Loading...

Sunday, 9 September 2012

قراءة في رواية (سِفر الأراجوز) لأحمد سمير سعد


كتابُ اللعبِ المقدَّس
قراءة في رواية (سِفر الأراجوز) لأحمد سمير سعد

 الأراجوز .. تلك العينُ السوداء (قره قوز)  كما في الفارسية .. تلك الشخصيةُ الممسوخةُ التي توجَدُ ولا توجَد .. بطلُ الرواية يطاردُ وجودَهُ عبرَ صفحاتِها ليكتشف بنهايتِها أنَّهُ عينٌ سوداءُ يطلُّ من خلالِها الأبُ الذي كان ، ولا شيءَ غيرُ ذلك .. ظِلٌّ لأبيه ..
  تبدأ الحكايةُ مع بائع الفول الذي يُلَعّبُ الأراجوز للأطفال ليلاً، وولادة طفلٍ له (هو بطل الرواية) إثرَ بشارةِ (السيدة زينب) رضي الله عنها لزوجته في المنامِ بطفلٍ مبارَك .. الزوجةُ تلاحظُ ظاهرةً  خاصةً في جلدِ وليدِها وهو أنه يتغيرُ لونُهُ تبعًا لألوان الأشياء التي تقتربُ منهُ كالحرباء! يكبرُ الوليدُ ليصيرَ أراجوزًا بشريًّا طفلاً ، وتموتُ أمُّهُ وتتولى تربيتَه الدايةُ التي ولّدَتها .. يُبَشَّرُ أبوه برزقٍ واسعٍ حين يدخلُ الصبيُّ بلاطَ (الثَّرِيّ) الذي يتولى تعليمه وتربيتَهُ بنفسِه .. يكبرُ مع الفتاةِ بنت الثريِّ التي تقعُ في غرامِهِ ويُضطَرُّ أبوها لتزويجهِ منها لتُشفَى من الداء الذي ألمَّ بها .. وحين يقتربُ الثريُّ من الراقصةِ المثيرةِ بنت الغجريةِ المقيمةِ في قصرِهِ ، ويكتشفُ أن الأراجوزَ سبقهُ إلى افتضاضِ بكارتِها ، يصممُ أن ينتقمَ من الأراجوز زوجِ ابنتِهِ ويدسُّ له السُّمَّ الذي يكادُ أن يودِيَ بحياتِهِ لولا المناعةُ التي أكسبته إياها زوجتُهُ بنتُ الثريِّ التي جعلت تُجَرِّعُهُ جرعاتٍ متزايدةً من السُّمِّ كلَّ يومٍ ليفقدَ حساسيتَهُ له .. لكنَّهُ يمرضُ مرضًا شديدًا حتى يخيلَ إلى الجميعِ أنه ماتَ ويكفنوه ويدفنوه حيًّا .. وبينما هو في قبرِهِ يفاجأُ بحفّار قبورٍ لِصٍّ يحفِرُ عليه قبرَهُ ليسرقَ كفنَهُ ، وينقذه حفار القبورِ ويأخذه معه إلى البيتِ وترعاهُ أختُهُ النائحةُ (صفية) حتى يستردَّ عافيتَه .. ويعملُ الأراجوز مع حفّار القبور، حتى يصادِفَ الشيخَ صاحِبَ الكراماتِ ويصبحَ من أخلصِ مريديهِ فيضمُّهُ صاحبُ الكراماتِ إلى عمالِ متجرِه للأقمشة، ويزوجُهُ ابنتَهُ ، ثم يعطيهِ العهدَ بخلافتِهِ على أهل الطريقة .. ويولَدُ للأراجوزِ صبيٌّ تتكررُ معهُ بشاراتُ البركةِ ،كما تهاجمُ أباهُ الأراجوزَ نُذُرُ ضياعِهِ، ويضيعُ الصبي بالفعل حين يبلغ السابعةَ كما لو أنَّ تاريخَ الأب يُكتَبُ من جديد .. وتموتُ زوجةُ الأراجوزِ في إثرِ ذلكَ ، ويشعرُ الأراجوزُ أنه فقدَ بركتَهُ حين يَرقي مصروعًا على عهدِ شيخهِ ويموتُ المصروعُ بين يديهِ ولا تنفعهُ الرُّقيَة .. حينذاكَ يعودُ الأراجوزُ على عقِبَيهِ مقتفيًا آثارَ نفسِهِ، فيصادفُ أولاً حفارَ القبورِ ميتًا ويدفنُهُ بنفسِهِ، ثُمَّ يصلُ إلى بيتِ أبوَيهِ ، ويعودُ إلى مهنةِ أبيهِ فيبيعُ الفولَ صباحًا ويلعب الأراجوزَ مساء ، وتنتهي أحداثُ القصةِ هنا ..
  نلمحُ في رحلةِ الأراجوز إحالةً لنا إلى رحلة السيميائيِّ في الرواية الأشهر لـ(پاولو كويليو) ، إلاّ أنّ بطل روايةِ (كويليو) يرحلُ نحوَ المعرفةِ بالذاتِ التي هي معرفةٌ بالعالَمِ وينتهي في نقطةِ بدايتِهِ ليدركَ أنَّ الكنزَ الموعودَ هو الرحلةُ ذاتُها .. أمّا الأراجوزُ هنا فيرحلُ في خطٍّ مستقيمٍ نحوَ أفقٍ من المعرفةِ الروحيةِ يتمثلُ في خلافة صاحب الكراماتِ ، ثم لا يلبثُ أن يعودَ من حيثُ أتى لينتهي نهايةَ أبيه .. ينتهي خاويَ الوِفاضِ وكأنما كلُّ ما فاتَ كان لَعِبًا .. يبدو أنَّ كنزَ رحلةِ الأراجوزِ هو التصالُحُ مع الخواء ، وهو إدراكٌ خاصٌّ للمعرفةِ يقترحهُ صاحبُ الرواية فيما يبدو لنا .. وهو إدراكٌ صوفِيٌّ راضٍ بالدورِ المحدودِ الذي يلعبُهُ الإنسانُ في مسرحِ هذا العالَمِ ، وتؤيدُ هذا الإدراكَ تيمةُ التكرارِ المتجليةُ في مستوى الأحداثِ كما في مستوى لغةِ الوصف ..
    فالتكرارُ الأعظمُ في مستوى الأحداثِ أهمُّ أمثلتِهِ حدثُ ضياعِ ولدِ الأراجوزِ في سن السابعةِ (ليبحثَ عن شيخِهِ الخاصِّ ، فهو غيرُ محسوبٍ على طريقةِ أبيهِ وجدِّه لأمه) ، كما حدثَ أن اغتربَ أبوهُ الأراجوزُ عن أهلهِ وذَويهِ في شبابه .. أما التكرارُ على مستوى لغة الوصفِ فيتجلى في مفاتيح (كيوهات) الأدوار المختلفةِ للشخصياتِ ، فلحظاتُ النشاطِ الأوفر للأراجوزِ في العمل واللعبِ والمغازلةِ وحتى الذِّكر توصَفُ دائمًا بعبارةٍ واحدةٍ: "الأراجوز يهزُّ الخصرَ، يديرُ الرأسَ، يداورُ بلسانهِ الكلمات" ، وكأنما لُبُّ كلِّ نشاطٍ يقومُ به الأراجوزُ واحدٌ مهما تعددت صورُ هذا النشاط ، فالمسألةُ لعبٌ مرسومٌ قَدَرًا محددٌ سلفًا وخلفَهُ لا شيء ..
أمّا الراقصةُ فلحظةُ توهجِ نشاطِها دائمًا توصفُ فيها بأنها: "ترفعُ الرِّجلَ تُدَوِّرُ الخصرَ تُرعِشُ الصدرَ تهزُّ الأرداف" ..  
  وثمةَ ملمحٌ آخرُ في تقنيةِ الحَكيِ هنا يُقَوِّي قناعتَنا بمسألة التصالُحِ مع الخواء ، وهو الإصرارُ على تسمية عددٍ من أهم شخصياتِ الروايةِ بأسماءِ أدوارِها في الدراما فقط، كالأراجوز، وصاحب الكراماتِ، والراقصة ابنةِ الغجرية، والثّرِيّ، وابنةِ الثّريِ، وحفّار القبور .. بل لا نكادُ نجدُ شخصياتٍ تحملُ أسماءَ أعلامٍ إلا الشخصياتِ الهامشيةَ المساعدةَ التي لا تظهرُ إلا قليلاً مثل (صفية) أخت حفار القبور، و(غانم) و(محروس) صديقَي طفولة الأراجوز .. كأنَّ العبارةَ التي يقولُها (نزار قباني) على لسان المرأةِ اللامباليةِ في يومياتِها: "أسخفُ ما نحملُهُ يا سيدي الأسماءُ" مكرسةٌ هنا إلى أبعدِ الحدود ..
  اختارَ (أحمد سمير سعد) في هذه الروايةِ الطريقَ الأوعرَ، أعني تيارَ الواقعيةِ السحريةِ، حيث تنضفرُ الوقائعُ اليوميةُ الموصوفةُ بدقةِ الوصّافينَ الكبارِ كتنظيف (قِدرَةِ) الفول وكَمرها، ولفِّ النحلةِ اللعبة (المخروطة الخشبية الدوارة)، وكتعامل موظفي محلِّ القماشِ مع الزبائن، تنضفرُ هذه الوقائعُ مع تفاصيلَ أسطوريةٍ تنهلُ من معينِ التراثِ الشعبيِّ المصريِّ والإسلاميّ، والروايةُ مكتنزةٌ بالفعلِ بهذه التفاصيلِ الأسطوريةِ فلا تكادُ تخلو صفحةٌ منها من تفصيلةٍ جديدةٍ فيما يجعلُها سجلاًّ روائيًّا للتراثِ الشعبيِّ المصريِّ والإسلاميِّ، ومن أمثلةِ ذلك: أسطورةُ الوَحَم، ومصيرِ الجنين المرتبط بنوع الثمرةِ التي تَحِمُ عليها أمُّه، وظهور الثمرةِ في جسدِهِ كتشوهٍ بارزٍ إن لم تتناول أمهُ هذه الثمرةَ كما طلبتها – حكاية (أم البنين) الجنية التي تسكنُ تحتَ الأرضِ وتترصدُ أرواحَ المواليد الذكور وحكايةُ زواج الجنياتِ من الإنس – حكايةُ الدُّمَى والثمار المرتبطة بالأمراض ، وهي هنا ثمرةُ الباذنجانِ التي اتخذتها الدايةُ علامةً على مرضِ بنت الثريِّ وجعلَت ذبولَها علامةً على شفاءِ الفتاةِ ووجوبِ تزويجِها من الأراجوز – حكاية عيون ملَك الموتِ التي بعددِ الأحياءِ والتي ما إن ينطبق جفنا عينٍ منها حتى ينتهيَ أجلُ الشخصِ الموكلةِ به تلك العين .. إلى آخر ذلك .. إلاّ أنَّ حكايةً أسطوريةً كتلوّن الصبي الأراجوزِ كالحرباءِ ، تبدو غير مستغلةٍ بما يكفي لأن تُصَدَّرَ الروايةُ بمقولة: "يقولون إن الإله قد منح الحرباء المقدرة على التلون بلون ما تقف عليه حتى تختفي من أعدائها الطبيعيين .. الحرباء باتت لا تعرف اللون الذي خُلِقَت عليه" .. فالأظهَرُ طيلةَ الروايةِ هو اللعبُ على تيمة الأراجوزِ اللاعب، وفي رأيي أنه لم يتم استثمارُ تيمة التلون الحربائيِّ رغم ثرائها، وكانت تيمة الأراجوز كافيةً تمامًا بما يخدمُها من أساطيرَ أصغر تظهر من صفحةٍ لأخرى ..
  لكنَّ هذا الزحامَ من الأساطيرِ بالإضافةِ إلى تسمية الشخصياتِ بأدوارِها والجمل القصيرة كما في هذه الفقرة: "أخت زائر القبور تنتزع نفسها من مقيديها. تهرع صوب الأراجوز. تجثو أمامه. عيناها باكيتان. لسانها عامر بالشكر العرفان. يتركها وينصرف دون أن يعرّف نفسه. تطلعوا إليه وهو يبتعد وقد شملهم الصمت" .. لغةٌ سينمائيةٌ مشهديةٌ تشبهُ لغةَ كتابةِ السيناريو .. جماعُ هذه الحقائقِ السرديةِ يخلقُ حاجزًا عاطفيًّا بين القارئ وبين شخصياتِ الرواية، فلا يصبحُ التعاطفُ والتوحدُ مع أيٍّ من الشخصياتِ شيئًا مبذولاً في يُسرٍ، وأظنُّ هذا الأثرَ الجانبيَّ لهذه التقنياتِ يكاد يقتربُ من الحتمية، ورُبّما يكونُ مقصودًا في إطارِ الحسِّ الپانوراميِّ الذي يروي به (أحمد سمير) روايتَه، ليبقى في وعي المتلقّي في النهايةِ إدراكٌ معقَّدٌ مستسلمٌ لحتميةِ التكرارِ ولانهائيةِ الأحداثِ وللخواءِ الكامنِ في لُبِّ عالَم الرواية ..
  وأخيرًا، فعنوانُ الروايةِ يكرّسُ هذه الحالةَ المتصالحةَ مع التكرار واللعب والقدَريةِ والخواءِ، فهكذا تنبجسُ الدلالاتُ اللغويةُ من لفظة (سِفر) المرتبطةِ في الوعي الجمعيِّ بأسفارِ العهد القديمِ المقدسة .. (سِفر الأراجوز) هو كتابُ اللعبِ المقدَّس!
  

Thursday, 9 August 2012

أحضِرِي زجاجةَ ماءٍ بارد


كان الشيطانُ حاضرًا

عندما صُفِعَ (جلال عيسى)

فدارَ حولَ محورهِ الرأسيِّ كـ(شربونِ) الخلاّطِ المنزليّ ..

كان الإنشادُ ساحرًا عندما أذيعَت جملتُهُ :

"أنا عندي رجّالة تاكل الزلط"

بالمقلوب ، متكررةً كتيماتِ القداديسِ السوداء

 - نعم مازلتُ مولعًا بهذه الأشياء - 

لكنني لم أعُد مهووسًا بالسينما كما كنتُ حينذاك ..




لقد هدأَت النار

عرفتُ هذا

حينَ تخلَّى رأسُ الغزالةِ عن مكانتِهِ الوسطى

بين مصباحَي الفلورسنت الذَين يُزيّنان بلتكانةَ صالتِنا

لظروفٍ متعلقةٍ بتغيير حجم الكشّافَين

وشَهِدتُهُ في ملامحِ خطيبتي وهي تنظرُ إلى عينيَّ

فليسَ ثَمَّ إلاّ الماءُ الماءُ الماء ..




أن يَعلَقَ (جلال عيسى) بذاكرةِ الأُمَّةِ

من خلالِ مشهدٍ فانتازيٍّ وحيدٍ

يدورُ فيهِ حولَ محورِهِ

ففي هذا بيانٌ عن غلبَةِ الماءِ عليه ..

أنا كيميائيٌّ هاوٍ قديمٌ

وأعرفُ أنَّه بإمكانِ النارِ أن تطفُوَ على الماءِ قليلا ..

طفَت النارُ

فدارَ (جلال عيسى) حولَ محورِهِ

ثُمَّ ابتلعَها الماءُ السرمديُّ

فغابَ المسكينُ عن الأنظار ..




بُرِجي مائيٌّ أصيل ..

وقد راهنتُ نفسي وأنا أكتبُ هذا النَّصَّ

على أنَّ (جلال عيسى) مولودٌ في برجِ مائيٍّ هوَ الآخَر ..

وصدقَ حَدسي ..

لم أكن أعرفُ أنَّ لي خبرتي في هذه الأشياء
حبيبتي ..

سيبتلِعُ الماءُ كُلَّ شيءٍ

فلا تجزَعي حينَ أشهِدُكِ ذلك ..

المسألةُ قدَرِيَّةٌ

والماءُ ..

آه!

لقد أقرأتُكِ قولَ أحدِ أبطالِ روايتي الوحيدةِ ، أتذكُرينَه؟

"الماءُ تسرَّبَ من جُدرانِ الوَقت"

لم أكن أعرفُ قبلَ الآنَ أنني أتفقُ معهُ في رؤيتِنا للعالَم ..

بَيدَ أنّني استسلمتُ لهذه الرؤيةِ

وثارَ هُوَ عليها
..
لن تَثُورِي

فأنتِ تعلمينَ في قرارةِ نفسِكِ أنَّ مصيرَنا جميعًا إلى الماءِ

مهما اختلفَت أبراجُنا!




على أيةِ حال ..

ميعادُنا الليلة ..

والمسلمونَ يُقَدِّسُونَ الماءَ كما تعرفين ..

أحضرِي معكِ زجاجةَ ماءٍ باردٍ

وانثُري منها قطراتٍ في وجهي

وسأفعلُ كذلكِ

وسنُفيقُ من إغفاءتِنا

ونذهبُ إلى الماءِ راضِيَين

قبلَ أن يبتلعَنا الماءُ عنوةً

كـ(جلال عيسى) !
.....
EGAL
9/8/2012

Sunday, 29 July 2012

تمرين للقلب على الغيبة – شاعريةُ الاستسلامِ للقدَر: قراءة في ديوان (رانيا منصور)




  تجربة (رانيا منصور) في رأيي تمثّل شاعرية الاستسلام للقدَر .. يتّضِحُ هذا في عنوان الديوان الذي يُسَلِّم بدءًا بقدَر الغياب ، لكنَّهُ يحاولُ أن يتأقلم مع هذا القدَر المحتوم .. هذه الشاعرية (المؤمنةُ) إن جاز التعبير ، تبلُغُ ذِروةَ إنجازِها التعبيريِّ حين تتذرَّعُ بالصورة لتعبر عن مشاعر الحزن والاكتئاب .. ففي قصيدة (خلّي الباب مفتوح) التي يمكن اعتبارُها محاولةً للخروج من الحزن ، نجدُ أكثر الصور عبقريةً هي المعبرة عن الحزن، حيث تقول (رانيا): " صباح مفتوح على الآخر/كتير عارفها مِ الأول/ماحدِّش عارف الآخر/ويمكن لَمّا تتسرسب بنات الحزن من راسي/أفك إْيديّا من حواليني واتْفائل/ وافرّحني/بِبَاكو جَلاَكسي بالبندق/تفوتني الحبسه، تِتّاخِر/أحسّ اني فتحت القلب ع الآخر/تعدّي الإبره من قلبي/ تعدِّي الدوخه والزحمه/واطلّع راسي من قلبي/عشان ما تعبتْ." .. نجد هنا بنات الأفكار قد تحوّلت إلى (بنات الحزن) التي تتسرّب في نعومةٍ من رأس الشاعرة ، ونجدُ الاختناق (الحبسة) كائنًا من لحمٍ ودمٍ يجثم على صدرها ويستأثر بالبراحِ من دونِها حتى لا يدعَ لها سوى أقلِّ القليل من مساحةِ العيش ، ونجد وخزَ الحزنِ إبراةً حقيقيةً اخترقت قلبَها (مع ملاحظة أنَّ هذه الإبرةَ ماضيةٌ في طريقِها وأنه لا فكاكَ منها ، إلا أنَّ الباب المفتوح / الأملَ سيعجِّلُ فقط بعبورِها القلب) ، ونجدُ عقد اليدَين في الجلسة الحزينةِ فعلاً مستنسخًا مراتٍ عديدةً فيما يبدو حتى أنها تكادُ تكونُ محاصرةً بأيديها معقودةً حولها (أفُك إيديا من حواليني) ، وهو ما ذكَّرَني على الفور بلوحةٍ للتشكيليِّ (جورج ناشد) بعنوان أغنيةٍ لأمِّ كلثوم (أروح لمين) حيث يستنسخ (أمَّ كلثوم) مراتٍ عديدةً داخل اللوحة ، وكلُّ نسخةٍ تقف أمام أحد العازفين وتغني له علَّها تجدُ لديه حلاًّ! إنها سرياليةُ التكرار في تلك اللوحة كما هي في هذه الصورة الشِّعرية .. وأخيرًا وهي الصورة الأكثر سرياليةً وعبقريةً في رأيي (واطلّع راسي من قلبي) : تستدعي الجُملةُ على الفورِ تلك الجلسةَ المرتبطةَ في وعيِنا بالاكتئاب حيث يضعُ الواحدُ رأسه بين ساقيه حتى تكاد تلامس صدرَه ، والشاعرةُ موغلةٌ في هذا الاكتئاب حتى أن هذه الرأسَ اخترقت الصدرَ إلى القلب واستقرّت به بالفعل! إنها سرياليةٌ متماسكةٌ تستقي مفرداتِها الواضحةَ من الواقع وتذهبُ بها إلى أقصى ما يمكن الذهابُ إليه ..
  لا يخفى على قارئ الديوان أنَّ الحيز الواقعيَّ للتجربةِ ضيّقٌ بالفعل .. أعني أنَّ معظمَ النصوص – إن لم يكن كلُّها – مشغولٌ بعلاقة الذات الشاعرة بالآخَر / الرَّجُل .. لكنَّ (رانيا) استطاعَت أن تستنطِقَ كلَّ الظلالِ المُهملَة والأطيافِ المحتمَلة التي ينطوي عليها هذا الحيِّز الضيق .. ربَّما يكونُ الموضوعُ الأساسيُّ في قصائد الديوان هو أنَّ الآخَر / الرجل هو معنى الحياة ، وينسحب هذا الآخَرُ أحيانًا على الإله ، فتغرق التجربةُ في الصوفية .. نجدُ هذا الموضوع أبرزَ ما يكونُ في النص الافتتاحي في الديوان وهو (كُون بخير) ، حيث تقولُ (رانيا): "كباية المية اللي قمت اشربها شرئت لما جيت اطفيك بريقها فخدت بالك؟ ماتطفتشْ." وتقول: "بابلع دموع الغيم واغطيك بالدعا / واسرح ف راحة يَدّ بتبُكّ الحروف." وتقول: "وتعالى رتّب نعكشِة عين صاحية بدري عشان تقول لك وقت توزيع الدعا والرزق: إسمع! كون بخير." .. هنا نرى الآخَر / الرجلَ شمسًا داخليةً أو نارًا تشتعلُ في ذات الشاعرةِ وترفضُ أن تنطفئ رغم محاولاتِها ، ونراهُ صاحبَ الصمتِ المنطوي على احتمالات المعاني كلِّها في قولِها : "واسرح ف راحة يدّ بتبُكَ الحروف." ، ونرى طمأنينةَ الرؤيةِ لا تتحقق إلا بحضوره في قولها: "وتعالى رتّب نعكشة عين صاحية بدري." ، كما تقولُ: "غربلت يومي وخُفت جدًّا لا النشارة تكون خَفِتني / مانا قلبي حبّات رُفعَها يخليها هُف تطير بنسمة ، فخُد ف بالك / هيّ حَبّة ، خد قرارك إنها مش راح تدوب." وهي هنا تجسدُ هاجس الانمحاء بفعل تيار السخف اليومي ، وتُعَلِّقُ أمل البقاء بهذا الآخَر / المُخاطَب.
  وفي قصيدة (رايح جاي) يتجلى التسامي الصوفي بهذا المُخاطَب / الآخَر / المحبوب كأبرز ما يكون .. فابتداءًا من عنوان القصيدة نلمحُ التأرجُحَ الدّالَّ على معاناةِ الصوفيِّ في رحلته الروحية ، ثم تشير بعضُ المفردات المتكررة في النص إلى هذا التأرجُحِ لتُعَضِّدَه كقول الشاعرة: "خايف لافكّر فاحكي اقول لك / يتدلق مشحون مرار الصبر فيّا / تغرق نواحي بسمتك تزعل / فامرَّر لما حضني يتهزم – مهزومة دايمًا بيك وفيك – ما بين حالين" ، ثم تعود لتقول في آخر القصيدة: "وامّا تندَه / آه يا خوفي لما تنده / خوفي أحسن مالقانيش ما بين حالين" .. أعني هنا مفردةَ (حالين) التي تحيلُنا إلى جدلية الخوف والرجاء في المأثور العِرفانِيِّ الإسلامي .. وكذلك في قولِها: "مستنياك تخرج عليا من السحاب / أصلي باحبُّه – أو من رخام العتمة تخرج لي ، أنوَّر" ، ففيه إشاراتٌ إلى هذا الإشراق الإلهي الذي يتغني به الصوفية ، وكذلك "خايفة تتأخر عليا وماتناديش فأبوش مكاني" حيث يتمكن حالُ الخوف من الذات الشاعرة ، ويتملكُها الإشفاق من فقدان تماسُكِ كيانِها (حال البوش كما تحبُّ أن تسميَه) إن لم يَجُد الحبيب / الإله بالنداء ..
  أمّا في قصيدة (محروقة عينُه) فيتداخل صوتان طيلة القصيدة ، أحدُهُما صوت الذات الشاعرة حيث تنطق حكمةً تستقي ماءَها من المأثور الإسلامي كقولِها: "قال والوقوع؟ قال لك : تمسّك بالتي أقوَم وعُود .. ربك عليم بيك فاصطبِر / قال بحر أهوج رامي موجُه المِلتوي / قال لك سماك أوصع غطا تغطي العيوب / ربك بيستر رغم علمه بالدواخل / فتناول الرحمة بكفوفك / إشرب تعافَى وارتِوِي" .. هنا يتنحَّى المُخاطَب الرجل تمامًا ، ويفسح مكانه لآخر غير معيَّن ، هو تجريد من الذات الشاعرة ، يحدثُ لكي تقيم حوارًا داخليًّا بينها وبين ذاتها..
·        من السمات الأسلوبية لـ(رانيا):
 أ- حقيقة أنّ (رانيا) تكتب شعر الفصحى كما تكتب العامية تلقي بظلالِها على التجربة التي بين أيدينا ، ورُبَّما نجد تيارًا محددًا من شعر الفصحى يَرفُدُ نصَّها العامّيّ بنماذجه التعبيرية ومفرداته .. وأكادُ أزعمُ أنَّ الشِّعرَ المبنيَّ على الـ(كود) المشرقيِّ أو الصيغة الشآميةِ للعربية الفصحى هو هذا التيار! نجدُ إشارةً إلى هذا في مواضع مثل: "ينشف الخوف المعانِدني فافتّح" في قصيدة (حَبّة كتار) و"مين قال مكتوب على قلبي الـ(زي الشمس) كسوف؟" في قصيدة (تلاكيك) و"الضحكة الـ(كانت مفروشة) على وشّي زمان لمّا عرفتك." في قصيدة (معلش يا زهر) وفي نفس القصيدة قولها: "بتخلّي القلب الـ(كان مرتاح) بيدُقّ بسرعة ضرب النار." .. هذا الاستخدام لـ(ال) التعريف في مكان الاسم الموصول (اللي / الذي التي) ليس متداوَلاً في العامية المصرية بقَدر تداوُلِه في الصيغة المشرقية الشآميةِ للفصحى ، كما في قول (نزار قبّاني): " تلك العيناها .. أصفى من ماء الخلجانْ. تلك الشفتاها.. أشهى من زهر الرمانْ." ..
ب- ظاهرةُ (الأفعال المنعكسة): أعني تلك الأفعال التي تكون الذات الشاعرة فيها هي الفاعل والمفعول ، ونجد ذلك في مواضع كقَولِها: "وافرّحني بباكو جلاكسي بالبندق." في (خلي الباب مفتوح) ، وتلحق بها تعبيرات من قبيل "واجري واخد بالي مني وصحتى" في (حَبّة كتار) ، وكذلك الأفعال التي تقومُ بها الذات الشاعرةُ داخل ذاتِها كقولِها: "مش هاقبل اني أكون تمليك / ولا اولّع جوا عروقي بزيت." و"لما بيصقّف لي قلبك ، باتكسف جوّايا جدًّا." و "لما اجي اوشوش قلبي عنّك فانتفض" في قصيدة (عبَط) .. أتصوّر أن هذه السِّمة الأسلوبية تكشفُ لنا عن غوص الشاعرة في عالمِها الداخلي الذي رُبَّما يكون هو النبع الحقيقيَّ لكل الإمكانات التعبيرية التي تفجِّرُها في هذا الحيِّز الضيقِ من التجربة .. هي تستعينُ برحابةِ داخلِها على ضيقِ خارجِها طيلةَ التجربة ..
ج – الرغبة في استقصاء المعنى: ووسيلةُ الشاعرة الأثيرةُ هنا هي حروف الجر وتكرار الفعل مع تعديلاتٍ على مفاعيله ، كما في قولِها : "وهارضابك / عشان حاسّاك هتِفرَحني / وتفرَح بي / تِفَرَّحني" في قصيدة (كفوف واسعين وبيقضُّوا) ، و"يمكن عبيطة / شايفة السدود حوالينا / فينا / وبينا / منّا." في قصيدة (عبط) ، و"حاول تخاف / منّي وعليّا وبيّا فيّا ولِيّا ليك." في قصيدة (ماتخافش / خاف) ، و"مهزومة دايمًا بيك وفيك" في قصيدة (رايح جاي) .. وهذا يتسق بشكلٍ ما أو بآخر مع زخم التفاصيل النفسية الذي تتيحه قراءة نَصّ (رانيا منصور) ، في مقابل تفاصيل العالَم الخارجي التي لا نلمحُها إلا للضرورةِ القصوى .. إنه احتفاء (رانيا) بعالمِها الداخليِّ الفسيح على حساب الخارج الضيق الذي تكادُ تزدريه بتفاصيله وتنميقاتِهِ الكاذبة ، ولا يعبرُ عن هذا النزوع لدى (رانيا) مثلُ قولِها في قصيدة (تلاكيك): "هاقبل بالنَّص صحيح / لكني هاصيغه براحتي واغيّر خطُّه / واكتب بالرقعة عشان باستسخف خط النسخ!!" .. الرقعة باكتفائه بالضروريِّ من الخطوط وزهده في التنميق ، على حساب النسخ الغارق في التفاصيل والنمنمات .. هو نزوعٌ اختزاليٌّ للواقع Minimalist يقدس المعنى ويعتبر الحرفَ ضرورةً لابُدَّ منها ولا شيءَ أكثر من ذلك.
·        حِدّة الحواسّ: نعني بذلك التعبير عن ملامح معينةٍ في الأشياء والحوادث تفاجئنا (رانيا) بالتقاطِها وهي ملامح لا ينتبهُ إليها الواحدُ في العادة أو لا يُحيرُها بالَه .. وممّا يبدَهُ ويُدهشُ بهذا الصدد قولُها في قصيدة (معلش يا زهر): "وامسك ورقة سيلوفان بتوِشّْ / تِتْلفّ فْ إيدي وتصبح دايرةْ نور بتضُمّ /واتْمَنَّى انا وانتَ نكون جوّاها /فْ نُصّ القُطر". هذا السمع الحادّ الثاقب الذي التفت إلى (وَشّ) ورقة السيلوفان التي ستلتف في يدها لتتحول إلى دائرة مضيئة ، ناهيك عن البصر المرهف الذي اخترقه نور السيلوفان فيما بعد .. هذه الإدراكات تنبئ عن حميميةٍ لا تُجحَد ، تجمع الذات الشاعرةَ بالأشياء ، وتجعلُها تَخبرُها رُبَّما بطريقةٍ تختلفُ عن خبرةِ غيرها بهذه الأشياء .. وفي قصيدة (كفوف واسعين وبيقضُّوا) تقول: "ولما ازعل وابوِّز حبة من كلمة / هتزل جري تشري لي عصاية بطول تلاتةِ ادوار / بغزل بنات وبالونة / ومن جواها بالُّونة" .. المفارقةُ هنا في إدراك طول العصا التي يُعلَّق فيها (غزل البنات) والبالونة! ربما هو إدراكُ الطفلة لكل شيءٍ كبيرٍ باعتباره منبئًا بكثيرٍ من البهجة ، فالأشياءُ الكبيرةُ هي متعلقاتُ الكبارِ والكبارُ محورُ حياتنا ومدارُنا ونحنُ صِغار .. في قصيدة (رايح جاي): "خايفة تتأخر عليا وماتناديش فأبوش مكاني" تبدهُنا هذه الجملة بإدراكٍ مفارقٍ لحال الانتظار ، حيث تتشيّأ الذات الشاعرةُ في هذه الحال وتتحوّلُ إلى كيانٍ فقد فعاليتَه وتماسكه ، لم يختفِ ولم يفنَ ، لكنَّه لم يعُد نفسَه .. نعودُ إلى قصيدة (معلش يا زهر) وهي بالفعل أكثر القصائد احتفاءًا بالإدراك المفارق والحواسّ السوپر: "فاكر – ولو انك مش فاكر – الضحكة الـ(كانت مفروشة) على وشي زمان لما عرفتك - الحاجه الواحده اللي بتِعلاَوباعْلاَ معاهاكانت يعني!(وانا كُنت كمان)دلوقتي بتخرُج مجروشه." حيث الضحكة تبرِّد القلب كقطعة ثلجٍ يلعب بها طفلٌ ويبتهجُ لبرودتِها المنعشة وملمسِها ، لكنّ هذه الضحكة انجرشت (تكسَّرَت) كقطعة الثلج أيضا .. وهو مثالٌ آخر على الإدراك المفارق ..
·        غلاف الديوان يُبرز لوحةً للفنان الإكوادوري (جواياسامين) ، وهو من تصميم الشاعرةِ والتشكيلية (نهى جمال) .. وهو اختيارٌ موفَّقٌ بشكلٍ كبيرٍ ومناسبٌ لمحتوى الديوان ، انطلاقًا من اتّساقه مع فكرة الذات الشاعرةِ المغمضةِ عينيها والمتأملةِ داخِلَها والمكتفيةِ ببراحِها الداخليِّ بديلاً عن العالم الخارجي الضيق ، واللوحةُ تقدمُ معادلاً تشكيليًّا بالفعل لهذه المعاني ، فالكائن الأنثى مغمضُ العينين ، متعملق الوجه والكفَّين ، قليل التفاصيل الظاهرة ، ولا شيءَ خارجه على الإطلاق في خلفية اللوحة ، وهو ما يشي بانكفائه على ذاته وبراحِها الداخلي ..



  

Saturday, 16 June 2012

سِيينّا وِسْت


لاحَت (سيينّا) لنا ، ما أعظمَ الشأنا    
إذ أحرقَتنا بِظِلٍّ قد تفيَّأْنا

كالمستجيرين من رمضاءِ نظرَتِها    
بنارِ عِشرَتِها جئنا ، فهل جئنا؟!

بِضاعةٌ غيرُ مُزجاةٍ تُراودُنا      
عن ركعَتَينا إذا قُمنا توضَّأنا

هِئْنا لها ، لم نَقُدَّ الثوبَ مِن دُبُرٍ  
بَل قُدَّ مِن ذاتِهِ لمّا رأى هِئْنا

يا صدرَها يا أبا الدنيا وزينتِها  
إنا عَدِمْنا فأطعِمْنا وأنشِئْنا

مَن حابِكٌ حَولَ نهدَيها تَسَتُّرَها؟  
إنّا على بَيضَتَي خِدرٍ توكَّأْنا

وفلقَتَا قَلبِها السُّفلِيِّ رَجْرَجَتا   
صَمتَ السريرِ متى رُحنا متى فِئنا

على قراريطَ مِن رُوحي نثرتُ لها  
عُشْبي، فراحَت (سيينّا) تَفتِنُ الضَّأْنا !

من ديواني (طقوس التبرُّم) - يصدر قريبًا بمشيئة الله عن مركز (المحروسة) للنشر والتوزيع
صفحة الديوان على جودريدز:

Sunday, 3 June 2012

قداسٌ أسود يصدر قريبًا عن دار كلمة







لا أمرُها
بل ما شاءَت الصُّدَفُ
حَلَّ الظلامُ العظيمُ
والسُّدَفُ !

فأشعلَت مُوجِباتِ حَيرتِها
فلم يُفِدها في الظُّلمةِ النَّجَفُ !

عُيونُ أطفالِها
تَرى شَذَراتٍ
لا تَراها عُيونُها الخَزَفُ ..

مَوتى بسَمتِ الأحياءِ
يَنطَلِقونَ
في وَقارٍ ، وتَصفُرُ الغُرَفُ

ويَقصِدُون البِيانَ قِبلَتَهُمْ
ويَدمَعُ البيتُ
كلما عَزَفُوا

لا تَصفِقِي البابَ
إنهم سَكَنوا
في حَلقِهِ ، ثُمَّ صَرَّ إذ رَجَفُوا

لا تَشرَبي في الإنجيلِ
فالصَّفَحاتُ :
لن تَرَيْ غيرَ أنهُم .. نَزَفُوا !!

من تجربتي (الآخرون) - ديواني (قدّاسٌ أسود)
يصدر قريبًا عن دار (كلمة) للنشر

Tuesday, 22 May 2012

لماذا صوتي لخالد علي؟ أو: لماذا سكتُّ دهرا .. ونطقتُ كُفرا؟!



لماذا صَوتي لخالد علي؟
أو:
لماذا سكتُّ دهرا .. ونطقتُ كُفرا؟!
·       مقدمةٌ قصيرةٌ منفلتةٌ من المنطق:
في المسرح اليوناني القديم ، ظهرت تقنية الإله الخارج من الآلة Deus ex Machina أي الحدث أو الشخصية الخارجة عن سياق الحكاية ، والتي تغير مجراها بالكامل .. مشهد انتخابات الرياسة في مصر لا يختلف كثيرًا ، فيد الإله التي ستغير كل شيءٍ هي ما يسمى بالمجلس العسكري. التربيطات والصفقات فوق كل شيءٍ بالتأكيد ، ولا يمكن تصوُّر أن يشرف المجلس العسكريُّ على انتخابات رياسةٍ (تهمِّشُ دورَهُ في صناعة القرار، أو تحدُّ من استقلالية ميزانيتِهِ وتعاليها على مراجعة وتدخل الپرلمان، أو تحاسب أعضاء هذا المجلس على ما يُعتبرُ من وجهات نظرٍ كثيرةٍ انتهاكاتٍ ارتُكِبَت بحق الشعب المصري خلال ما يسمى بالفترة الانتقالية، حين يصل أحد المرشَّحين إلى منصب الرئيس) دون أن يتدخلَ هذا المجلسُ العسكريُّ في وصول شخصٍ بعينِهِ إلى هذا المنصب ، بأي وسيلةٍ ممكنةٍ، وبينها ما يتواردُ عن تزوير بطاقاتٍ مدنيةٍ لأفراد الجيش والشرطة، أو حشد أهالي المجنَّدين والضباطِ للتصويت لصالح مرشَّحٍ بعينه، أو عقد صفقاتٍ واضحةٍ أو ضمنيةٍ مع كل المرشَّحين. ولهذا، فإن قراري بشأن التصويت لمرشَّحٍ بعينِهِ لا يعني أنني أعلِّقُ آمالاً عِراضًا عليه أو على غيره إن وصل إلى كرسيِّ الرياسة .. وإنما أنا أنزلُ إلى الشارع وأدلي بصوتي من منطلَق ممارسةِ المتعة الصافية المتعالية على التبرير العقليِّ أساسًا ، لأنَّ كل هذا عبث .. وأحبُّ أن أنوِّهَ مقدَّمًا إلى أني لن أتعرضَ لبرنامج مرشَّحي المفضَّل أو أيٍّ من المرشَّحين ، لأن البرامج متشابهةٌ كما يعرف الجميع ..
·       نقاطٌ هامةٌ في اختياري لخالد علي:
1-             ضعفُ الكاريزما: لا أحبُّ أن أغمط حقَّ الرجل .. لكن يبدو أنَّ الكاريزما – مع ذاتية الحكم عليها – هي جِماعٌ لعدة عوامل تبدو تافهةً لكنَّها توجهُ الرأيَ العامَّ في اختيار مرشَّحٍ على حساب آخَر .. في أمريكا مثلاً نجد أنَّ ناخبًا غيرَ مُسيَّسٍ قد يختار في عامٍ مرشَّحًا جمهوريًّا ، وبعد ذلك بأربعة أعوامٍ مرشَّحًا ديمقراطيًّا ، استنادًا إلى الانطباع الذي وصله من أداءِ أحدهما كرئيسٍ بالفعل في الفترة السابقة ، وإلى البرنامج أحيانًا ، وإلى الكاريزما في معظم الأحيان .. لست متخصصًا في التواصل غير اللفظي، لكن أزعمُ أنَّ عواملَ من قبيل مواجهة العين Eye Contact
وخامة الصوت Pitch of Voice وحركات الأيدي ، بالإضافة إلى منهجية عرض وجهات النظر وحتى شكل وجه المرشَّح وربَّما توزيع الشَّعر في وجهه وبنيته الجسمية : كلُّ هذا العوامل تخلق الكاريزما .. في رأيي أنَّ (خالد علي) حظُّهُ من هذه العوامل قليلٌ ، رغم حبي للرجل على المستوى الشخصي والانتخابي .. لماذا إذن أنتخبه بعد هذا؟؟ لكي أكسِرَ حالةَ الرئيسِ الإله/الفرعون/الأب المتجذرة في الوعي الجمعي المصري (قال الفنان هاني رمزي في حديثٍ تليفزيوني: احنا مش محتاجين عقل يحكمنا .. احنا محتاجين قلب يخاف علينا!) ، وليصبحَ الرئيسُ مجردَ تُرسٍ في ماكينة (ليست هي ماكينة الإله المشار إليها آنفًا بالتأكيد) .. ربما هو ترسٌ كبيرٌ ، لكنه ترسٌ في النهاية .. دولٌ كثيرةٌ ذات نظامٍ رياسيٍّ كالذي كان قائمًا لدينا لا يُحاطُ فيها الرئيسُ بكلِّ هذه الهالة ولا تدبَّجُ في مدحه وتكريسه الأغاني .. فلماذا لا يكونُ ترسا؟! هذا مع ملاحظةِ أنَّ صلاحياتِ الرئيسِ المنتخَب غيرُ معروفةٍ إلى الآنِ ، وأننا نقامرُ على ورقةٍ مجهولةٍ بالأساس ..
2-             تاريخ الانحياز للمهمَّشين: رغم تنويهي بأني لن أتعرَّضَ للبرنامج الانتخابي ، فسأستندُ فقط إلى تاريخه القصير كمدافِعٍ عن حقوق المهمَّشين في هذا المجتمع ، وهو شيءٌ يمكن للمهتم أن يراجعه على صفحته الرسمية على الإنترنت .. صحيحٌ أن لمرشَّحين آخرين تاريخًا نضاليًّا محترمًا في أكثر من اتجاهٍ ، لكني أزعم أن تركيز (خالد علي) على قضايا المهمَّشين يتمتع بفرادةٍ لا تُجحَد .. المهمَّشون هم معظم الشعب المصري في النهاية .. أذكرُ عنوانَ خبرٍ في مجلة (المُصَوَّر) ، في عددٍ طالعته مع أبي بينما كنا جلوسًا في (جروپي) حديقة الحيوان منذ أكثر من سبعة عشر عامًا: "ربع مليون طبيب مصري تحت خط الفقر" .. ماذا عن الطبيب المصري الآن؟؟ الطبيب المصري ليس هو المهمَّش .. وأنا في النهاية لا أهتمُّ كثيرًا بأي إحصاءٍ يصدر عن جهةٍ إحصائيةٍ مصرية .. تعلمتُ ألاّ أهتم .. أنا فقط أخرجُ صباحًا لأقفَ في محطة الأتوبيس منتظرًا ما يذهبُ بي إلى (قصر العيني) طالبًا ، أو (أحمد ماهر) طبيبًا ، أو (جامعة الأزهر) طالبَ ماچستير ، لأشمَّ رائحةَ روثِ الغنم الرابضة تحت إمرة الراعي البورچوازيِّ الصغير عند المحطة ، ولتبدَهَني صورةُ رجلٍ مسنٍّ أو طفلٍ أو امرأةٍ في منتصف عمرها تعبثُ في أكوامِ الزبالة القريبة والمتناثرة ، علَّها تجدُ إفطارَها ..
3-             لستُ صادرًا في هذا الاختيار عن رومانسيةٍ ثوريةٍ تستدعي شعراءَ أوربّا في عام الثورات في 1848 .. فأنا لستُ رومانسيًّا بالمرَّة .. يعرف هذا قليلون يقرأون ما أكتبه ، ويعرفه أصدقائي المقرَّبون الذين سمعوني أتجشَّأ بعد (شوربة العدس) .. كما أنني لستُ ثوريًّا، وأعترفُ بهذا .. لم أنزل إلى ميدان التحرير طيلة ثمانية عشرَ يومًا إلا يومَين .. وليسَ وراءَ هذا إلا الكسلُ أو اليأسُ في معظم الأحيان .. وهي طبيعةٌ لا يصعبُ تغييرُها على من يمتلكُ الإرادة .. لكنَّ لي تفضيلاتي الشخصيةَ فيما يتصل بقضاء وقتي .. ولا أعتقد أنها ستتغيرُ في الأمد القريب .. المهمُّ أنني أرشِّحُ (خالد علي) لسببٍ أكثر جذريةً من الرومانسية الثورية .. فإنني مصداقًا لشعارِ حملته الانتخابيةِ الموازية : اعتبرته اخويا! الرجلُ أكملَ الأربعينَ بالكاد .. ربما خبرته الإداريةُ ضعيفةٌ ، لكنني أفترضُ وجودَهُ وسطَ (مؤسسةٍ رياسيةٍ) متكاملةٍ وطاقِم مستشارين .. كما أنني مهتمُّ بفكرة الترس إلى أبعد الحدود .. أنا أحبُّ التروسَ في الحقيقة!!
4-             القاف: (خالد علي) لا ينطق القافَ سليمة .. وهذا من أسرارِ ترشيحي إياه .. (خالد علي) لا يشبهُني .. ربما يمثل (خالد علي) بقافِهِ المحتفيةِ بالضعفِ ، وملامحه الموغلةِ في الدقهليةِ الطيِّبةِ التي أحبُّها : أقولُ ربما يمثلُ نقطةَ تطورٍ حقيقيةً في مسار الفكر السياسي المصري .. لن يتولى (خالد علي) الرياسة ، وفرصه منعدمة .. ولكن هذا لا يعنيني! (خالد) يمثل انهيارَ مركزية الرئيس في نظام الحكم .. خطوةُ باتجاهِ اللاسلطوية Libertarianism .. أنا لستُ لاسلطويًّا أصلاً ، لكنَّ وصولَ مجتمعٍ ما إلى التكيف مع اللاسلطوية يعني تقدمًا إنسانيًّا في رأيي .. أنا مجردُ خادمٍ للقدَر .. وكذلك (خالد علي) .. ولن تقومَ الساعةُ إلا على شِرار الناس .. هه! أعرفُ أنها مسألةٌ محيِّرة .. لكن من قرأ عن الجماعات الدينية اليهودية التي ترفضُ قيامَ إسرائيل الدولةِ بشكلِها الحاليِّ وترفضُ الهجرةَ إليها من منطلَقِ أنَّها تحايُلٌ على كلمة الربِّ ، يعرف ما أعنيه .. الاستسلامُ للقدَر . الاستسلامُ للتاريخ .. من قرأ كتاب الدكتور (رشاد الشامي) عن (القوى الدينية في إسرائيل .. بين تكفير الدولة ولعبة السياسة) ، يدركُ ما أعنيه!
5-             لماذا ليس أبا الفتوح تحديدًا: يراهن البعضُ على (أبو الفتوح) باعتباره قادرًا على مواجهة العسكر وتحجيمهم في حالةِ إذا ما لقيَ تأييدًا شعبيًّا كاسحا .. وأنا لم أستطع أن أرى ذلك لسببٍ هامٍّ هو تصريحاته المهادنةُ للعسكر .. لا يعني هذا أنَّ الآخَرين لم يهادنوا العسكر .. التربيطاتُ فوق الجميع .. لكن حتى إذا نجح (أبو الفتوح) في تحقيق حلم النخب الثورية ، فإنه سيكونُ بذلك ضد النقاءِ الثوري ، الذي لا أدّعي الدفاعَ عنه لأنه غير ممكن التحقق في ظلِّ حنَقِ الكثرة الكاثرة من الشعب المصري على نفس هذه النخب الثورية! أعني أنَّهُ سيثبتُ پراجماتيَّته إن فعل .. فهل الپراجماتيةُ عيبٌ في السياسة؟ بالطبع لا .. لكنَّ التباسَ مواقفِ الرجلِ وتاريخَهُ الإخوانيَّ (مع ما يتميز به الإخوان من تبدُّلٍ سريعٍ في القراراتِ حسبَ المصالح التي لا يعلمُها إلا اللهُ جلَّ وعلا ، ثم فضيلةُ المرشد وأعضاء مكتب الإرشاد) لا يجعلاني واثقًا تمامًا في قدرته على إنجاز هذا الفعل الحاسم مع العسكر .. هذا مع محبتي الحقيقية لشخص الرجل ، بشكلٍ يصعب تبريره ، لكن ربما يكون مرجعُ هذا إلى نظرته الأبوية الحانية ونبرة صوته المُحتَوِية ..!

·       سيناريوهات بديلة:
1-   لو كنتُ في ديمقراطيةٍ راسخةٍ كأمريكا: والدستور قائمٌ يحدد صلاحيات كل سلطةٍ في نظام الحكم .. إذن لاخترتُ صاحب الكاريزما الأعلى ، ومعه نائبه بالطبع .. في رأيي ، هما (حمدين صباحي) ، ونائبه (الدكتور سليم العوّا) .. لن يستطيع الرئيسُ إساءة استخدام تلك الصلاحيات لوجود ضوابط دستوريةٍ وعُرفيةٍ عتيدة .. لم أرفض (حمدين) لقوميته العربية ، أو لخوفي من تكراره التجربة الناصرية أو لانتمائه إلى الناصرية .. فالمرجعيةُ لا تُخيفُ مهما كانت (إلا إذا انطوَت بحكم بنيتِها على انغلاقٍ تنظيميٍّ ومبالغةٍ في المكيافيللية) .. الأفكار تتطور .. ولا يمكن استنساخ تجربةٍ مضى على تحققها أكثر من أربعين عاما .. التاريخ لا يعود للوراد ، وظروف اليوم غير ظروف أمس .. لكنّي ببساطةٍ ، لا أريدُ إلهًا على كرسي الرياسة .. أنا مسلم! وصديقي المسيحيُّ مسيحيّ!! لدينا عباداتنا بالفعل .. عذرًا أستاذ (حمدين) ، لكنك بالفعل مضيءٌ أكثر مما ينبغي .. هذا رأيي .. ولك أيها القارئ النادر أن تقذف به في بالوعة العوالم المتوازية .. إذن فلماذا (العوّا) نائبًا؟؟ تذكَّروا نواب الرؤساء في أمريكا .. عادةً يميلون إلى البدانة ، وهم أسَنُّ من الرؤساء ، وهم الأكثر منهجيةً في عرض أفكارهم ، ولهم منجزهم الفكريُّ أحيانًا .. لهذا هو (العوّا) !! رغم أن هذا سيغضِبُ الكثيرين.
2-    لو كنت في ديمقراطيةٍ راسخةٍ أخرى كإسرائيل: لانتخبت الدكتور (عبد المنعم أبو الفتوح) دون تفكير .. في إسرائيل ، منصب الرئيس شرفيٌّ ، ونظام الحكم پرلماني .. والدكتور (أبو الفتوح) له هذا القَبول لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من الشعب .. فضلاً عن كونه خرّيج قصرالعيني .. وهو هذا الأبويُّ في هيئته ، وأنا حقيقةً أحبه على المستوى الشخصي (تاني!!) .. وكفاية انه ذاكر باطنة ..
3-   لو كنتُ أكثرَ رضًا مما أنا عليه: لاخترت (أحمد شفيق) بالطبع .. هذا الخطابُ الفارغُ ، الذي سقط منه النحو سهوا .. الرجل لا يقول شيئًا تقريبًا .. وهذه هي فضيلةُ الصمت .. أسعى إلى الوصول إلى هذه المرتبة من الرضا ، التي أعودُ فيها إلى اللوغوس .. إلى الصمت.
              

Friday, 18 May 2012

تذكـُّرُ كلِّ ما لم تقـُله - من ديواني (طقوس التَّبرُّم) - تحت الطبع




هي ناهضةٌ أو ستَجلِسْ ..
وجهُها ليس يُفصِحُ إلا عن الـْ...!
قُبِلَ الراجِلُ الراكِبُ السائرُ الآن أو ما قُبِلْ ...
وأنا صَدِئٌ مُتَكَلِّسْ ..
بل أحبكِ ،كنتُ ومازلتُ ، لا تحسبي فِقرةً حُذِفَتْ ،
إنني صادقٌ لا أدلِّسْ ..
بل أحبكِ ملءَ السماواتِ والأرضِ والشيءِ مِن بعدُ حيثُ تُريدينَهُ ،
سمعَ اللهُ مَن حَمِدَهْ !
هي جاريةٌ سيدَةْ ..
وأنا سَيِّدٌ مُغرَمٌ بالتَّذَلُّلِ مُثرٍ ومُفلِسْ ..
وهَوايَ الأورُبِّيُّ لا أتكلَّفُهُ ،
أتقبَّعُ في تُؤَدَةْ ...
ثم أسعى إلى صفحاتِ كتابٍ لَهُمْ ،
أتأوَّلُ ما قاله بَطَلي ، ثُمَّ أُبلِسْ !
اعترضْتُ مَضاءَ حماقتِها فإذا وجهُها ليس يُفصِحُ إلاّ ...!
كَثُرَ الوَردُ في خَدِّها حين قَلاّ ...
الدَّجاجاتُ لا ينتظِرنَكِ سيِّدتي ،
قد طَعِمنَ مع المَرَدَةْ ...
أطعِمِيني أنا ، طفلَكِ الرَّاهِنَ الواهِنَ المُستغيثَ ،
قُتِلْ !
شاربي لم يَطُرَّ وشاربُهُم ،
آهِ ،
شاربُهُم قد فُتِلْ !!
هي ناهضةٌ أو ستجلِسُ ،
أُمسي وأُمسي وكُلُّ فِراشٍ سيُصبِحْ ..
كلُّ ما لم تَقُلهُ تَمَلَّكَني بَغتَةً ،
يالمَعبديَ المترنِّحْ ...
ألفَحُ المرأةَ الأوليةَ نارًا ،
فتركنُ هَونًا إلى ريقِها وتُحَمحِمُ مُبتَرِدَةْ ...
كنتُ أنظُرُ قُربَ الخِتامِ إليها ،
أُسَبِّحْ ..
وجهُها .. ليسَ يُفصِحْ !

...
2008 

Thursday, 19 April 2012

Hggi



آتٍ وَئيدًا إلى أقصايَ من أقصايْ   مُخَبِّئًا مِلءَ أكمامي خَواءَ الفاي!
يا بِذلَتي، خَبِّريني مَن أنا .. أأنا   مملوكُ أيبكَ أم أقطايَ؟ أم أقطايْ؟!
راجَعتُ خَطَّيْ جَبيني ، عَلَّ تَذكِرةً   تُبينُ لي وِجهتي ، لكن سَها خَطَّايْ
تُراقِصُ الناسَ رُوحي وَهْيَ حائرةٌ   شرقيةُ النَّغَمِ الغربيِّ .. جَلَّ الرَّايْ!
سُكُّوا على ما لِتَوِّي قُلتُهُ ثَمِلاً   القِرشُ والنّاهِدُ ابنُ المُرتَقَى حَظّايْ
رَسَمتُ قِرشَ حشيشٍ فوقَ دائرةٍ   لم أدرِ أنَّ دُخانًا سوف يَغشَى الپايْ
وبينما تَركُضُ الأرقامُ مُسرعةً   إلى اليَمينِ ، وقَلبي مُمسكٌ بعَصايْ:
إذ باسَني عَبديَ الحاسوبُ في لُغَتي   سُبحانَ سُبحانَ ، هذا إتش چي چي آيْ
فلَمْ يَسَعني كتابٌ أو مُدوَّنةٌ   أو صَدرُها .. لا سماواتي ، ولا أرضايْ
وضَعتُ شِقّي على حُلمٍ يُراوِدُني   فطارَ في الحُلمِ حتى سِدرتي شِقّايْ
!
محمد سالم عبادة
22 مارس 2012

Thursday, 12 April 2012

قراءةٌ في مجموعة (الرجال –y) لكريم الصياد



  لا أدري كيف أبدأ!
المشكلةُ أنّ مداخلي للتعرُّضِ لمقاربةِ عملٍ أدبيٍّ ما كانت غالِبًا تحومُ حولَ الشذَراتِ المعرفيةِ المنتشرةِ في هذا العمل .. أعني إحالاتِهِ إلى غيرِهِ بما يفتحُ أفُقَ النصِّ على ما سبقه وما عايشَهُ من نصوصٍ أدبيةٍ وغيرِ أدبية .. وهذه مشكلةٌ حقيقيةٌ لأن مجموعة (الرجال-y) تتكئُ على زخمٍ معرفيٍّ مهولٍ وإحالاتٍ لا حصرَ لها .. من أين أبدأ؟ رُبَّما أسهمَ في هذه الحيرةِ أنني لم أقرأ المجموعةَ مرةً واحدةً أبدا! ورُبَّما أسهمَ فيها كذلك صداقتي لـ(كريم الصياد) ومَسّي لمنطلقاتِهِ الفكرية وتأثُّراتِه .. كنتُ ألتمسُ من كلِّ هذا أن يعينَني على تقديم قراءةٍ ممنهجةٍ ، لكن يبدو أنَّ الرياحَ تأتي بما لا تشتهي السفنُ بالفعل!
  دعنا نبدأ من الواجهة .. العنوان .. فكّرتُ أن أرجئَ التعرُّضَ للواجهة إلى النهايةِ لأستكشفَ منطقها من داخل العمل ، لكنَّني انزلقتُ إلى حيرتي السابقِ ذِكرُها ..
.  .  .  .  .
 * ما الرِّجالُ Y؟! :

  تُحيلُنا الفقرةُ المطبوعةُ على الغلافِ الخلفيِّ للمجموعةِ ، والمقتبسةُ من القصةِ الأخيرةِ التي تحملُ الاسمَ ذاتَهُ ، تُحيلُنا إلى فيلم (X-men) .. في الفيلم ، تنتابُ الطفراتُ الشريطَ الوراثيَّ الإنسانيَّ لتفرزَ رجالاً خارقين ، بشكلٍ غير معقولٍ وغير علميٍّ كما تقولُ الفقرة .. بينما في القصةِ التي بين أيدينا ، يتميزُ غزوُ الطفراتِ بالعشوائيةٍ المطلقة ، فتفرزُ رجالاً ذئابًا ورجالاً حِملانًا ونساءًا فراشاتٍ ، إلى آخر الاحتمالاتِ اللانهائية من المسوخِ التي – بحسب كلام الفقرة – تشيرُ إلى "حالةٍ من (السَّخْطِ) البيولوجيِّ العامّ."
      X .. ذلك الحرفُ اللغز .. يستخدمه الأنجلوساكسون للدَّلالةِ على الافتقارِ إلى تعريف ، كما في المعادلاتِ الرِّياضية ذات المجاهيل ، حيثُ الرمزُ الذي يطلَقُ على المجهولِ الأولِ دائمًا هو X .. ويستخدمونَهُ للإشارةِ إلى المحورِ الأفقيِّ في الرسومِ البيانيةِ ، فهو معادلُهُم للمحورِ (السِّينيِّ) في اللسانِ العربي .. وللدَّلالة على التَّميُّزِ وخرقِ العادة ، كما في X-men ، وكما في تصنيفِ الأفلام X-rated (الأفلام التي تعرض لقطاتٍ جنسيةً صريحة) .. وهو أخيرًا – وليسَ آخِرًا – الاسمُ الذي ارتضاهُ علماءُ الوراثةِ لأحدِ الصِّبغِيَّين الجنسيين ؛ XY .. وهو الصِّبغِيُّ (الكروموسوم) الذي لا يمكن أن تقومَ حياةٌ بشريةٌ بدونِه .. فهو موجودٌ في الذكر والأنثى ، لكن مع وجود Y في الذكَر ، ووجود X آخَر في الأنثى ..
  وبالرُّجوعِ إلى كلماتِ القصة الأخيرةِ المفتاحيةِ في المجموعة ، فإنَّ الرَّاويّ البطلَ العالِمَ يعتنقُ نظريةَ (إمپيذوقليس) عن العَود الأبدي .. العالَمُ يتأرجحُ أبدًا بين حالتَي المجالِ والإعصار ؛ بين السيادةِ التامةِ للتجاذبِ الطبيعيِّ بين الموجوداتِ ، والسيطرةِ الكاملةِ للتنافُرِ بين هذه الموجودات .. وكلا الحالَتين النقيتين لا تسمحُ بوجود الحياة .. ففي حالةِ الفيلم X-men ، فإنَّ النظريةَ تفترضُ وصولَ العالمِ لحالةٍ وسطى من الاتِّزانِ بين النقيضين ، نتجَ عنها ظهورُ الرجالِ الخارقين ذوي (الحياةِ) الكاملة .. أمّا في الرجال-y ، فالعالمُ بسبيلِهِ إلى الوصولِ إلى قطبِ المجالِ (سيادة التجاذب التامة) ، ولذا تظهرُ المسوخُ المشارُ إليها آنفًا (الرجل الثعبان والرجلُ العنكبوت والرجلُ القنفذ) ، فكلٌّ منها كان في المرحلةِ السابقةِ مباشرةً كائنين متمايزين ، اندمَجا بفعل التجاذبِ الحتمي في كيانٍ واحد ..
  في (الرجال-y) لا حياةَ هنالك .. (الرجالُ Y ) لا تنطوي أشرطتُهم الوراثيةُ على الصبغيِّ X واهبِ الحياة .. إنهم Y مجرَّدة .. مجردُ مسوخٍ لا حياةَ لها .. وهم بعكس الرجال X ، يمثلونَ جنوحًا إلى القبح .. (سَخْطٌ) بيولوجيٌّ حقيقيّ .. بينما تُعبَدُ الأنثى صاحبةُ الحياةِ الكاملة XX ، ويقتربُ منها الرجالُ X ، يتمرّغُ في وحلِ الطبيعةِ الرجالُ Y .. وحالةُ (السَّخْط) هذه هي حالةٌ من (السُّخطِ) كذلك بضَمِّ السين .. كراهية .. تنافرٌ مسيطرٌ أو تجاذبٌ قاتل .. ويفسِّرُ هذا أن نمضيَ مع (إمپيذوقليس) في نظريته التي تجعلُ من الحب والكراهية مرادفين للتجاذب والتنافر يحركان العالَمَ بين قطبَي المجالِ والإعصار ..
  هكذا تتضِحُ أرجوحةُ الكلماتِ Word Play/ Pun التي يعتليها عنوانُ المجموعةِ الفريد ..
  لا يمكننا – بصددِ الحديثِ عن العنوانِ – إغفالُ النبرةِ المتعاليةِ التي يعتنقُها .. مجرَّدُ الإصرارِ على تسميةِ القصةِ والمجموعةِ كلِّها باسمٍ يحتفي بحرفٍ إنجليزيٍّ يُكَرِّسُ رؤيةً متعاليةً للعالَم ، خاصةً أنّ لغة الكتابةِ عربيةٌ كما هو واضح! الإنجليزيةُ لغةُ العالَم ، ولغةُ من لا لغةَ له ، كما يقولُ (كريم الصّيّاد) نفسُهُ على لسانِ المستشرقِ السويديِّ/الشيطان في روايتهِ الوَمضيَّةِ (مقشَعِرّات) التي يُفترَضُ صدورُها قريبًا ضمنَ كتابه (صِدام الحفريات).
  ولهذا فتبنّي حرفِها الشيطانيِّ Y يمثلُ -بشكلٍ ما- نقطةً متعاليةً على الظّرفِ الحاليِّ للحياةِ بكلِّ ما يعنيهِ هذا من محليةٍ ووقتية .. لماذا Y حرفٌ شيطانيّ؟ لما ذكرناهُ آنفًا من التضادّ القائم بينه وبين X في الوعي الجمعيِّ ، الرياضيِّ وغيرِه ، ولسببٍ آخر .. إنه المعادلُ الصَّوتِيُّ للسؤالِ الشيطانيِّ الذي تدورُ عليهِ المعرفةُ بأسرها: Why?
لماذا؟!
  هكذا يشيرُ (كريم) إلى الهَمِّ الإپِستِمُولوجيِّ الذي يُؤرِّقُهُ وهو واقفٌ خلفَ مجموعته القصصية .. نعم ، أرى الكون ذاهبًا آيِبًا بين الإعصارِ والمجالِ بلا بدايةٍ ولا نهاية .. أرجوحةٌ ترتكزُ على محورٍ واحدٍ هلاميٍّ شيطانيٍّ اسمُهُ التغيُّرُ .. فلماذا؟؟ لماذا كلُّ هذا؟؟ السؤالُ باكٍ ، وقاسٍ ، وباردٌ إلى درجةٍ لا تحتملُها العينُ ، ودموعُهُ ليستَ شفافةً كدموعِ الأسئلةِ المشغولةِ بقصص الحبِّ ، وليست دمويةً قانيةً كدموعِ الأسئلةِ المشغولةِ بهمومِ الوطن ، لكنَّها سوداءُ قاتمةٌ ، لأنَّها ... دموعٌ ملعونة ..
 
  ختامُ قولِنا على العنوانِ ، ما علاقةُ قصص المجموعةِ به؟ أعني لماذا تُصَدَّرُ به المجموعةُ دون غيره من عناوين القصص الخمسَ عشرةَ المحتواةِ فيها؟
  تحتفي القصصُ كلُّها بالمسخ (السَّخط) على حد تعبير (كريم) في الفقرةِ المذكورةِ أولا .. ففي (الترسيب) يتحولُ المريضُ بين يدَي طبيبِهِ إلى (بسكويت) هشِّ يأكلُهُ النمل ، وفي (روتيلاّ ديورا) تتحولُ الأمُّ إلى حشرةٍ أو يحدثُ العكسُ ، وفي (علاء الدين) يتحوَّلُ الهيكلُ العظميُّ لطالب طبٍّ مات بالسرطانِ إلى طالبِ طبٍّ يدرسُ عليهِ التشريحَ (أو العكس) ، و في (تجربة د.فانٍ) يتحولُ الجعرانُ إلى قلبٍ والقلبُ إلى وحشٍ مخيفٍ والمُخُّ (الرُّوحُ) إلى كائنٍ مستقلٍّ بعيدًا عن جسد صاحبه .. وهكذا وهكذا إلى آخر قصص المجموعة .. ولذا كان العنوانُ الذي يُكَرِّسُ فكرةَ المسخ في صراحةٍ هو الأنسبَ لعنونةِ هذا الكتاب ..
.  .  .  .  .
  * التَّشَبُّع / التَّشَبُّح ، ولا جدوى المعرفة :

  في رأيي أنَّ هذا واحدٌ من أهمِّ المحاورِ التي يدور عليها القَصُّ في هذه المجموعة .. ولأبدأ بـ(لا جدوى المعرفة)..
  في مقابل السؤال المعرفيِّ الذي يتساءلُ عن الغاية ، والذي قلنا أنَّ العنوانَ يتّحدُ به
Why?
يوجدُ تراكمٌ معرفيٌّ جزئيٌّ في كلِّ قصة .. تبدأ القصةُ المفردةُ بمجموعةٍ من الملاحظاتِ تثيرُ لغزًا ما ، وتتجمَّعُ الخيوطُ في يد البطل /الرّاوي رويدًا رويدًا، وقرب النهايةِ يكتملُ حلُّ اللغز .. لكنَّ النهايةَ لا تقبعُ أبدًا عند حلِّ اللغز .. بل تتجاوزُهُ إلى وقوع الكارثة ..! فالكارثةُ حتميةٌ في حكاياتِ (كريم) ، ولا يُغني حذرٌ من قدَر! دائمًا يُدركُ البطلُ / الراوي الآليةَ التي من خلالِها تتشكلُ الكارثةُ ، لكنَّهُ دائمًا أيضًا يقفُ عاجزًا إزاءَ تمام حدوثِها .. فالمعرفةُ وازديادُ المعرفةِ وازديادُ ازديادِها تبدو القيمةَ الإيجابيةَ الوحيدةَ في عالم (كريم) القصصيّ هنا (متعةٌ مستقلةٌ عن النفع) ، لأنها في النهايةِ لا تُسمنُ ولا تُغني من جوعٍ ، بل يقفُ هو مكتوفَ اليدينِ أمام النهاية المفزعة .. هذا ما يحدثُ مثلاً في (علاء الدين) حيثُ يكتشفُ طبيعةَ الهيكلِ العظميِّ الملقى أمامَه ، لكنَّهُ يُصرِّحُ لنفسِهِ ولنا في يأسٍ مُقَدَّس:
"من قالَ إنني سأنجو لمجرَّدِ أنني أعرف؟!"
وهو عينُ ما يحدثُ في (تشرنُبروف) حيث يعرفُ البطلُ الرّاوي المنقسمُ على ذاتِهِ (والفُصامِيُّ طبقًا لإشاراتِ الصفحةِ الأخيرةِ من القصة، حيث يبدو أنَّ هلاوسَهُ تتجسدُ أمامَهُ وتذوبُ شخصيتُهُ في شخصيةِ الجسيم تحت الذّرّيّ الذي اكتشفه) ، أقولُ إنه يعرفُ ما سيحدثُ للبشريةِ جَرّاءَ هذا الاكتشاف ، وهو كارثةٌ محتومةٌ بدأت مبشراتُها بحادث (المفاعل النووي) في تشرنوبل .. لكنَّهُ لا يملكُ فكاكًا من هذا المصير .. بل لم يبقَ أمامَهُ سوى الاستسلامِ للاسكيزوفرينيا ..
  ولأنَّ المعرفةَ تبقى مِن بعدُ قيمةً وحيدةً لأنّها المعادلُ الموضوعيُّ الوحيدُ المتبقّي للمتعة ، رُبَّما لا يروقُ هذا القَصُّ الثائرُ مجتمَعًا موغلاً في التمسُّكِ بأهدابِ مقولاتِ السابقين وأفعالِهم (فالنَّهَمُ المعرفيُّ ثورةٌ لا تهدأ) .. إنها الورطةُ الكبرى ، متمثلةً في أنَّ (كريم) يذهبُ بالفنِّ في تصورِهِ المثاليِّ (قيمةٌ مطلقةٌ تحيلُ إلى ذاتِها ولا ترجو التزلُّفَ إلى الأخلاقِ أو ما سواها من دوائر الممارسة الإنسانية) إلى أبعدِ مدى .. ولهذا فنُّهُ اغترابيٌّ أصيلٌ عبقريّ ..
المهم ..
  نعودُ إلى اصطلاحنا (التشبُّع / التشبُّح) .. رُبَّما يذكرُ بعضُنا المسرحيةَ العظيمةَ (الأشباح) لهنريك إبسن .. بختامِها يدركُ البطلُ أنَّهُ مجرَّدُ شبحٍ لأبيه (والمعنى مجازيٌّ) من منطلَقِ أنه يكرر أخطاءَهُ طيلةَ الوقتِ ، بل ويتحمَّلُ نتائجَ ممارساتِهِ فكأنَّهُ امتدادٌ غيرُ فاعلٍ له .. يُدرِكُ أنه غيرُ قادرٍ على الفعل .. وهنا مبعثُ الرعبِ الوجوديِّ الذي يجعلُنا نقشَعِرُّ في نهاية تلك المسرحية .. في قصص المجموعة التي بين أيدينا ، يحدثُ مثلُ ذلك .. لا يتجسَّدُ الشبحُ إلاّ مع تمام المعرفة .. فالبطلُ في (روتيلاّ ديورا) لا يُدرِكُهُ الرعبُ الوجوديُّ الكاملُ ولا يدركُ موقفَهُ الشبحيَّ إلا حين (يتشبَّعُ) بالمعرفةِ بسلوك الحشرة الحمراء الجافية التي تُظهِرُ سلوكًا عدائيًّا تجاهَ أولادِها .. والبطلُ في (علاء الدين) لا يدركُ أنَّه (مثلَ بطلِ أشباح إبسن) يكرر حياةَ صاحب الهيكلِ الجاثمِ أمامَهُ إلا مع تشبُّعِهِ بمعرفة (علاء الدين) وسيرة حياتِه .. وهكذا .. وكما يتبيّنُ من هذه الفقرةِ من مقاربتنا ، فالأمران متشابكان للغاية : التشبُّعُ بالعرفة يؤدي إلى تشبُّحٍ حقيقيٍّ ، عندَهُ يدرِكُ البطلُ الشبحُ لا جدوى المعرفة ..
.  .  .  .  .
  * الذاتُ مركزُ العالَم ، ونسويةُ الثورة :

  بين أيدينا خمسَ عشرةَ قصةً ، كلُّها محكيةٌ بطريقة الشخصِ الأول : الرّاوي / البطل .. وهذا يعكسُ رؤيةً ذاتيةً للعالَمِ تستحضِرُ (فِشْتَه Fichte) طيلةَ الوقت .. فلأنَّ موضوعَات الحكاياتِ متعاليةٌ على اللحظة والمكانِ ورُبَّما الظرف التاريخيّ ، كما أنّها متعاليةٌ على السياقِ العامّ للأدب في هذه البقعةِ من العالَم ، بل وهي متعاليةٌ على السياقِ العامّ للخيالِ العلميِّ بما هو ارتماءٌ في حضن أحد القطبَين للتصور عن المستقبل : يوتوپيا أو ديستوپيا ، أقولُ: لكلِّ هذا ، كانت الرؤيةُ الشخصيةُ مناسبةً كمرجعٍ للحَكي .. إنها مثاليةٌ ذاتيةٌ ، لا تُبَشِّرُ بشيءٍ ، لكنَّها ترصُدُ حدوثَ الكارثةِ ريثَما تخلُقُها ..
  لكن لنا ثلاثٌ وقفاتٍ عند حديثِنا هذا :
- الأولى عند قصة (الشبكية) .. وأعُدُّها النموذجَ الأقصى للاعتدادِ بهذه الذاتيةِ وهَدمِها في ذاتِ الآن .. الدكتور (هوركهايمر) الألمانِيُّ الذي يلتقي البطلَ في مصحةٍ نفسيةٍ بـ(لندن) يقولُ لبطلِنا: "لكنَّ شبكيَّتَك تملكُ هذه الخاصيةَ الفريدةَ على التخليقِ المادّيّ." إنَّ البطلَ يرى كائناتٍ غريبةً ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ ويحكي للناسِ عن هذا ، فيُكَذبونه ويُودَعُ هذه المِصَحَّة ، ثم يلتقي به (هوركهايمر) طبيبُ العيون بالصدفة ، ويأخذ عينةً من نسيجِ شبكيتِهِ ، ويختفي تمامًا بما يُنذِرُ بعبثيةٍ الأمرِ برُمَّتِه ، ثم يعاودُ الظهورَ ويأخذ البطلَ من يده ليُرِيَهُ الكائناتِ التي خلَّقتها شبكيتُهُ وهي تمرحُ كبيرةً في الحجرةِ المقابلةِ ، بعد أن استنسخ خلايا تلك الشبكية الملعونة وفردَها على الحائط !!
  لكنَّ هذا الخَلقَ الخاصَّ يثبتُ لنا في نهاية القصةِ أنَّهُ قادرٌ على جلب الكارثة .. فشبكيةُ البطلِ تختزنُ دورَ شطرنجٍ حاميَ الوطيسِ كان قد لعبه مع أحد الممرِّضين في المصحّة ، والطابياتُ تكتسحُ لندن ، ورأسُ الملك الصّليبيُّ يبدو وسط الغبار ، وهذه هي (المرحلةُ قبل الأخيرة) كما يقول البطل لطبيبه ، قبل أن يأتيَ الله!
  لماذا (لندن) تحديدًا؟!
  ما من إجابةٍ قاطعةٍ بالتأكيد .. لكن .. هل لأنّها ذلك المكانُ الذي مزَّقَهُ صراعُ اللاهوتيين الكاثوليك والپروتستانت يومًا ما ، وسالت الدماءُ فيهِ أنهارًا ، قبلَ أن يزهدَ اللهَ ويُفاخِرَ العالَمَ بأعلى كثافةٍ لـ(اللاإلهيين)، وبينهم مُبَشِّرُو (اللاإلهيةِ) الأشهر ، مثل (ريتشارد دوكنز) و(ستيفن هوكنج)؟
  إذا صدقَ هذا الاحتمالُ ، فإنَّ تجلِّيًا – هو الأعمقُ – لمفهوم (التشبُّع / التّشبُّح) الذي طرحناهُ قبل قليلٍ يتبدّى هنا .. إنَّهُ التشبُّعُ بالقدرة على الخَلق ، حتى يشعر الإنسانُ في النهايةِ بتشبُحِهِ أمامَ قدرةِ الإله ، كما لو كانَ هذا المريضُ اللامريضُ الراوي البطلُ قد تحوَّلَ بتوسُّطِ العلمِ إلى إلهٍ مُؤَقَّتٍ يصدقُ عليه قولُ (پول فاليري):
"في نهاية العالم ، يقولُ اللهُ لنفسه : لقد كان حُلمًا طويلا". وهو تَجَلٍّ يتجاوَبُ والآيةَ القرآنيةَ :
  "حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يتفكَّرُونَ." الآية 24 من سورة (يونُس).

- الوَقفةُ الثانيةُ مع قصة (تشرنُبروف): حين يحكي للرَاوي العالِمُ غيرُ المُعيَّنِ (الذي يشارُ في النهايةِ إلى أنه تشرنوبروف نفسُهُ) عن قصة الاكتشافِ الكارثيِّ ، فيقول:
"لقد اكتشف جسيمًا جديدًا بهذه البساطة، لكنه لاحظَ ما عليهِ من مسلكٍ غريبٍ يختلفُ كلَّ الاختلافِ عن بقيةِ الجسيماتِ تحت الذَّرِّيَّة، كان أكثرَ عشوائيةً في حركته ، بل ويَثبُتُ في مكانِهِ إلى درجةٍ يمكن معهارصدُهُ، ثم يتحركُ بسرعاتٍ متفاوتةٍ ، كان لا يخضعُ لأيِّ قانونٍ فيزيائيٍّ معروفٍ ، ولا غير معروفٍ ، ولا فيزيائي."
  بإزاءِ هذه المثاليةِ الذاتيةِ التي تنبني وتنهدمُ كلَّ حينٍ عبر صفحاتِ المجموعةِ ، يبدو هذا الكشفُ العلميُّ الخياليُّ وعدًا بيقينٍ يبحثُ عنه الكاتب .. من درسَ منّا الفيزياءَ يعرفُ مبدأَ عدمِ التأكُّدِ لـ(هايزنبرغ) ، والذي ينصُّ على استحالةِ الجَزمِ بموقعِ وكتلة ومقدار شحنة أي جسيمٍ على الإطلاقِ لأنَّ الآلياتِ التي يستخدمُها الرّاصِدُ تؤثِّرُ قطعًا على هذه المقادير .. بعدَ هذه الفقرةِ نعرفُ أن (تشرنوبروف) أحالَ البحثَ إلى قسم (المايكروبيولوجي) باعتبارِ أننا نواجهُ كائنًا حيًّا كامنًا داخل الذّرّة .. ثم يشيرُ إليه (تشرنوبروف) في نهاية القصة بعد أن تحرر من عِقالِ الذَّرَّةِ بصفتِهِ إلهًا وثنيًّا متوحشا .. نحنُ أمامَ كاتبٍ يحاولُ جاهدًا الإمستكَ بيقينٍ ما ، وهو على وعيٍ دائمٍ باستحالةِ هذا ، لكنَّهُ يشتهي لمسَ هذا اليقينِ ، ولو أدّى به إلى كارثة .. الكارثةُ تبدو محتومةً مع الإيغالِ في الذاتيةِ واستحالةِ اليقينِ ، فلِمَ لا نستقبلُها بعد يقين؟؟! رُبَّما يكونُ اليقينُ تتويجًا للذة المعرفةِ في النهاية!

-الوقفةُ الثالثةُ مع قصة (الشرنقة) .. لا يتخلّى كريم عن الرّاوي البطل هنا ، لكنَّهُ يجعلُهُ راويةً بطلة .. ومن المُلاحَظ أنَّ هذه هي القصةُ الوحيدةُ التي لا تنتهي بكارثةٍ بين قصص المجموعة ، بل تنتهي بنصرٍ ثَورِيّ ..
  إنّ (شهرزاد) الرَاويةَ البطلةَ عُضوَ الخلية الشيوعية السرية ، متزوجةٌ من (يسري باشا أبو الفتوح) رأسماليِّ مصنع النسيج ، وتخونُهُ وتتواطأُ عليه مع الرفاقِ ، فتضع صناديقَ ديدانِ القَزِّ في غرفةِ نومِهِ وتغيبُ عن الغرفة أسبوعًا ريثَما تنسجُ الديدانُ شرنقةً حولَ الرأسماليِّ المَقيتِ وتُخفيهِ تمامًا عن الوجود !!
  وبين أحاديثِ الرفاقِ نميزُ الكلامَ عن خطرِ (الإخوان) وانقلاب (المنشيفيك) ، كما نلمحُ نبوءَةَ (شهرزاد) بسقوطِ الألقاب .. ألا يُذَكِّرُنا هذا بمصر صبيحةَ انقلابِ (23 يوليو)؟!
 رُبَّما هو سيناريو بديلٌ عن الانقلابِ العسكريِّ ، تحدثُ فيه ثورةٌ شيوعيةٌ حقيقيةٌ تُطيحُ بالرأسماليةِ العتيدةِ وتُرسي ماركسيةً جديدة .. وهو سيناريو مستقبليٌّ كذلك باعتبارِ أنَّهُ ما مِن ألقابٍ سقطت بالفعل منذ ستين عاما! إنّها القِصَّةُ الوحيدةُ التي تظهرُ فيها الأيديولوجيةُ السياسيةُ واضحة .. ومِن خلالِها يقدِمُ (هيثم) أحدُ أفرادِ الخليةِ الشيوعيةِ نقدًا حادًّا للماركسيةِ اللينينيةِ السوفييتيةِ التي أوغلَت في جِذريَّتِها وسلفيَّتِها حتى سفطَت من تلقاء ذاتِها (وهو ما يدعَمُ السيناريو المستقبليَّ وليسَ سيناريو صبيحة 23 يوليو) ..
  هل هذه نسويةٌ يتبنّاها (كريم)؟ .. صحيحٌ أنَّ البطلةَ تقفُ في النهايةِ مكتوفةَ اليدينِ أمامَ الشرنقةِ العالمية التي ينسجُها عمّالُ النسيج / الديدانُ للعالَم ، لكنَّ نصرًا ما وربيعًا محتملاً يبدوان في الأفق ، ولا ننسى أنَّ آخِرَ جملةٍ في القصة : "ومن حولِهِ وفوقَ رءوسِ العُمالِ حلّقَت أسرابٌ هائلةٌ من فَراشاتٍ عملاقةٍ ذاتِ ألوانٍ زاهيةٍ ، جميلةٍ جدّا." .. البطلةُ الأنثى كانت الوحيدةَ بين أبطالِ المجموعة القادرةَ على الفعل ، ومن ثَمَّ على التغيير ، رغم ارتباكِها المؤقَّتِ قربَ النهاية .. يبدو أنَّ الأنثى ليستَ جمالاً مطلقًا فَحسبُ كما يفترض عنوانُ المجموعة ، لكنَّها كذلك ثورةٌ كامنةٌ محتملَةٌ دائما ..
.  .  .  .  .
* دائريَّةُ الزَّمن:
  وهو محورٌ هامٌّ للقَصِّ في بعض قصص المجموعة .. ونعني به تبنّي ذلك التصوُّر أنَّ الزمنَ لا يمثلُهُ خطٌّ مستقيمٌ ، وإنّما دائرةٌ مغلقةٌ تتصلُ لحظاتُها فلا نعرفُ لها بدايةً من نهاية .. أو هو كما يُنسَبُ القولُ لابنِ عربيٍّ : "مكانٌ سائلٌ ، والمكانُ زمانٌ متجمِّد." .. وهو تصورٌ يلتقي بنسبيةِ (أينشتاين) ..
  يتجلّى هذا التصورُ كأروعِ ما يكونُ في قصةِ (أپاسيوناتا) .. العنوانُ يشيرُ إلى سوناتا الپيانو الثالثة والعشرين لبيتهوفن ..
  الرّاوي كما نعرفُ من حديثهِ مع شخصيةِ (فرانتس شوبرت) الموسيقار الشهير تلميذ (بيتهوفن) ، صحافيٌّ في صحيفةٍ تُدعَى (المداراتِ الجديدة) ، رأى (شوبرت) تنهمرُ دموعُهُ وهما في حفلٍ يعزفُ فيه (بيتهوفن) سوناتتَه ..
فقرّرَ أن يسألَهُ عن رأيه في السوناتة ، فاقتادَهُ (شوبرت) إلى حانةٍ ما ، وقصَّ عليه قصةَ تأليف (بيتهوفن) لهذه السوناتةِ التي لا يعرفُها أحدٌ إلا (شوبرت) بزعمِه .. يحكي (شوبرت) عن أستاذهِ أنَّه – بعكس ما يشيعُ من أنّ تاريخ بداية تأليفه لهذه السوناتة كان عام 1804 – بدأ في تأليفِها عام 1796 ، قبل أن تظهرَ عليه أولى أعراضِ الصَّمَم .. وبعد أن وضع الحركةَ الأولى منها في ليلةٍ وأوى إلى فِراشِهِ ، أقلقه من نومه في منتصف الليلِ أن يسمعَ السوناتةَ تُعزَفُ بالكاملِ في بيته .. نهض من فراشِهِ واتجهَ إلى حيثُ الپيانو ، ليجدَ (بيتهوفن) آخَرَ يشبهه تمامًا لكنَّهُ يكبرُهُ سنًّا وحجمًا ويفوقُهُ أناقةً منهمكًا في عزفِها!
  نعرفُ تدريجيًّا أنَّ (بيتهوفن) آمنَ تمامًا بقول (فيثاغورَس) أنَّ الموسيقى هي القانونُ الذي يحكمُ العالَم ، وشاء القدَرُ أن يَسمعَ شذرةً من هذا القانونِ أثناءِ نزهتِهِ الخلويةِ بجوار النهرِ غداةَ تأليفِهِ للسوناتة ، فيُخمِّنَ الباقي .. وبفعلِهِ هذا فتحَ البوابةَ الخفيةَ التي من خلالِها قابلَ في بيتِهِ في هذه الليلةِ (بيتهوفن) الشيخ ، و(بيتهوفن) الرَّضيعَ ، و(بيتهوفن) المراهقِ ، وغيرَهم .. لقدَ كسرَ استرسالَ الدائرة ، كسرَ استرسالَ الزَّمَن فرأى دائريتَهُ بعينيه!
  إنَّ المسألةَ كشفٌ يشبهُ الكشفَ الصُّوفِيَّ .. اطّلاعٌ غيرُ متعمَّدٍ على الغيب .. لكنَّ الصُّوفِيَّ الفنّانَ يواجهُ العقوبةَ / القَدَرَ على رهافةِ حسِّهِ ، فالـ(بيتهوفنون) المجتمعونَ في البيتِ في هذه اللحظةِ النادرةِ من الحياةِ يقررونَ أن يسلبوا (بيتهوفنَ) اللحظةِ المتعينةِ سمعَهُ ، لئلاّ يغلقَ البابَ ويعيدَهم إلى الظلام! إنه معنىً متفلِّتٌ مراوغٌ شاعريّ .. كيف يمكنُ أن يحدثَ هذا؟ نكادُ نبكي ونحنُ نرى (بيتهوفن) الطِّفلَ في ركن قاعةِ الپيانو يضعُ رأسَهُ بين كفيهِ صارخًا: "أنا أكرهُ الظَّلام." لقد كان محبوسًا في لحظتِهِ لا يستطيعُ مغادرتَها حتى فتحَ (بيتهوفن) عام 1796 البوابةَ وسمحَ له بالعبور .. إنَّهُ الفعلُ الذي ينتصرُ للحنين .. النوستالجيا تنتصرُ على الحتمية .. أنا ابنُ التاسعةِ والعشرينَ سأعيشُ جنبًا إلى جنبٍ مع أنا ابنِ الخامسةِ وأنا ابنِ الرابعةِ والخمسينَ (إن أدركتُ هذه السِنَّ بالطبع) ، وهكذا !!
  ولأنَّ القصةَ موسيقيةٌ جدًّا ، فالكارثةُ (الصَّمَمُ) لا تأتي مرةً واحدةً كنقطةٍ ، أو كسكتةٍ مفاجئةٍ على المدرَّجِ بلغةِ الموسيقى ، لكنَّها تنفرِشُ على مساحةٍ زمنيةٍ تبدأُ منذ تلك الليلةِ الفريدةِ حين يُصدِرُ (بيتهوفن) الشيخُ حُكمَهُ ويوافقهُ (البيتهوفِنون) ونفاجأُ بـ(بيتهوفن) اللحظةِ المتعيِّنةِ يستصرخُهُم: "ماذا تقولونَ عليكمُ اللعنة؟" فيرفعونَ أصواتَهم: "هل تسمعُنا؟" ، وتستمرُّ الكارثةُ في التشكُّلِ والصَّمَمُ في الاستيلاءِ على (بيتهوفن) – مسيحِ الموسيقى – حتى يرحلَ عن عالَمِنا ، كما لو كانت سنواتُهُ منذ هذه اللحظةِ تخضعُ لاصطلاحِ diminuendo أو decrescendo الموسيقيِّ (تتجهُ نحوَ الخفوت والتلاشي) ..
 ثمَّةَ كارثةٌ أخرى في القصةِ تقترحُها الصفحةُ الأخيرةُ منها .. وذلك حين يسألُ الراوي (شوبرت) في استخفاف:
-"وموتسارت أيضًا زارَهُ موتسارت طفل ومراهق وشابّ وشيخ؟"
فيجيبُهُ (شوبرت): "بل وامرأةٌ أيضًا."
فيسخرُ الرّاوي:
- "هاها .. وامرأةٌ كذلك؟!"
فيقولُ (شوبرت) مُغضَبًا قبل أن يترُكَه:
- "إنَّ لكلٍّ منّا في ذلك العالَمِ كافةَ التنويعاتِ البشريةِ الممكنة، هناك (بيتهوفن) امرأةٌ لكنَّها لم توجَد بعد، ويومًا ستظهرُ في هذا العالَم، .......".
هي هذه الجملةُ الأخيرة .. لماذا يُقرِّرُ (شوبرت) أنَّ هناك (موتسارت) امرأةً زارَت (موتسارت) ، بينما لم يحدث هذا مع (بيتهوفن)؟
  موسيقى (موتسارت) لها ذلك الطابَعُ الطفوليُّ الناعِمُ الأملسُ الذي يظلُّ مع الأنثى بعد اكتمالِ أنوثتِها .. أمّا موسيقى (بيتهوفن) فهي احتفاءٌ بما يتأبّى على الاحتواء .. إنّها ذلكَ اللاركوعُ ، الانتصابُ الذُّكورِيُّ الذي يخرقُ الطبيعةَ إلى الفَنّ .. الموسيقيُّ (بيتهوفن) رجلٌ من (الرجالِ – Y) .. وهو رُبَّما يكونُ المَثَلَ الوحيدَ بينهم على إمكان تحققِ الجمالِ مع اكتمالِ الرجولة .. إنه المثلُ الأعلى الذي قصَّرَ عنه بقيةُ الرجال – Y فأصبحوا مسوخًا شائهة .. ولهذا لم تظهر له امرأة .. فإن ظهرَت ... فإن ظهرَت فهي الثورة .. الكارثةُ اللاكارثة .. ستحلِّقُ الفراشاتُ العملاقةُ على الرؤوس ، وستلتفُّ موجوداتُ العالَمِ القديمِ في شرنقةٍ عملاقة ..
هاه؟ ألا يُحيلُنا هذا إلى قصةِ (الشرنقة) من جديد؟
  فإن تذَرَّعنا أخيرًا باللاهوتِ المسيحيِّ في استكناهِ (بيتهوفن) ، كان علينا أن نذكر أقانيمَ الموسيقى الثلاثةَ : (باخ) بتأسيسيّتِه وموسيقاهُ الثريةِ الملونةِ التي تشبهُ الرُّوحَ القدُسَ في جلائها وغموضِها ، و(موتسارت) بمحاكاته التامة للطبيعةِ فكأنَّهُ يقفُ بالفنِّ موازيًا لها ولا نقطةَ تقاطُعٍ بينهما فهو (الآبُ) الذي رفضَهُ (سپينوزا) ، و(بيتهوفن) بموسيقاهُ التي خرقت هذه الطبيعةَ وأسّسَ لملكوتٍ جديدٍ ، فكأنَّهُ (الابن) !

سرقنا الكلامُ عن (أپاسيوناتا) ، ولا يخفَى أنَّ سببَ ذلكَ موقعُها المركزيُّ من قصص المجموعةِ ، والمبنيُّ على مركزيةِ (بيتهوفن) بين الرجالِ – Y ..

  نعودُ إلى استعراضٍ سريعٍ لدائريةِ الزمنِ في بعض قصص المجموعة :
- في (القوقعة) ثمةً لعنةٌ تتوارثُها بناتُ سلالةٍ ما!
  (فادية) الأمُّ (فعلَت ما فعلَته منذ عشرة أعوامٍ) كما في افتتاحيةِ القصةِ بشكلٍ غامضٍ ، فتسبّبَت في غرقِ أبيها بينما تضعُ يديها على عينيه وتختبرُهُ – وهي بنتُ الرابعة – "أنا مين؟!" ، ثم يلتصقُ بها يقينٌ ما على أنَّ حيوانًا قشريًّا يعيشُ في أذنِها ، وتطلبُ مساعدةَ طبيبٍ نفسيٍّ يعالجُها ويحيلُها إلى طبيب الأذن والأنف والحنجرةِ ليثبتَ لها أنَّ ما تراهُ خارجًا من أذنها أمام المرآةِ وتعتقدُ في وجوده محضُ هلوسةٍ وضلالة ، ثم يتزوَّجُها الطبيبُ النفسي.
  و(فادية) الابنةُ كما نعلمُ في نهايةِ القصةِ تسببت في تعثُّرِ أبيها في حديقةِ الفيلاّ – وهي في الرابعةِ كذلك – ليموتَ متأثرًا بعَثرتِهِ ، وتعتقدُ أنَّ حيوانًا رخويًّا يشبه (الحلزونَ) الذي يعيشُ في الحدائقِ يسكنُ أذنَها ، وتطلبُ مساعدةَ طبيبٍ نفسيٍّ آخر (د.محمد شوكت) يحيلُها إلى طبيب الأنف والأذن والحنجرةِ عينِهِ ليثبتَ لها أنَّ ما تراهُ وتعتقدُهُ هلوسةٌ وضلالة ، ونعلمُ من مذكراتِ طبيب الأنف والأذن والحنجرةِ أنَّ (د.محمد شوكت) ينوي الزواجَ من (فادية) الابنة !!
  قصةٌ شبيهةٌ بهذه توجدُ بينَ الأعمالِ الكاملةِ لـ(إدغار آلن پو) ، وهي (موريلاّ) ، حيثُ ترثُ (موريلاّ) الابنةُ لعنةَ (موريلاّ) الأمِّ ، ولكن بطريقةٍ مختلفة ..
  ثمةَ دائريةٌ كامنةٌ في الزمنِ في مثلِ هذا النوعِ من الحبكة ، ولذا فاسمُ القصةِ (القوقعة) لايشيرُ إلى قوقعةِ الأذنِ الداخليةِ لـ(فادية) الأمِّ ، بقدر ما يشيرُ إلى حالةِ الدورانِ في الزمنِ والمتاهةِ القائمةِ في تكرارِ الأحداث ..
- في (علاء الدين) كما أسلَفنا القَولَ ، يدركُ الراوي البطلُ ، طالبُ الطبِّ ، أنّ الهيكلَ العظميَّ الذي يذاكرُ عليهِ التشريحَ هو هيكلُهُ العظميُّ ، وهذا من واقعِ نوعيةِ الكسورِ التي يعانيها في جمجمتِهِ وساقيهِ ، ويعانيها الهيكلُ كذلك ، باإضافةِ إلى سيرةِ حياةِ (علاء الدين) طالب الطبِّ صاحب الهيكل الذي مات قبل بضعةِ أعوامٍ وتكرهُ الممرضة .. لا ندري متى يبدأ الحدثُ ومتى ينتهي .. إنه لا يبدأُ .. ولا ينتهي !!
.  .  .  .  .

* أسماءُ الشخصيات ..
  في بعض القصص لا توجد أسماءٌ محددةٌ للشخصيات .. لكننا نصطدمُ بأسماءٍ دالّةٍ في بعضِها الآخَر ، ولنستعرض بعضًا منها هنا:
 - في قصة (علاء الدين): الاسمُ الذي اختاره الراوي البطلُ طالبُ الطبِّ للهيكلِ الذي اشتراهُ بشكلٍ (اعتباطيٍّ) هو (علاءُ الدين) .. يُحيلُ هذا الاسمُ إلى الشخصيةِ الأسطوريةِ الموجودةِ في تراثِ الحكيِ العربيِّ ، مرتبطةً بالمغامرة والأهوالِ والانتصارِ في النهاية .. لكنَّ (مغامرةَ) علاء الدين هنا مغامرةٌ قدريةٌ لم يَختَر أن يخوضَها ، كما أنَّه لن يحقق فيها نصرًا من أي نوع .. سيموتُ بالسرطانِ بعد أن يصابَ في حادثِ سيارةٍ ، ليتحولَ إلى هيكلٍ عظميٍّ يقتنيه ويدرسُ عليهِ طالبُ طبٍّ آخرَ سيلاقي نفسَ مصيرهِ ، وربَّما كان هو نفسه (علاء الدين) .. إنه يدورُ في مكانِهِ ، معاقبًا على جُرمٍ لا يدري ما هو .. وهو يعرفُ كنه العقابِ ويعرفُ المصيرَ لكن لا فكاك ..
- في قصة (تجربةُ د.فانٍ) نجدُ ذلك الاسمَ السِّحريَّ للطبيبِ الساحر (فانٍ بن عبد العزيز) .. إنَّهُ يستلُّ قلبَ الراوي / البطلِ من صدرِهِ ، ويضعُ مكانَهُ جعرانًا ، ليضعَ القلبَ في محلولٍ ما حتى يكبر ويشيرَ وحشًا ، وبينما هو يفعلُ ذلك يلقي على مسامعِ البطلِ قصيدةَ نثرٍ يقولُ فيها:
"سأريكَ عالمًا أكثرَ أملاً .. سأريكَ عالمًا الأرضُ فيهِ كرةٌ وتسبحُ فيه حول شمسِ ، والشمسُ حولَ شمسٍ ، والشموسُ حولَ لُبِّ الكون .. وأنا وأنتَ جلطتان .. نسدُّ شريانَ الكونِ فيخبو ضوءُ النجوم .. نسري في شريانِ الكونِ ، فيعودُ الضوءُ إلى العالم."
  ويتذكَّرُ البطلُ هذا فيقولُ لنفسه: "بل إنه يصرفُ الناسَ عن عمودِ الشعرِ وراحَ يُنشِدُهُم شعرَهُ المنثورَ القبيح."
  نحن أمامَ طبيبٍ ساحرٍ يقدمُ لبطلِنا المعرفةَ بينما يسلبُهُ قلبَهُ عنوة .. هكذا يكشفُ له حقائقَ الفلَكِ في قصيدة نثرٍ ، ثُمَّ يُطلِعُهُ على حقيقتِهِ الحقيرةِ وينفي عنه تضخُّمَ أناهُ ومركزيتَها الزائفةَ (وأنا وأنتَ جلطتان ......) ، ويُبَشِّرُهُ بفتحٍ معرفيٍّ إن هو أسقطَ عنه حجابَ الأنا (نسري في شريانِ الكونِ فيعودُ الضوءُ إلى العالَم."
  ولأنَّهُ يفعلُ ذلك ، ولأنَّه يسرفُ الناسَ عن عمودِ الشِّعر (اللوغوس) ويتلو عليهم قصائدَ النثرِ المتحررةَ من المركز والشكلِ والنظامِ ، فهو الشيطان ..
أو ..:
  رُبَّما هو ابنُ الشيطان .. الشيطانُ مُنظَرٌ ، واسمُهُ (عزازيل) كما نعرفُ من أدبياتِ الديانات السماوية .. أمّا هذا فـ(فانٍ) بنُ (عبدِ العزيز / عزازيل) .. هو فانٍ لأنَّهُ ليسَ إلا التجسُّدَ الإنسانيَّ للشيطان .. إنه بعثُ الأسطورةِ وموتُها معًا .. هو الـÜbermensch الذي بشّر به (نيتشه) .. وريثُ الشيطانِ والإلهِ معا .. ولهذا أيضًا حرَّرَ البطلَ من جسدِهِ / قيدِهِ في نهايةِ القصة ليفعلَ ما يحلو له ويمارسَ طفولةَ حياتِهِ السوپرالجديدة (فيلعب مع الأولاد في الشوارع) ..!
- في (القوقعة) : نجدُ أنَّ الأمَّ والبنتَ صاحبتَي اللعنة تحملان الاسمَ نفسَهُ (فادية) .. ويالَهُ من اسم! هذا الاسمُ بكلٍّ ما يحملُهُ من التضحيةِ ونُكرانِ الذاتِ والفِداءِ ، يقفُ على السطورِ ضاحكًا ضحكةً خبيثةً مما تفعلُهُ صاحبتاهُ الأمُّ والابنةُ ، رُبّما رغمًا عنهما .. يتقشَّرُ الاسمُ عن المُسَمَّى مرتينِ في قوقعةٍ زمنيةٍ لعينة ، فلا يترُكُ إلا عبثًا ضاحكًا في يأس ..
- في (الشرنقة) : للبطلةِ الراوية اسمٌ أسطوريٌّ هي الأخرى .. إنّها (شهرزاد) .. انتزعَها (كريم) من أحضانِ (شهريار) في (ألف ليلةٍ وليلة) ، واستغلَّ ميراثَها الحَكَوِيَّ في الليالي الألفِ ، ليجعلَهاراويةَ قصتِهِ المختارة .. واستغلَّ ثورتَها المحتملةَ طيلةَ الليالي الألفِ - والتي وجدَت متنفَّسًا في فعلِ الحكيِ الذي تؤجِّلُ بهِ فناءَها وتؤكِّدُ به وجودَها ليلةً بعدَ ليلةٍ – ليُخرجَها إلى رحابةِ المشاركةِ في الفعلِ ، فهي التي خدّرَت مشاعرَ الرأسمالِيِّ الذكورِيِّ المتسلِّطِ المستغلِّ (يسري باشا أبو الفتوح) ، وهي التي وضعت صناديقَ دود القزِّ في غرفة نومه .. ما أهمَّ عبارتَها حين تقولُ لقائد الخلية الشيوعية: "كلهم يعرف علاقتي بك يا عبيد .. وأنا في نظرهم مناضلة .. كلُّ شهرزاد مناضلةٌ بالفِطرة." إنها عبارةٌ مفتاحيةٌ لفَهم ما تنطوي عليه هذه الأنثى من ثورةٍ ؛ محتملةٍ قبل القصةِ ، وواقعةٍ في القصة ..
- في (أپاسيوناتا): يحكي (شوبرت) للرّاوي عن الـ(بيتهوفنين) الموجودين معًا أمام الپيانو في الليلةِ الموعودة .. فيقول: (لودفيج الوليد الباكي – لودفيج الشاب – لودفيج المراهق) .. استخدامُ الاسمِ الأولِ لـ(بيتهوفن) يوحي بتلك الحميميةِ النادرةِ مع شخصِهِ ، والتي نجدُها في غير هذا العمل في قليلٍ من الآثارِ الأدبيةِ المحتفيةِ ببيتهوفن ، ومن بينِها (البرتقالةُ الآليةُ) لـ(أنتوني بيرچس) ، حيث يشيرُ البطلُ دائمًا إلى بيتهوفن باسمه الأول .. تلك علاقةٌ خاصةٌ بين (كريم) وبين (بيتهوفن) ..
- في (موعد قبلَ الميلاد): تكادُ تكونُ دلالةُ التوأمتَين مباشرةً فهما (يُمنى) و(يُسرَا) .. فـ(يُمنى) هي الفتاةُ التي ضحّى الطبيبُ بأختِها (يسرا) لكي تولدَ حيةً ، ويقابلَها الرّاوي البطلُ ويُحِبَّها ، قبل أن يعرف بأمر أختِها التي احتفظت بها الأسرةُ في مرطبانٍ جنينًا مكتملاً لم يُؤذَن له في دخول الدنيا حيّا .. (يُمنى) هي ذلك الوَعيُ المُخترَقُ بالكاملِ ، مخترَقٌ حتى الثُّمالةِ بكيانٍ غائبٍ حاضرٍ هو (يُسرا) .. حين يباغتُ الرّاوي الجنينَ المحفوظَ في المرطبانِ داخلَ حجرةِ النوم المظلمةِ ، يتجمَّدُ مذهولاً أمامَ المرطبانِ ويصفُ لنا جنينًا مبتسمًا ابتسامةً غامضةً تقصدُهُ ولا تقصدُهُ ، وتعقدُ ساعدَيها على صدرها كالموناليزا .. هي هكذا لأنّها تجسّدُ سطوةَ اللاوعي المتناهيةَ على (يُمنى). كيانٌ خافٍ جَلِيٌّ ينتقمُ لمصيرِهِ وهو ميت!
- في (الشبكية): يأتي اسمُ طبيبِ (العيون) الذي يأخذُ عينةً من شبكية البطل ويستنسخُها ويفحصُها : (هوركهايمر) ، وهو اسمُ الفيلسوفِ وعالم الاجتماعِ الألمانيُّ الشهيرُ المنتمي إلى مدرسة (فرانكفورت) ، وهو أهمُّ مؤسسي (النظرية النقدية) وصاحبُ كتاب (كسوفِ العقل) الذي يستعرضُ من خلالِهِ تصوُّرَهُ عن انتقالِ الفلسفةِ الغربيةِ عبرَ تاريخِها من العقلِ الموضوعيِّ إلى العقلِ الذاتيِّ إلى العقلِ الأداتيِّ حيثُ تصلُ فكرةُ (الصدقِ) في الأخيرِ إلى أقصى ما يمكنُ أن تصلَ إليه من اعتمادِ التفضيلِ الشخصيِّ والانعتاقِ من التصوراتِ المطلقة وما كان يعتبرَ (حقائقَ موضوعية) .. رُبَّما لهذا المُنجَزِ الفكريِّ استخدمَ (كريم) اسمَ الرجلِ هنا .. فطبيبُ العيونِ في القصةِ سينحو بذاتيةِ الوجودِ إلى أقصاها ، فيُعطي مسوِّغًا لأن تتجسَّدَ على أرضِ الواقعِ أكثرُ تصوراتِ البطلِ / الرّاوي شخصانيةً وذاتية .. إنه اللحظةُ الفارقةُ التي عندها تتحولُ الرغبةُ المكبوتةُ في الخلقِ ، إلى خَلق ، ومن ثَمَّ إلى كارثة !!
- في (بئر لَملَم) : ليسَ من قبيلِ المصادفةِ أنَّ الشابَّ الملعون (المنطويَ على قدرٍ لا بأسَ بهِ من الأصالةِ الذاتيةِ) اسمُهُ (إسماعيل) ، وأنَّ أمه (هاجَر) .. (إسماعيلُ) الذي رُزِقَته أمُّهُ على كِبَرٍ يقلِبُ النظرةَ الإسلاميةَ لـ(إسماعيلَ) النبي عليه السلام .. فالأخيرُ غلامٌ طائعٌ للأبِ ، يستسلم لسِكّينِهِ أثناءَ الذبحِ طالما أنّ الآمِرَ الله .. أمّا الأولُ فهو يتناولُ المقدساتِ بالسخريةِ طيلةَ الوقتِ ، يعصي أمه حين تستجدي منه الطاعة والعودةَ إلى الله .. وهي ليست فقط (هاجَر) زوجَ (إبراهيم) وأمَّ (إسماعيل) عليهما السلامُ ، بل هي (إيزيسُ) الإلهةُ المصريةُ مُحبطَةَ المسعى .. جمعت (إيزيسُ) فُتاتَ زوجِها (أوزيريس) المبعثرةَ من الدلتا إلى النوبة ، وأعادت إليه الحياة بسحرِها وغنائها ، فعادَ النورُ إلى العالَمِ ، وحبلَت منه بـ(حورِس) .. أمّا الحاجّةُ (هاجَر) / إيزيسُ قصتنا ، فمحكومٌ عليها بإخفاقِ محاولاتِها لجمعِ قطع الزجاجِ التي تحولَ إليها ابنُها وإعادةِ الرُّوحِ إليها .. ولا يفوتُنا هُنا أن نذكُرَ التأثُّرَ الواضحَ في هذه القصةِ بفيلم (دوني داركو) .. فمشهدُ الحاجّة (هاجَر) بشَعرها الأشيبِ المهوَّشِ وملابسِها الرثَّةِ وهي تحفِرُ الأرضَ بحثًا عن شيْ مجهولٍ في بداية القصةِ يُعيدُنا إلى
Grandma Death
أو الجَدّة (موت) التي تبحثُ كلَّ يومٍ في الفيلم عن رسالةٍ لا تصلُ أبدًا ، ومشهدُ الجزءِ من السقفِ الذي ينهارُ في حجرةِ (إسماعيل) يُعيدُنا إلى ذاتِ المشهدِ في حجرةِ (دوني داركو) .. القصةُ تجمعُ خيوطَها من هذه المصادر الثلاثةِ (قصة هاجر والنبي إسماعيل – أسطورة إيزيس وأوزيريس – فيلم دوني داركو) ، ورُبَّما ممّا وراء ذلك!
- في (الموت قيصريًّا) : تلك القصةِ المتأرجحةِ بين الحلم والواقعِ ، نجدُ (إسماعيلَ) آخَرَ هو الشيخُ الملتحي الذي يعملُ في المَذبَحِ مع الرّاوي البطل .. إن مهمتَهُ تنحصرُ في شق الذبائحِ وتقطيعِها بالمنشار الكهربي المستدير .. يصفُ الرّاوي بسمتَهُ بأنها (هلاليةٌ) تبدو كلما أوشكَ على شق الذبيحة .. الشيخُ (إسماعيلُ) معادلٌ موضوعيٌّ لرغبةِ الرّاوي / البطل في الانتقامِ من اليهود الصهاينةِ على بَقر بطن أمه بالسونكي قبلَ أن تلدَه .. وهو رمزٌ إسلاميٌّ حتى النخاع ، من لحيته التي تلفُّ وجهه المكتنزَ ، إلى اسمه المرتبطِ بجد نبي الإسلام عليهما الصلاة والسلامُ وأبي العرب ، إلى بسمته الهلاليةِ بما للهلالِ من مكانةٍ في الوعي الجَمعيِّ الإسلامي ..
.  .  .  .  .

* الاشتباكُ مع المأثورِ الإسلامي:
  وهو محورٌ أوضحُ من أن نبينَه .. لن يخفى على القارئ في إيماءاتنا السابقةِ ، كما لن يخفى على قارئ المجموعة بالطبع .. وهذا الاشتباكُ يتراوَحُ بين الثورةِ والهدمِ والقلبِ من ناحيةٍ ، وبين التسليمِ المؤمنِ من ناحيةٍ أخرى ..
  - ففي قصةِ (بئرِ لَملَم) مثلاً ، كما أسلَفنا القولَ ، يقلبُ (كريم الصياد) التصور الراسخ في الوعي الإسلامي عن (إسماعيل) ليخلق (إسماعيلَ) جديدًا ثائرًا ملعونًا محكومًا عليه بسرطان الزجاج!
  يُعيدُنا هذا إلى سُورةِ الأعرافِ حيثُ يصفُ القرآنُ حالَ المكذبين بالله: "إن في صُدورِهِم إلا كِبرٌ ما هم ببالِغيه."
  إنه هذا الكِبر .. (إسماعيلُ) القصةِ التي بينَ أيدينا ، الفتى العاصي المتأبّي على أوامرِ اللهِ ، تصيبُهُ لعنةٌ ما هي إلاّ تجسيدٌ لمجازِ حالِه .. فالزجاجُ كيانٌ مسلوبُ الماء ، لا يقبلُ الانثناءَ ولا التشكيل ، ومآلُهُ إلى الانكسار .. وهو ما يحدثُ بالفعل!
- وفي قصة (الموت قيصريًّا): تنبني القصةُ على الحديث النبويِّ الواردِ في صحيح مسلمٍ : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله . إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ." .. ويكادُ الحدثُ الواردُ في هذا الحديثِ أن يكونَ من أركانِ علم آخِر الزمان
Eschatology
في الإسلامِ بمعظمِ أطيافِهِ من السلفيةِ الأرثوذكسيةِ إلى الصوفية .. والاشتباكُ هنا ينتهي إلى تسليمٍ مؤمنٍ بالمأثور ، حيثُ يقعُ الأخُ الأصغرُ المولودُ لأمٍّ يهوديةٍ على المنشار الكهربيِّ ليموتَ بجراحِهِ ، رغم إصرار أمِّهِ على أن تبعث بخشب أثاث البيتِ كله من الخارجِ (من ألمانيا) ، ليكون مصنوعًا من خشب الغرقد! القصةُ تحتفي بحبكةِ المؤامرةِ ، والثغرةِ المزروعةِ داخلَها ، التي تمكّنُ الطرفَ المُتَآمَرَ عليه من الانتصارِ في النهاية ..
- في قصة (اللؤلؤة .. أو ذرَّةُ رمالٍ من سِجِّيل) ، يأخذ الاشتباكُ شكلَ التسليمِ التدريجيّ كذلك .. فالكاتبُ المزعومُ للنَّصِّ (أشواعُ بنُ دارع) مترجمُ (أبرهةَ) الحبشيِّ إلى العربيةِ ومنها ، يروي قصة مداهمةِ الكعبةِ ولقاء أبرهة بعبد المطَّلِبِ ، ثم ينطلقُ منها لمذكراتِهِ بعد العودة إلى (أكسوم) ونمو اللؤلؤةِ داخلَهُ وداخلَ زوجتَيه ، حتى يصل في السطرِ الأخيرِ من القصةِ إلى أن يقول رغمَ آلامه وإصابته بالشلل التام: "لكنني كنتُ سعيدًا .. ورَبِّ الكعبةِ كنتُ سعيدا"!
  إنَّ (أشواعَ بن دارعٍ) هو المعادلُ الموضوعيُّ للرَّجُلِ – Y الذي تحلُّ به اللعنةُ ، ثُمَّ يُشفَى منها تدريجيًّا ، ويستقبلُ موتَهُ سعيدًا عائدًا إلى الحالةِ المعياريةِ السليمةِ من المَسخ والسَّخط ، وهي حالةُ (الرَّجُلِ) فقط .. وليسَ الرَّجُلَ – Y !

*   *   *   *   *

كان هذا غيضًا من فيضٍ عمّا يمكن أن يزخرَنا به خمسةَ عشرَ نصًّا بديعًا ، احتوتها هذه المجموعة .. وأزعمُ أنَّ ثراءَ هذه المجموعةِ يتركُ كُلَّ من يتعرَّضُ لمقاربتِها شاعرًا بالعجز والتقصير وهو يكتبُ عنها .. أعترفُ بأنَّني أتعمَّدُ الانتهاءَ من تدوينِ ملاحظاتي عن المجموعةِ هنا ، وأنَّ في هذا كثيرًا من العَسف .. لكن ، ما يشفعُ لي ، هو أنني أتناولُ نصوصًا بهذه الثراءِ ، هي بالتأكيدِ أهمُّ من محاولةِ مبتدئٍ دائمٍ مثلي .. واللهُ من وراء القصد!