Loading...

Thursday, 20 November 2014

لثمُ الأفق (بلسان عباس بن فرناس) - من التجارب الشعرية عام 2014

لثمُ الأفُق
(بلسان عبّاس بن فِرناس)

لوجهِ الأفْقِ ما كان مِن حِلمٍ وطَيشِ     سُفورًا غرّني فاعتمرتُ الشَّوقَ أمشي
أيُغريني بلَثمٍ وما لي من شِفاهٍ؟!     فويلٌ لي كما ينبغي في ظِلِّ عَرشِ
لوجهِ الأفقِ أهديتُ طَيرَ الجَوِّ قَشّي     فراحَت تكتبُ اسمي به في كُلِّ عُشِّ:
عَبوسًا يَذبحُ الفرحةَ الرّعناءَ، يَفدي     بها خَلقًا غريرًا، فواهًا لي/ لكَبشي!
  ألا يا أيُّها الأفقُ ياماءً بعيدًا     سأُغفي فاقترِبْ، سِلْ رحيمًا قُرب رَمشي
وداخِلني كحُلْمٍ، فإنّ الصّحوَ يأتي     فلا يُبقي من الحُلمِ شيئًا غيرَ نقشِ
أنا مِيقاتةُ الماءِ، مسحورٌ بعُمري     أُراهُ عادَ قَبري بتنقيطٍ ونَبشِ
يُناديني لعلّي أُلَبّي، غيرَ أنّي     إذا نُوديتُ للموتِ يُزهَى فِيَّ عَيشي
فأبقى نافِرًا طافرًا حُرًّا قَصِيًّا     غريبًا بربريًّا أتى مِن سربِ وَحشِ
شققتُ الصخرَ يا أفقُ عن رُؤيا زُجاجٍ     لِئَلاّ تُحجَبَنْ عن عيونٍ ذاتِ رَعشِ
وإذ شَفَّ الزجاجُ الكريمُ اهتزَّ قلبي     وأعملتُ الأظافيرَ في خدشٍ وخَمشِ
فغامَ الأفقُ، ياطَيرُ دُلّيني وخُطّي     سبيلاً عَلَّ جَوَّ السّما يَرتدُّ فَرشي
لعلّي أفتدي مِن إسارِ الأرضِ خَطوي     بما أوتيتُ: ديباجَ أشعاري وخَيشي
قِفي يا طَيرُ، رِيشي جَناحَيَّ المَهيضَيـــــنِ من منثورِكِ الآنَ .. ها قد رِشتُ رَيْشي
أنا يا صقرُ صقرٌ دَعتني أبحرُ العِلـــــمِ، صِدتُ الدُّرَّ من حيثُ نُورُ الدُّرِّ يُعشِي
أنا يا أعصَمَ الجَوِّ في قولي غُرابٌ     إذا ما قُلتُ، رَدُّوا بـ(ما هذا) و(أيشِ)!
أنا يابنَ اليَمامِ ابنُ جَدّاتي اليمامـــــاتِ، أرعَى الغارَ مُذ ثارَ بُركانٌ قُرَيْشِيْ!
أنا يا .. ما دهاني؟ لقد حلَّقتُ حتى     ظننتُ الأفقَ في قابِ قوسٍ، يا لَطَيشي
جَناحا الخوفِ والحُلمِ جاشا بي، ورِيشٌ     خيالٌ واهِمٌ، منهُ قد جَيَّشتُ جَيشي
سقطتُ الآنَ، والرِّيشُ مغموسٌ بحِبرٍ     به سالَت جُرُوحي، نبيذِيٍّ كفُحشِي
وخَطَّ الأرضَ في نَقشِ تَذكارٍ لوَهمي     وسُقيا، فانتَشَت منهُ أو مِن فَرطِ دَهْشِي
لوجهِ الأفقِ ما كانَ من ريشٍ لَعوبٍ     بهِ حلَّقتُ في سَكرَتي، إذ طارَ نَعشِي
...
16 /5/ 2014
منشورة في عدد أكتوبر من مجلة (المجلة) الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب

Monday, 10 November 2014

سادنُ الرَّمل .. قراءةٌ تُكَذّبُ نفسَها في ديوان (خالد بودريف)



   ماذا في الرَّمل ليُسدَن؟! هل من قداسةٍ ما؟ هل هي أبديّةُ وجودِهِ ولانهائيّةُ حباتِهِ المتناثرةِ في الصحراء؟ أم هو تفلُّتُهُ من يدِ من يحاول القبضَ عليهِ وحركتُهُ الدائبةُ وصيرورتُهُ المَهيبة؟
   لا يفجأنا (خالد بودريف) في مقدمة ديوانه حين يؤسسُ علاقتَهُ بأسلافهِ- كما هي عادةُ الشعراء - من سدنةِ الكلامِ بإيراد اقتباساتٍ من كلامهم .. يبدأ بمحمود درويش "إذا كان ماضيكَ تجربةً فاجعلِ الغدَ معنىً ورُؤيا" .. وهو الاقتباسُ الأكثرُ تفاؤلاً، حيث يتوسّطُ بشارل بودلير مترجَمًا "أحسُّ برعشةٍ عندما أسمعُ غصنًا واهنًا يسقُط"، ثم ينتهي بتوماس إليوت "الزمنُ الصحيحُ غائبٌ والمكانُ الصحيحُ غائب". كأنَّ رسالةَ (درويش) الساعيةَ لإثباتِ الوجودِ تفقدُ حُمولتَها من الثقة برعشةِ (بودلير) في سماعه سقوطَ الغصن الواهن، ليصل (بودريف) إلى قناعتِهِ اليائسةِ مع رسالة (إليوت)، حيثُ لا سبيلَ إلى إثباتِ وجودٍ حقيقيٍّ طالما أن الزمان الصحيحَ والمكانَ الصحيح غائبان .. لهذا، كان لابُدَّ أن تكون الرسالةُ في حالِها الأخيرةِ سِدانةَ الرَّمل، بما هي اعترافٌ بالضياع في خضم اللانهائيةِ وانجرافٌ حتميٌّ في تيارِ الصيرورة ..
   القسم الأولُ من الديوان (روحُ الصحراءِ) يشتمل على ثلاث قصائد (قافيةٌ لامرأةٍ لم تولد بعدُ) و (سادنُ الرمْلِ) و (بابٌ على الريح/أو: سريالية البُعد الرابع) .. هُنا الشاعرُ مُلقىً في صحرائه .. لا يحاورُها أبدًا وإنما يتحدثُ إلينا عن نفسِه الممزَّقةِ بين انتمائها الصحراويِّ ونزوعِها إلى عالَمِ ما وراءَ الصحراء .. ففي القصيدة الأولى احتياجٌ - لا يسأمُ الشاعرُ من تكرار الإفصاحِ عنهُ – إلى امرأةٍ مستحيلةٍ تستطيعُ انتزاعَهُ من جوف الصحراءِ "أحتاجُ لامرأةٍ بمنتصفِ الربيعِ، لنهرِ أحلامٍ يسيرُ معي على أوتارِ عُودِ الفجرِ ..." "أحتاجُ لامرأةٍ تضمُّ ضُلوعَ أتربةِ المكانِ لتُشرقَ الأشجارُ والأطيارُ والأنهارُ في كلِّ النساءِ العاشقاتْ" "أحتاجُ لامرأةٍ لِيَعبُرَ مَن معي نهرَ الحياةِ إلى حياةِ النهرِ ...." .. هي امرأةٌ خلاصٌ، ليس له وحدهُ وإنما للجميع، عيدٌ لأولِهِم وآخرِهِم .. وفي القصيدة الثانيةِ التي تحملُ عنوانَ الديوانِ مفتتحٌ عبقريٌّ "تؤكدُ الأرضُ لي أنّي هُنا وَحدي .. وأنَّ مَن هم معي لم يعرفوا قصدي" .. فهو ثانيةً يذكرُ قبيلاً مجهولاً بقوله (مَن مَعي)، وهو يبحثُ لهم عن خلاصٍ في القصيدةِ الأولى، ويبيّن لنا في الثانيةِ نبوَّتَه فيهم التي جحدوها ولم يفهموها .. يفتؤُ يحدثُنا عن نفسِهِ وتاريخِها في الأبياتِ التالية حتى نكاد ننسى ذِكرَ الرملِ والصحراء "أنا الغريبُ وسِرُّ الوقتِ في بدني – وكنتُ أصغرَ طيرٍ في مهبِّ يدِ الريحِ التي علَّقَت صقرًا على غِمدي – مدحتُ طفلاً صغيرًا كان يسكنُني – وكنتُ أحملُ بالُونَ الطفولةِ في .. يدي وكانت دروبُ الشوكِ كالوردِ – وكنتُ أصغرَ طفلٍ.....إلى آخره".. ثم يستيقظُ من سكرتِهِ بنفسه في قوله "الآنَ ما كبُرَت في الرملِ قافيتي .. إلاّ لِتُسبَى جهاتُ الرملِ بالأيدي" .. فهو يعيدُ نَسْبَ نفسه إلى الرملِ، بل وينسبُ إليه شِعرَهُ الذي لم يكن إلا طريقًا ليعرفَ الآخرونَ ما الرملُ ويقبضوا عليه بأيديهم مثلَهُ ويذوقوا مرارةَ تفلُّتِه .. يحاول الشاعرُ قربَ نهايةِ القصيدةِ أن يُوجِدَ مبررًا لذويهِ ليقرأوا ما كتبَ فيقول "لتنهضَ الأمةُ الثكلَى بلا كسلٍ .. لابُدَّ أن تقرأ الأجيالُ ما عِندي – هنا أنا سادنُ الرملِ الذي لعبَت .. به مفاتيحُهُ في الريحِ بالبُعدِ – لمن سأتركُ صحراءً تخرّبُها .. معاولُ المدنِ الخرساءِ كالنهدِ؟!" .. وكأنَّ مفردةَ الصحراءِ في هذه الأبياتِ تخلّت عن دلالتِها الميتافيزيقية بما هي وطنُ الصيرورةِ واللانهائية، لتعودَ إلى دلالتها المباشرةِ في الأطالس الجغرافيةِ علَمًا على ذلك الجزء المترامي الأطرافِ من العالَم العربيّ! ويختتم الشاعر قصيدته بقوله "كرامةُ النفسِ أن أحيا بها معَ مَن .. لا يلعبونَ مع الأوطانِ بالنردِ" .. ألاحِظُ هنا انتقالاً عنيفًا من الصور معقدَة التركيبِ التي يزخر بها النصُّ في بدايته ووسطه - والتي يجنحُ إليها الشاعرُ ليُلقيَ في رُوعِ متلقيهِ إجلالَ المعاني الثواني والظلال الميتافيزيقية لكلامه – إلى لغةٍ بسيطةٍ وصورٍ مستعادةٍ من التراث الشعريّ الكلاسيكيّ الجديد ليربط الجمهور بقصيدته ..
   في القسم الثاني من الديوان (معابرُ على جسرٍ من ورق) والمشتمل على ثلاث قصائد أيضًا (كلُّ شيءٍ ليس لي – أسطورةُ المدينة المغلَقَة – صفحتان على ضفة الصمت) يتخفف الشاعرُ من الحديثِ المُسهبِ عن نفسه الملقاة في الصحراءِ وعن ضميرِ (أنا)، لتأخُذَ الأفعالُ زمامَ الحديثِ فيقول في القصيدة الأولى "حين أصنعُ من جدولٍ ينحني بي على السفحِ حَبلاً – حين أشهدُ مَوتيَ قبلَ غنائي على قبركِ الورقيِّ – حين أمشي على الماء" .. إلى آخر المقاطع .. هي محاولةٌ تبدو حقيقيةً للخروج من الصحراء، لكنَّها محكومةٌ بخيبةِ المسعى التي يجسّدُها الختامُ الرائعُ لقصيدته الثانية (أسطورة المدينة المغلقة) حيث يقول: "إنَّ القصيدةَ تُثمِرُ .. لكنَّ أشكالَ الثمارِ غريبةٌ سوداءْ .. كالفحمِ عادتُهُ متى أشعلتَ جمرتَهُ رمى – بعد انطفاءٍ – فوقَ ماءٍ جُثّةً لا تُزهِرُ" .. وهو ما يتجاوبُ ومفتتحَ القصيدةِ ذاتِها حيث يقول: "لا شيءَ ينتظرُ الغريبَ هُنا، فما هذي المدينةُ في ملابسِها الغريبةِ بين أحبابي سوى أسطورةٍ ملأت بأرصفةِ التشرُّدِ من مقاماتِ التسكُّعِ في حدائقِها اليتيمةِ كوكبًا بالدمعِ والأغلالْ" .. فهو يصادرُ على مطلوبٍ تحاول القصيدةُ إثباتَهُ وتنجَحُ، وهو أنّ المدينةَ التي يحاول مدَّ معابره إليها على الورقِ مغلقةٌ في وجهه لا أمل يُرجَى من ورائها ..
   في القسم الثالث والأخير من الديوان (كتابُ العَراء) ينطقُ الشاعرُ متصالحًا مع صحرائه حتى أنه يتوجهُ بالحديثِ إلى ناسٍ يبدو أنهم هم عينُ مَن قَصَدَهم في القصائدِ الأولى بإشارته (مَن معي)، فيقول في قصيدة (أيُّها الراقدون/ دعوةٌ إلى بناء صروحٍ ممردةٍ بالحكمة): "أيها الراقدون على وطنٍ نائمٍ بين أحضانِ وحشِ لُوِيتانَ – أيها الراقدونْ .. مالكم بين أحلامكم بين أرصفةِ اليأس والمُبتغَى، بين أضرحةِ الموتِ والمُشتَكَى تركُضُون؟ - .... إلخ"، وهو يحتفي بالهمّ العربيّ كما ينبغي لشاعرٍ عُروبيٍّ أن يفعل فيقول:"ليس لي بينكم في الممالكِ عرشٌ لأحكُمَ كيفَ أريدُ .. وكيفَ تريدونَ فالحاكمُ العربيُّ شريدٌ طريدُ" ويقول: "لم تميطوا الأذى عن نساءِ القبيلةِ، عن نهرِكم في الحياةِ" ..
ويُهيبُ بهِم أن يقرأوا ما لديهِم وهو ربما يكون عين ما عنده حين قال في (سادن الرمل): "لابد للأمّة الثكلى ... إلخ) فيقولُ هنا: "ما مررتُم على مدُنِ السهرَورديِّ حيثُ هياكلُ نورٍ تضيءُ الطريقَ لأرواحِكُمْ" ويقول: "ما قرأتُم كتابَ الطواسينِ في بيتِ حلاّجِكُمْ" ويقولُ في القصيدة التالية (سفيرُ الضوء): "اقرأ كتابَكَ مرّةً لتعيرَهُ .. قلبي مضيءٌ لو قرأتَ سُطورَهُ – اقرأ كتابَكَ لا هوامشَ بيننا .. واكتُب لكلِّ القارئين سُرورَهُ – اقرأ متى شئتَ الكتابَ سُويعةً .. إنَّ الكتابَ يَخُطُّ فيكَ مصيرَهُ" .. هي حالةٌ من العودة إلى الصحراءِ/ العَراء بالرُّوحِ واكتشافِ جذور الذات الشاعرةِ الضاربةِ فيها، لكنّها أقربُ إلى الصحراءِ الجغرافيةِ مِن الصحراء الميتافيزيقية التي تحدّثنا عنها أوّلاً، حيثُ لا يسعُنا هنا إلاّ أن نترك إحدى الصحراوين في الظلّ ونُبرزَ الأخرى إلى النور .. ويبدو أنَّ الأمرَ من البدايةِ يتعلّقُ بتلكَ الصحراءِ الجغرافيةِ، وأنّنا قد بنَينا افتراضَنا على وهمٍ تصورناهُ من اقتباساتِ الشاعر في مفتتحِ ديوانِه!
   يؤيدُ هذه النتيجةَ مجيءُ القصيدة الختامية (بقايا البيت القديم) على هذا النحو من الحمولة العاطفية الطافحةِ من الحنينِ إلى المجدِ الذي كانَ، حيث يبدأُها: "مررتُ على البيتِ بيتِ أبي حيثُ كان يقيمُ لأزيَدَ من خمسةٍ وثلاثين عامًا" ويُنهيها: "أصارحُ نفسي وقد غابَ عنّي أبي .. لماذا البناءُ يُصِرُّ على العيشِ في زمنٍ قَصُرَت فيهِ أرواحُنا عن شموخِ المنازلِ رغمَ الوداعِ الأخير؟!" .. هو ديوانٌ دائريُّ البِنيةِ من التمرد على الانتماء لصحراء العروبةِ ومدّ الجسور إلى ما سواها ثم التصالح مع ذلك الانتماء والإغراق في إثبات تجذُّرِهِ في نفس الشاعر. 

محمد سالم عبادة

17/9/2014

Saturday, 1 November 2014

قراءتي في ديوان (هذا تأويلُ رُؤياي) للشاعر/ محمد فهمي زكي

التماسُ الرُّؤيا .. قراءةٌ في ديوان (هذا تأويلُ رُؤياي)
للشاعر (محمد فهمي زكي)

   رؤيا مغبَّشَةٌ مختفيةٌ في السماء .. شاعرٌ مفتونٌ بالضوء، ينادي من أجله أسلافَه خلال متن الديوان في قصائدَ مثل (صوت أبي العلاء – حفيد المتنبّي – قصيدةٌ مجهولةٌ لأبي نُواس – ريشةٌ من ورقاء ابن سينا- كروان القرن العشرين – استغاثةٌ بأمير الشعراء)، كما يناديهم في إهداء الديوان (إلى إبراهيم ناجي – يوسف إدريس – محمد المخزنجي) .. لكنَّ تقاطعه مع من يناديهم في الإهداء مزدوجٌ لاحترافهم الطب والأدب مثلَه .. شاعرُنا طبيبُ أمراضٍ باطنةٍ، وفاز ديوانُهُ هذا بالمركز الثاني في مسابقة كتاب (المواهب) التي أعدّها المجلس الأعلى للثقافة في موسم 2012/2013.
   أتى مفتتحُ الديوان اقتباسًا من السونيتة السادسة والسبعين لشيكسپير حيث يقول: "لماذا تبدو قصائدي خاليةً تماماً من البدع الجديدة؟/ شديدةَ البُعد عن التغيرات أو التقلباتِ السريعة؟/ ولماذا لا يتحولُ انتباهي إلى ما يدورُ في زمانِنا من المناهجِ الحديثة، والتراكيبِ الغريبة؟/ لماذا أكتبُ دائماً بنفس الطريقةِ، وأظلُّ كما أنا، محافظاً على صياغةِ الجديد بالطريقةِ المألوفة؟" .. لعلَّ اختيارَ (محمد فهمي) لهذه السونيتة بالتحديد يبدو مُبَرّرًا على مستوى الشكل إذا اكتشفنا أنَّ الديوان يشتملُ على اثنتَين وثلاثين قصيدةً تنتمي إجمالاً إلى الشِّعر الموزون، فمنها ثلاثٌ وعشرون قصيدةً عموديةً، وتسعُ قصائد تفعيليةٍ، وقصيدةٌ واحدةٌ تترنّح بين الأسطر المنثورة المسجوعة والأسطر الموزونة .. وقد شهد الديوانُ تنوُّعًا عروضيًّا بين ثمانيةِ أبحُرٍ شعريةٍ هي البسيطُ والوافرُ والكاملُ والسريعُ والمنسرحُ والخفيفُ والمتقاربُ والمتدارَك .. ولعلَّ نداءَ الشاعر لشيكسپير يُعَدُّ امتدادًا لنداءاتِه في الإهداء وفي متن الديوان، كما أنَّ تأكيدَ السونيتة على فَرادةِ صاحبِها فيهِ ما فيهِ من إلماحٍ إلى بحث شاعرِنا عن فَرادةٍ وخصوصيةٍ يحاولُهما بمدِّ جذوره إلى الأسلافِ قبلَ أن يتملَّصَ منهم .. ففي قصيدةِ (صوتِ أبي العلاء) يقولُ متماهيًا مع رهين المَحبسَين: "أبو العلاء معي في كلِّ جارحةٍ/ فرعونُ رُوحي ومصرُ القلبُ والملأُ/ ورُبَّ ميتٍ يعيشُ العمر ثانيةً/ في جسمِ حيٍّ وهذا الكونُ ممتلئُ"، لكنَّه يتملَّصُ منه في قوله: "أين الحقيقةُ يا شيخي وجامعتي؟/ والبئرُ أعمثُ مما يهبطُ الرشَأُ" .. وفي قصيدةِ (حفيدِ المتنبّي) يُبينُ عن ولعٍ بالمتنبّي فيقول: "أتيتُ إليكَ من صحَرا ضلالي/ بِخَيلٍ من فوارسِها خيالي/ بلا مجدٍ ولا شرفٍ رفيعٍ/ سوى شغفٍ مُميتٍ بالمعالي"، ليتملَّصَ منه كذلك في قوله: "أتيتُكَ لا مُريدًا، بل حفيدًا/ وبي أضعافُ ما بكَ من تَعالِي" .. وفي القصيدتَين المذكورتين ينتهي (فهمي) بعد محاولتَي التملُّص هاتين إلى التماهي تمامًا مع أيقونتَي أستاذَيه كما تحققت تمامًا في الوعي الجمعيِّ لجمهور المهتمين بالشِّعر، فمع أبي العلاء يقول آخِرًا: "أبو اللزومِ أنا بيتًا وقافيةً/ إنَّ الشتاتَ دُجى الأرواحِ والصَّدأُ"، ومع المتنبّي: "عليَّ سلامُ موهبتي وليدًا/ ويومَ أموتُ مفقودَ المِثالِ".
   وللهمِّ الوطنيِّ حضورُهُ المباشرُ الكثيفُ في ديوانِ (فهمي)، ففي قصيدةِ (المصيرِ) يخيمُ التشاؤمُ الوطنيُّ عليه حين يقول موجِزًا: "لا تُظهِروا لوعةً ولا أسَفا/ مصيرُ مصرٍ محدَّدٌ سلَفا/ إذ كيف تمضي بلادُنا قُدُمًا/ والكلُّ فِلٌّ ويدَّعي الشرَفا؟!"، وهي القصيدةُ التي يبدو أنَّها كُتِبَت في وقتٍ لاحقٍ على الثورةِ كما يبدو من استخدامِهِ لفظةَ (فِلٍّ) التي تمّ تكريسُها في الخطاب السياسيِّ في أعقاب الثورة .. أما قصيدةُ (بُشرَى الشتاء) المُدرَجةُ في الديوانِ في موقعٍ متأخرٍ عن (المصير) فهي تنتهي إلى التفاؤل والوثوق بالشعبِ ويبدو أنها كُتِبَت أيضًا بعد ثورة يناير لكن في وقتٍ سابقٍ على (المصير) حيثُ يفتتحُها بقوله: "ثلاثون عامًا ونحنُ ظِماءْ/ إلى النورِ والعدلِ والكبرياءْ" ويُنهيها بقوله: "فلا في الشعوبِ أُناسٌ كشعبي/ ولا في الحروفِ كحاءٍ وباء".
   يقعُ شاعرُنا في أخطاء لُغويةٍ في مواضعَ بعينِها من الديوان، ففي البيت الذي ذكرناه من قصيدة (صوت أبي العلاء) يقولُ: "والبئرُ أعمقُ مما يهبطُ الرَّشَاُ" .. والحقُّ أنها صورةٌ بديعةٌ جدًّا جاءت في نوعِ الاستعارةِ التمثيليةِ الذي يتربَّعُ بطبيعة الحالِ على قمةِ هرم البيانِ، حيثُ شبَّهَ استسرارَ الحقيقةِ وتأبّيَها على الانكشافِ بحالةِ البئرِ العميقةِ التي لا تفصحُ عمّا بها من ماءٍ لمن يُدلي بدَلوهِ ويُرخي حبلَهُ إلى نهايته، وتركَ للمتلقّي أن (يشاركَهُ إنتاجَ المعنى) - في مستوىً معيَّنٍ من المشاركة كما يقولُ البلاغيون المُحدَثون – باكتشافِ أوجه الشبه بنفسه بين الحالتين .. لكنّه غالبًا كان يعني (والبئرُ أعمقُ مما يهبطُ الرِّشاءُ)، والرشاءُ هو رسَنُ الدلو أو حبلُهُ كما جاء في لسان العرب، وشتان الفارقُ بين الرشاءِ والرشأِ الذي هو الظبي!
   ومن الأخطاء اللغوية أيضًا قولُهُ في (صوت أبي العلاء): "فاختر طريقكَ وامشِ نحوَ آخرهِ"، حيثُ لا يستقيمُ الوزنُ ببناء فعل الأمر (امشِ) على حذف حرف العِلّة، ولا يستقيمُ النحوُ بإشباعِ ياء الفعلِ (امشي)! ومثلُ هذا الخطأ نجده في قصيدة (رثاء أبي) حيثُ يقول: "لم تنحنِ يومًا لِداءٍ، لم تَهُنْ/ ورأيتَ طوقَ الموتِ طوقَ نجاةِ"، فالوزنُ لا يستقيمُ بجزم الفعل المضارع (تنحني) بحذف حرف العِلّة، والنحوُ لا يستقيمُ بإشباعِه إن كان قالَ (تنحني)!
   أمّا الأخطاءُ العَروضيةُ فهي منتشرةٌ في الديوانِ كذلك، كما في قصيدة (العاشق الجريح) حيثُ يقول: "لماذا لم تقولي لي وداعًا/ أيسلو اللهَ إبليسُ اللعينُ؟/ نهداكِ سوفَ تضمرانِ في غيابي/ وثغرُكِ سوف يهلكُهُ الجنونُ" .. فشطرُ (نهداكِ .... غيابي) مكسورٌ في وضوحٍ يشي بعددٍ من الأخطاءِ، كما لو كان قد قال في الأصلِ "نهودُكِ سوفَ تضمرُ في غيابي" وهو موزونٌ في هذه الصياغةِ، ثم رأى أنَّ للحبيبةِ المخاطَبةِ على الحقيقةِ نهدين فقط، فقالَ (نهداكِ)، فاضطُرَّ هُوَ أو مُراجِعُ الديوانِ قبلَ الطباعةِ أن يُثنِّيَ الفعل فقال: "نهداكِ سوفَ تضمران"!
   أما قصيدةُ (ألف مبروك) فهي تلك المترنحةُ بين الأوزانِ واللاوزن عن غيرِ قصدٍ فيما يبدو لي، وربّما تنتمي هذه القصيدةُ إلى بداية محاولات الكتابة الشعرية الموزونةِ لدى الشاعر .. فالسطرُ الأولُ منسرحٌ أصيلٌ ربما جاءَ معه عرَضًا حيث يقول: "ألفَ مبروكٍ يا بُرجَ قاهِرَتي"، ثم يقول في السطر الثاني: "يا دمع عائلتي الحزينة دون سبب" فيتركُ للقارئ هذا الترنُّحَ المشارَ إليه، وربما تكون هذه القصيدةُ السببَ الوحيدَ الذي قادَ الناقد الدكتور (محمد علي سلامة) إلى أن يقول في كلمته المطبوعة على ظهرِ غلاف الديوان: "وتتراوحُ قصائدُ الديوان بين كل ألوان الشعر التقليدي والتفعيلة والنثرري الحُر"، حيث لا أثرَ لشعرٍ (نثريٍّ حُرٍّ) يمكن تلمُّسُه في الديوان إلاّ هنا، ولا أظنُّه مقصودًا هنا أبدا!
   بقي أن نُشيرَ إلى المعادل التشكيليّ الذي اختاره (أحمد طه) المشرف الفني لسلسلة (كتاب المواهب) للديوان، متمثلاً في لوحة الغلاف الأمامي Hirondelle, Amour أو (السنونوّ، الحُبّ) للتشكيلي الكتالونيّ الأشهر (خُوان ميرو) .. اللوحة تنتمي إلى المرحلة السريالية لـ(ميرو)، وربما تكون واحدةً من اللوحات - القليلةِ نسبيًّا بين أعمال تلك المرحلة من تطوره الفنيّ – المحتفيةِ بزحامٍ من الأشكال والألوان المتقاطعة المتلاقحة على خلفيةٍ شحيحةٍ من الفضاء السماويّ .. ربما كان اختيارًا موفَّقًا يعكسُ زحامَ الأفكارِ المغبَّشَ في هذا الديوان الذي يسعى إلى رؤيا فيتلمّسُ السماءَ، قبلَ أن يتجرّأ الرائي فيبحثَ عن تأويل.
27/9/2014