِه مهاراتِهم وفنونَهم كلها، يسعَون جميعًا إلى الظفَر بامرأةٍ حُلمٍ ويتكبّدون المصاعبَ في سبيلِها، وتنتهي رحلتُه بخيبتِهِ الفاضحةِ وظفَر أبنائهِ بالشهرةِ مع المرأةِ الحُلم الفنّانةِ مثلَهم جميعا ..
     ربّما كان المزيّن معادلاً موضوعيًّا في هذه المجموعةِ القصصيةِ لحتميةِ الكلامِ رغمَ ما يَبدو من أولويةِ الصمتِ وأسبقيتِهِ وأصليتِهِ في الوجودِ كما تبسطُها كلُّ القصص السابقة، وهو كذلك معادلٌ موضوعيٌّ لعبثيةِ هذا الكلام فهو ينتهي خائبًا من حيثُ يبدأُ، ويقولُ عن نفسه في تحامُقٍ في النهاية: "فأنا المزيِّنُ لا ألغو، لا أتتبَّعُ عِرضًا ولا أُخبرُ سِرّا"، ومِن صُلبِ هذا اللّغوِ العابثِ يأتي الفنُّ في صورهِ المتعددةِ تشكيلاً وموسيقى وأدَبًا (أبناءه الثلاثة) ليُمثِّلَ المَخرجَ المُتاحَ المعقولَ من باطنِ الصمتِ، مع التسليمِ بفضل وأصليَّةِ ذلك الرهيب ..    
     (الضئيلُ صاحبُ غِية الحَمام) نَصٌّ طويلٌ منفصلٌ ظاهرًا، متّصِلٌ في لُطفٍ خفيٍّ، يُلقي بنا في أَتُونِ التجربةِ الإنسانيّة في محاولةِ اكتناهِ الحقيقةِ المحكومِ عليها بالفشَل، ويُسلِمُنا بالتالي إلى الصمتِ المُطلَقِ المُهَيمِن، مقنعًا مُتلقِّيه بألاّ فِكاكَ من الصمتِ على وجهِ اليقينِ، إلاّ بقليلٍ من الفنّ الخارجِ من صُلبِ اللغوِ العابثِ، والّذي يحاولُ بدورِه الوصولَ إلى الحقيقةِ، لكنّه يرتدُّ بنا إلى الحيرةِ فوقَ الحيرةِ، لنبقى في النهايةِ ناكسي رءوسِنا في تواضُعٍ، في حضرةِ الصمت. 
.....
محمد سالم عبادة       
..................................
أُنجِزَت هذه القراءةُ في يناير 2015 ونُشِرَت بكاملِها على صفحات مجلّة (المجلّة) المصرية التابعة لوزارة الثقافة في عدد مارس 2015.

Friday, 3 April 2015

صراعُ اللوحةِ والدراما .. قراءةٌ في ديوان (الأمرُ ليس كما تَظُنُّ) للشاعر العربي السعودي محمد إبراهيم يعقوب


كان إبراهيمُ المازنيُّ يعتقدُ – كما ذكرَ في (حصادِ الهشيم) – أنَّ الشِّعرَ بصفتِهِ جنسًا أدبيًّا ينتمي إلى الدراما بما هي حركةٌ دءوبةٌ تصعدُ من نقطةٍ إلى التي تليها حتى تنتهي إلى غايتِها، وذلك وجهٌ يُبعِدُ الشِّعر عن اللوحة التشكيلية القائمةِ على السكونِ وتثبيتِ الزمن .. طالما حاولَ الشعراءُ إحداثَ تماهٍ بين الشِّعر واللوحة، وكانت النتيجةُ غالبًا – بحسب المازنيِّ كذلك – سقوطًا حتميًّا في فخِّ الدراما، ربّما لأنَّ الشِّعر يصلُ تدريجيًّا إلى المتلقّي وليس دفعةً واحدةً كما يحدثُ في الفنونِ البصريةِ الساكنة.
   يفاجئنا (محمد إبراهيم يعقوب) منذ الأبيات الأولى في ديوانه بأنَّ الأمرَ ليسَ كما نظنّ .. أرى أنّ (يعقوب) ينجحُ إلى درجةٍ بعيدةٍ في الاقتراب بالشِّعر من سكون اللوحة التشكيليةِ مُضَحِّيًا بحركيةِ الدراما .. ولنتأمَّل قولَهُ في القصيدةِ الافتتاحية (سِوَى اعترافِكَ بي): "شغفي بحرفِ الجيمِ إرثٌ من أبي/ كم في الأُبُوَّةِ من ضلالِ طيِّبِ .. شجرُ الكلامِ مكيدةٌ يا سيّدي/ والوقتُ كاللغةِ التي لم تُحطَبِ .. يا طينةَ المعنى الخؤونِ أما ترَى/ مطرًا يَخِفُّ وفكرةً لم تُعشِبِ .. علِّقْ على الفصلِ الأخيرِ مدينةً/ كانت تغنّي للفراغِ المُخصِبِ .. لا تقترحْ طقسًا يُطيلُ نهايتي/ أنا صيغةُ الرّكضِ التي لم تتعَبِ". صحيحٌ أنَّ صورةً كُلّيّةً تتخللُ هذه الأبياتَ وما بعدَها – وهي تعتمدُ على تشبيهِ حالةِ إنتاجِ المعنى التي تستبطنُ الإبداعَ الشِّعريَّ بإنباتِ الزروعِ من الأرضِ – لكنَّها صورةٌ شديدةُ التعقيدِ تروحُ وتجيءُ في اتجاهَي التشبيهِ دون سابقِ إنذارٍ، فالكلامُ شجرٌ يَكيدُ برَوعتِهِ لشاعرِنا فيعزمُ على إنتاجِ شجرِهِ الخاصِّ، والوقتُ الذي يمثّل خلفيةً حتميةً لإنتاجِ المعنى/الزَّرعِ كاللُّغةِ التي تشبهُ بدورِها غابةً بِكرًا لم تُحتَطَب، والمعنى المراوغُ طينةٌ يُقرِّعُها (يعقوبُ) باللوم من طرفٍ خفيٍّ حين يصرّحُ بأنَّ المطرَ يخِفُّ والفكرةَ ظلّت بذرةً كامنةً في باطنِها ولم تُعشِبْ بما يكفي لأن تُفصِحَ عن مكنونِ نفسِ مَن خطرَت له .. ربَّما كان الوقتُ في نظرِ (يعقوب) لغةً بكرًا لم تُحتَطَبْ بعدُ لأنهُ يريدُ أن يملأهُ معانيَ تفصِحُ عن نفسِها في جُمَلٍ حُبلَياتٍ بالرموزِ والأفكارِ، ففعل هذا وكان كلُّ بيتٍ صورةً موغلةً في الهُجنَةِ والتركيبِ، حتى لم يدَعْ موضِعًا في وقتِ القصيدةِ يتّسِعُ لمعنىً آخرَ، فقتلَ هذا الوقتَ، ولا ننسى أنَّ الوقتَ هو خلفيةُ الدراما الحتميةُ، فلمّا ماتَ لم يعد من الممكن أن نقتفيَ أثرَ الحركةِ كما هو في الشِّعرِ خارجَ الديوانِ، فتحوّلت قصيدةُ (يعقوبَ) إلى لوحةٍ ساكنةٍ مليئةٍ بالتفاصيلِ، تُذَكّرُنا بدروس الرسمِ التي تلقَيناها في الصِّغَرِ، حين كانت المُعلّمةُ تُشَدِّدُ على ألاّ نترُكَ مساحةً بيضاءَ في اللوحةِ وأن نملأها تفاصيلَ بقدرِ المستطاع .. هذا ما يحدثُ هُنا! وكأنَّ (يعقوبَ) يميلُ إلى حيلةٍ دفاعيّةٍ - لا واعيةٍ رُبَّما – في قولِهِ: "لا تقترحْ طقسًا ...... لم تتعَبِ"، فهو يتوقعُ أن ينقُدَ أحدُهُم ابتعادَهُ بالشِّعرِ عن الحركيّةِ المعتادةِ التي تركنُ إليها النفسُ، فيردّ عليهِ بأنَّ هذه الحركيةَ ستكونُ طقسًا يؤجّلُ النهايةَ باستمرارِ تدفُّقِ القصيدةِ وهو ما لا يحدثُ هنا حيثُ البيتُ الأولُ كأنهُ موجودٌ مع البيتِ الأخيرِ في نفسِ اللحظة، ويردُّ عن نفسِهِ التهمةَ في ذاتِ الآنِ، فهو راكضٌ من زمانٍ ولم يتعَب، لكنّهُ الآنَ يريدُ للنهايةِ أن توجدَ أمامَ متلقّيهِ مع البدايةِ، ولذا جاءَ البيتُ الأخيرُ: "ساُمَرِّرُ الورَقَ العتيقَ، لَرُبَّما/ هذا البياضُ يقولُ ما لم أكتُبِ!" .. وكأن لا نهايةَ هناكَ لأنَّهُ ليس ثَمَّ بدايةٌ، وكلُّ ما في الأمرِ أن (يعقوبَ) يعترفُ في البيتِ الأخيرِ بأنَّهُ بذلَ ما في وُسعِهِ في (ملء المساحات البيضاء) ولكنَّ الورقَ مازالَ به الكثيرُ من البياضِ، فلعلَّ البياضَ يُفصِحُ عمّا يعتملُ بفكرِهِ أكثرَ ممّا تفعلُ الكتابة.     
   يميلُ (يعقوبُ) في هذا الديوانِ إلى الأبحر الشِّعريةِ الطويلةِ، فمعظمُ القصائدِ جاءَ في البحرين البسيطِ والكاملِ بما يوفّر له مساحةً كبيرةً لتعشيق الصُّوَرِ وتركيبِها في البيتِ الواحدِ كما رأينا في الأبياتِ التي تمّ استعراضُها وكما نرى في أبياتٍ مثل: "نخافُ من شُرفةٍ في الرُّوحِ مُشرَعَةٍ/ على البُكاءِ، عيونٌ هذه الشُّرَفُ .. أنرتقي صخرةَ العِرفانِ؟ موجَعَةٌ/ ظلالُنا أم نرى ما عنهُ ننجرِفُ؟ .. نضيءُ كالحُلمِ، نخفَى رُبّما انتبهَتْ/ غريزةُ الوقتِ، بعضُ الوقتِ يُقترَفُ" في قصيدة (خاتمةٌ لروحٍ مُتعَبَة)، ومثل: "يأسُو على سِيرةِ الأعصابِ مصباحُ/ وتبعثُ الحُبَّ في الأرواحِ أرواحُ .. يا سيِّدَ البيدِ قُم في العُمرِ مُتَّسَعٌ .. واعبُرْ أغانِيكَ، هَمٌّ سوفَ يَنزاحُ" في قصيدة (عُد من تجلِّيك) ..
   وحين يُعرِضُ (يعقوب) عن هذه الأنساقِ الموسيقيةِ إلى أخرى أقصَرَ كما في قصيدة (تفاصيلِ الذي يأتي) المَصوغةِ في مجزوءِ الوافرِ حيثُ يقولُ: "على مَن لم يقِف في الصَّفِ أن لا يَدَّعي وَطَنا .. لِمَن غنَّيتَ؟ لا تَدري/ سبيلُ العارفينَ غِنا .. كمُفردةٍ بلا رئةٍ/ قضَتْ جُدرانُها شَجَنا"، وكما في قصيدةِ (كتابِ الطائرِ العبثيِّ) المصوغةِ في مجزوءِ الكاملِ حيثُ يقولُ: "تبًّا لميراثِ العُروشِ، لبِرِّهِ ولِغَصبِهِ .. وطنٌ بلا أحرارَ تغسِلُهُ انتفاضَةُ شَعبِهِ .. الجائعونَ لهم كلامٌ غيرُ ما نَهذي بهِ .. والقُوتُ خَصمُ الطيّبينَ تورَّطوا في حَربِهِ"، أقولُ حينَ يفعلُ هذا نجدُ الصُّوَرَ أبسطَ كثيرًا ، بل قد تتوارَى في تواضُعِ لتفسِحَ المكانَ لمعنىً (جماهيريٍّ) يَسهُلُ – فيما أعتقِدُ – تسرُّبُهُ إلى الذائقةِ الجمعيةِ باعتبارِهِ حكمةً تتجاوبُ وحاجةَ البُسَطاءِ إلى بعضِ الشِّعرِ، ولا أدَلَّ على هذا الأمرِ من بيتِهِ: "على من لم يقِف في الصفِّ أن لا يدّعي وطَنا".
   أخيرًا نصِلُ إلى القسم الأخيرِ من الديوانِ - وهو جمعٌ من قصائدِ البيتِ الواحدِ لكلٍّ منها اسمٌ – سمّاهُ يعقوبُ (وَخَزاتٍ)، بعنوانٍ فرعيٍّ محتشدٍ بالتركيبِ الصُّورِيِّ، وهو (تُرَّهاتٌ نُسَمّي روائحَها مُتَّكأَ) .. من هذه القصائدِ شديدةِ القِصَرِ قولُهُ في (يقين): "آمنتُ بالصفحةِ البيضاءِ تغسِلُني/ من الخطايا، فكانت لذّتي ألَمي"، وفي (مَدَد): "بعيدونَ لا برزَخٌ لا صِراطُ/ أليسَ لهذا الغيابِ انفِراطُ؟" وفي (لُغة): "أُقايِضُ أخطائي بماذا؟ أنا أنا/ كأنّي على بابِ الكلامِ أُضيءُ". هنا تتجلّى جماليّةُ البيتِ الواحدِ عند (يعقوبَ) وتثيرُ سؤالاً عن مشروعيةِ إدراجِ قصائده الأطولِ في الديوان – كالقصيدة الافتتاحية (سِوَى اعترافِكَ بي) – ضمنَ الشِّعرِ العربيِّ القائمِ على وحدةِ البيتِ فيما قبلَ ثورةِ الرومانسيّين ومدرسةِ الديوان في مطلعِ القرن العشرين .. أعني أننا إذا حاوَلنا تبديلَ بيتٍ مكانَ بيتٍ في تلك القصيدةِ واطّرَدنا في هذه اللُّعبةِ التي مارسَها (العقّادُ) مع (شَوقيٍّ) في مرثيّته لـ(مصطفى كامل)، فأظنُّ أننا سننجحُ إلى حدٍّ كبير .. وفي رأيي المتواضعِ أنَّ حلقةً مفرغةً من النسقِ الموسيقيِّ الطويلِ والمساحةِ الزمنيةِ الكبيرةِ بالتالي - والتي تُحَرِّضُ على تعشيق الصُّوَر والإمعانِ في تركيبِها - هذه الحلقةُ كفيلةٌ بأن تجعلَ من البيتِ الشِّعريِّ وَحدةً للقصيدةِ العموديةِ قائمةً بذاتِها وفي غير حاجةٍ إلى ما يكملُها من فوقِها أو من تحتِها، ناهيكَ عن جَرْسِ القافيةِ الرّتيبِ الذي يختمُ البيتَ في شُعور المتلقّي، والّذي طالما أُشيرَ إليه في معرِضِ نَقدِ القصيدةِ العمودية.
   لا يسعُني في الختامِ إلاّ أن أُشِيدَ بالجهدِ الإبداعيِّ الذي بذله شاعرُنا – وهو نجمُ برنامج (أميرالشعراء) في نسخته الثانية عام 2008 – والّذي أقنعَنا من خلالِهِ بإمكانيةِ السيرِ خُطواتٍ كبيرةً في سبيلِ مقاربةِ الشِّعر للّوحة، وابتعادِهِ عن الدراما .. فالأمرُ فيما يبدو ليسَ كما كُنّا نظُنّ!

8/10/2014
نُشِرَت في أخبار الأدب بتاريخ 30 مارس 2015