Loading...

Thursday, 14 December 2017



پانوراما الفكر الجَمالي
قراءة في كتاب (فلسفة الفن في الفكر المعاصر) للأستاذ الدكتور زكريا إبراهيم

     من الصعوبة بمكانٍ أن يتصدى المرءُ للتعليق على كتابٍ كهذا. مرَدُّ الصعوبة في تقديري أنّ مؤلِّفَه أستاذنا الدكتور زكريا إبراهيم يبدو كما لو كان لم يترك شيئًا ليُقال!
     في ثلاثة عشر فصلاً وخاتمةٍ وتذييلٍ (قُل: في خمسة عشر فصلاً) يفتح أستاذ الأساتذة نوافذ على فلسفة الفن عند عددٍ من فلاسفة العالَم المعاصرين له والسابقين عليه بقليل. وهي نوافذُ يحاول من خلالها إلقاء الضوء على أبرز سمات الفكر الجماليّ عندهم دون أن يدّعِيَ الإحاطةَ بتفاصيل مذاهبهم الجمالية، ثُمّ يشفع كل فصلٍ بإبراز مآخذه على ذلك المذهب الجمالي وأوجه نقصه كما يراها.
     فمثلاً تبدأ الپانوراما بـ(هنري برجسون) وفلسفته الحدسيّة حيث الفنّ عنده إدراكٌ حِسّيٌّ خالصٌ وهذا الإدراك دون سواه هو ما يميز الفنان عن غيره من الناس. مستعينًا باصطلاحات (كانت) الشهيرة، يلخّص (برجسون) رؤيتَه في أنّ الفنان يرى الشيءَ في ذاتِه (أي في فرديته المتعينة) لا يرى مجموع العلاقات النفعية التي تربطه بحاجاته الحيوية. وهو بهذا يوحّد بشكلٍ ما بين عِيان الفنان من ناحيةٍ والمعرفة الصوفية من ناحيةٍ أخرى. ويؤاخِذ أستاذُنا (برجسون) على تجاهُلِه جانبَ الفعل/ الخلق في الظاهرة الفنية.
     بعد هذا تنفتح نافذة أستاذنا على (بندتّو كروتشه) الذي يخفف من حِدّة تقسيم (برجسون) الأرستقراطي للبشر إلى فنانين ذوي عيانٍ حدسيٍّ ممتازٍ وعوامّ يفتقرون إلى هذا العيان، فيقول بأنّ الفارق بين الشاعر مثلاً والرجل العادي هو فارقٌ كمّي لا كيفي، ويفسر بهذا تفاعُل الجمهور مع الفن وظاهرة تلقّي العمل الفني. لكنه - فيما يقول المؤلف - يظل حبيس مذهبه المثالي فيظل بالتالي الفن عنده (حدسًا تعبيريًّا) وتظل فاعلية الفنان فاعليةً تعبيريةً تنحصر في القدرة على تكوين الصور الذهنية، ويتجاهل كل جهدٍ تحقيقيٍّ يبذله الفنان في إخراج عمله إلى النور.
     بعد (كروتشه) ينتقل (زكريا إبراهيم) إلى (چورچ سانتايانا)، وربما تكون النقطة الجديدة في مذهبه كلَّ الجِدّة - في إطار العرض الپانورامي الذي تكفل به الكتاب – هي بيانه لأوجه الاختلاف بين القيم الجمالية من ناحية وتلك الأخلاقية والعملية من ناحيةٍ أخرى. فالجمالية عنده قيمٌ إيجابية تمدنا بلذات حقيقية، مكتفية بذاتها غير مطلوبةٍ لغايةٍ وراءَها، بينما الأخلاقية سلبية تقتصر مهتمها على اجتناب الألم ومحاربة الشر. والإحساس بالجمال عنده هو الإحساس بوجود خيرٍ محضٍ إيجابي تماما. ويحاول (سانتايانا) في كتابه (الإحساس بالجمال) إقامة أخلاقٍ جمالية، انطلاقًا من الفكرة اليونانية القديمة التي تجمع بين الخير والجمال في مفهومٍ واحد Kalokagathia. وهو في دفاعه عنها يذكّرنا بأديبنا المصري الراحل الكبير (إدوار الخراط) في كتابه المهتم بنقد الفن التشكيلي (في نُورٍ آخر)، حيث يقرر (الخراط) أن ممارسة الفن - بما تنطوي عليه من تحرّي الكمال والاستغناء عن الفضول ونُشدان التناسب في العمل الفني – يمكنها أن تنعكس على حياتنا الخُلُقية بالإيجاب. والمهم أن أستاذنا (زكريا إبراهيم) يأخذ على (سانتايانا) ابتداءه من نقطة التفرقة بين الجميل والخيِّر، وانتهاءه بالتوحيد بينهما في نسقٍ صُوفِيٍّ يفوق الوصف ويستعصي على التحليل في رأيه.
     ثُم يلتفت الكتاب إلى (چون ديوي) الذي يرد الظاهرة الفنية إلى خبرة الحياة العادية، فعنده الإيقاع الناشئ عن فقدان التكامل مع البيئة ثم استعادة الاتحاد بها هو المظهر البدائي لكل خبرة جمالية. ويرتبط هذا الطرح – فيما يقول أستاذنا – بنزعة (ديوي) التجريبية التي ترفض التجريدات الميتافيزيقية الشاطحة والتأملات اللفظية العقيمة. وفي هذا الطرح يصبح الفنّ بالفعل قاطرةً للحضارة البشرية تشدُّها إلى الأمام، طالما أنّ الممارسة الفنية تحقق تكيفًا للمرء مع بيئته بطريقةٍ ما، وتَظهر على أثر هذا التكيف نوعيةٌ أخرى من المشكلات تتطلب بذل جهدٍ من نوعٍ مختلفٍ لمواجهتها، وهكذا دواليك في ترقيةٍ واضحةٍ لدوافع الموجود البشري. وفي تصوري أن هذا الطرح لـ(ديوي) الذي شرحه أستاذُنا يعزز دور الفن كمكوّنٍ في البنية الفوقية للمجتمع يعمل على زيادة تعقُّد الحضارة طالما أنه ينقلُها باستمرارٍ من طورٍ إلى طورٍ أكثر تركيبا. يبقى النقد الذي يوجهه أستاذنا لنظرية (ديوي) متمحورًا حول الصبغة الپراجماتية التي تصطبغ بها رؤيته للفن من حيث هو مجرد نشاطٍ أداتي في خدمة غاياتٍ اجتماعيةٍ وحضارية.
     أمّا (ألان Alain) وهو الاسم الذي اشتُهر به الأديب والفيلسوف الفرنسي (إميل شارتييه) فيركز على جانب العمل والصنعة في الظاهرة الفنية إلى درجة القول بأن الإلهام نفسه وليدُ عملية التعبير بدرجةٍ ما، وأن الفنان هو من يصطرع مع المادة حتى يُجبِرَها على أن تنعطف وتتثنى تحت تأثير ذبذباته الفكرية! وبهذا يقرّب (ألان) بين الفن والصناعة حيث يشعر المرء في كلاهما بمقاومة المادة ويتجلى جهده الإبداعي في التغلب عليها. لكن أستاذنا ينعي على (ألان) اهتمامه بتعمُّق طبيعة الصلة بين الفن والصناعة، حيث هو في التحليل الأخير لم يَقل إلا أن الفنان صانع! كما ينعي عليه اهتمامه بالتقسيم التعسفي لأنواع الفنون إلى سكونية وحركية أو جماعية وفردية على حساب الاهتمام بدراسة طبيعة الموضوع الجمالي.

     في الفصول السابقة وفي غيرها يلفت أستاذنا الراحل أنظارنا إلى العلاقة الوثيقة بين المذهب الجمالي لكل فيلسوف وفلسفته العامة. فمثاليةُ كروتشه وتجريبية ديوي مثلاً قائدتا هذين الفيلسوفين إلى رؤيتيهما للفن وطبيعته ودوره. كذلك وجودية (ألبير كامي) المحتفية بتمرُّد الإنسان على موقفه البشري وعلى الخليقة كلها كانت قائدتَه إلى رؤية الفن باعتباره محاولةَ الإنسان لإدراك العالَم منتظمًا، متغلبًا بذلك على العبث الظاهر لحواسّه. وربما يكون من أطرف أمثلة هذه العلاقة ما يسوقه أستاذنا في الفصل الذي يناقش مذهب (مارتن هايدجر) الجمالي، حيث يصطنع (هايدجر) منهج الظواهر Phenomenological Method الذي أرساه الفيلسوف الألماني الكبير (إدموند هوسرل)، والذي يقضي بضرورة دراسة وقائع الفكر والمعرفة دراسةً وصفيةً خالصة. ويقوده هذا المنهج إلى البحث عن أصل العمل الفني، فيقع في دورٍ منطقيٍّ يعترف به (هايدجر) ويقرر ألاّ فِكاكَ منه، وملخص هذا الدور أنه لكي نفهم الفنان علينا أن ندرس أعماله الفنية، في نفس الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن ندرس الفنان أولاً باعتباره الأصل في العمل الفني، ويجابهنا حَدٌّ ثالثٌ يزيدُ العملية تعقيدًا هو (الفَنّ) نفسه، حيث لا يمكن أن نشير إلى أشياء متعينةٍ باعتبارها أعمالاً فنيةً قبل أن نفهم أولاً ما هو الفن، في نفس الوقت الذي لا نتمكن فيه من الوصول إلى تعريفٍ للفنّ قبل أن ندرس الخصائص المشتركة للأعمال الفنية! وينتهي (هايدجر) إلى دعوتنا أن نوجّه أسئلتنا إلى العمل الفني القائم بالفعل لنقف على كينونته ونعرف منه طبيعة الفن. وفي الحقيقة فإن مثل هذا الدور المنطقي –  كما يقول أستاذنا الدكتور محمود زيدان في كتابه (مناهج البحث الفلسفي) – يبدو مقبولاً وربما يكون أساسيًّا في بناء المذاهب الفلسفية، لكن حياد (هايدجر) وتجرُّدَه العلمي الصارم ومنهجه في الظواهر، أملَت عليه أن يضع بين أيدينا المشكلة قبل أن يقبلها وينطلق منها إلى بحثه!

     من المسائل المثارة في الكتاب عبر فصوله المختلفة طبيعة العلاقة بين الفن والعلم. يتعرض لها (إرنست كاسيرر) فيَخلُص إلى أنّ العلم واللغة باعتبارهما نظامَين رمزيين من نظم التواصل البشري يهدُفان إلى اختزال الواقع أو اختصاره بُغيةَ فهمه، بينما الفن يهدف إلى تقوية الواقع وزيادة شدته، فهو حضورٌ كثيفٌ في الحياة ودعمٌ للكثرة في الحقيقة، وربما يتضح هذا في اتّكاء الفنّ على الخلق المستمر أساسًا، وهنا يلتقي (كاسيرر) مع (برجسون) - الذي ظلَّ نقطةَ انطلاق الكتاب – في أنّ إدراك الفنان للشيء في ذاتِه مختلفٌ عن إدراكاتنا النفعية للشيء باعتباره مجموع علاقاته التي تربطه بنا بشكلٍ نفعي، ومن هنا يتأكد وجود الأشياء في ذواتها على كثرتها. أمّا (سوزان لانجر) فلم تجعل من الفن مجرد أداةٍ للمتعة الحسّيّة، بل كان عندها وسيلةً للمعرفة مثله في ذلك مثل العلم، فإذا كان من شأن العلم بصفته نشاطًا ذهنيًّا أن يستقدم مضامين العالم إلى مملكة المعرفة الموضوعية، فإن من شأن الفن أن يقوم بدورٍ مماثلٍ ولكن في مجال المضمون الوجداني للعالم. ويتفق (هربرت ريد) مع ما ذهبت إليه (لانجر) في أن وظيفة الفن أن يزوّد المدرك بشيءٍ لم تسبق له معرفته من قبل، لا أن يزوده بلذةٍ مهما كان نُبلُها. ويذهب (ريد) إلى أبعد من ذلك فيقول أن هناك اتفاقاتٍ عامةً بين العلم والفن، فللخيال الإبداعي منطق لا يقل صرامة عن الاستدلال العلمي، ولابد في النشاط الفني – تمامًا كالعلمي – من توافر مثل أعلى للوضوح، وفي استطاعتنا أن نقول إن القابلية للتحقق verifiability عنصر ضروري من عناصر الإبداع الفني كما هي مقوم أساسي من مقومات المنهج العلمي!        

     المسألة الأخرى التي يدفعنا إلى تأملها عرض أستاذنا لكل تلك المذاهب الجمالية هي العلاقة الجدلية بين الفن والدين. في الحقيقة تأتي الإشارة إليها على استحياءٍ في ثنايا العرض، لكنّها تبزغ في خلفية البحث حين يتعرض الفلاسفة للفارق بين الآمر الأخلاقي والآمر الجمالي، باعتبار الدين هو الحاضن التاريخي للآمر الأخلاقي. فحين يقول (سانتايانا) إن الإحساس بالجمال إحساسٌ بخير إيجابي مطلق، بينما القيمة الأخلاقية سلبية دائمًا وتدفعنا إلى الاحتماء من الشر، وحين يسترسل (ديوي) فيقول إن ضروب التعارض التي تقام أحيانًا بين الروح والجسد أو النفس والمادة هي مظاهر لخوف الإنسان مما قد تجلبه عليه الحياة، ومظاهر للانكماش والتراجع والفرار، نستحضر على الفور ذلك النزوع الباطن في الدين إلى الزهد والعودة إلى لحظةٍ معياريةٍ في الماضي. في هذا السياق يتجسد الدين كنزوعٍ بشريٍّ لكبح جماح الحضارة، ويبدو أن هذا الكبح جزءٌ أصيلٌ من دور الدين في البنية الفوقية للمجتمع. في تقديري أنّ هذا يفتح بابًا جديدًا في فلسفة الدين وفلسفة الحضارة يحتاجُ من يَطرُقُه ليُطلِعنا على تجليات هذا الدور وإمكانات مصالحته مع حتمية التطور الحضاري الذي يبدو لانهائيّا.   
     مظهرٌ آخر لم يكشف عنه أستاذنا صراحةً في العلاقة الوثيقة بين المذهب الجمالي للفيلسوف وتوجهه الفلسفي العام، وهو تحديدًا ارتباط المذهب الجمالي بمحصّلة الرؤية العقَدِية للفيلسوف. المثال الذي لا يسعني إلا الإشارة إليه هو ذلك التقابل بين (برجسون) من ناحية و(سارتر) من ناحية. أولهما يجعل الفن مطاردةً للوجود الحقيقي ويجعل من عِيان الفنان للموضوع الجمالي عيانًا للشي في ذاته. بينما الثاني يجعل الفن مطاردةً للعدم باعتبار الجمال لاواقعيًّا أو عدَمًا بالأساس، وباعتبار الحرية لازمةً للوعي تنزع إلى العدم، فالفنان عنده بالتالي أشد الناس ممارسةً للحرية ونزوعًا إلى العدم. في تقديري أن إيمان (برجسون) بالمسيحية  - بما تنطوي عليه من عاطفةٍ مشبوبةٍ تجاه المطلق محتَضَنًا في الوجود البشري من خلال حلول اللاهوت في الناسوت في شخص المسيح عليه السلام – وراء هذا الإجلال للجمال (الموجود) غايةً وانتهاءً. بينما إلحاد (سارتر) الباطن في مذهبه الوجودي يجعله يُجِلّ الجمال أيضًا، إلى درجة نفيه عن الوجود، فكما أن الإله غير موجودٍ عنده، فالجمال كذلك غير موجود. ربما يفتح هذا بابًا لتأمل انعكاس الرؤية العقدية للفيلسوف على مجمل فلسفته، ينتظر من يطرقه كذلك!

     قبل النهاية لابد من الإشارة إلى نصوع لغة أستاذنا (زكريا إبراهيم)، التي تتجلى على أكمل وجهٍ حين يتصدى بنفسه لترجمة فقرةٍ من كتابٍ لأحد الفلاسفة تلخص رُوح مذهبه الجمالي، كما في فصل (الفن حرية وإبداع – أندريه مالرو) حيث يترجم فقرةً من كتاب (الخلق الفني La Creation Artistique) لمالرو على هذا النحو: "وكما أن الموسيقار هو ذلك الرجل الذي يحب الموسيقى لا البلابل، بل كما أن الشاعر هو ذلك الإنسان الذي يحب الشعر لا الخمائل، فإن المصور أيضًا هو ذلك المخلوق الذي يحب اللوحات لا المناظر!". وهذا النصوع والحرص على الوضوح يجعله يسائل بعض العبارات الملتبسة التي يعبر بها فيلسوفٌ ما عن فكرةٍ في صميم مذهبه، كما يفعل مع (ميرلوپونتي): "لقد أشاع في فلسفة الفن ضربًا من الغموض حينما قال إن التعبير هو جوهر الجسم وحينما ذهب إلى أنه ليس هناك ما يُعبَّر عنه سوى الجسم! إن ميرلوپونتي على حق حين يقرر أن الجسم مأخوذ في نسيج العالم، ولكننا لسنا نفهم على وجه التحديد ما الذي يعنيه حين يضيف إلى ذلك أن العالم مصنوعٌ من قماش جسميّ"!

     انتهاءً، يبدو الكتاب مهمًّا لكل قارئٍ للعربية مهتم بالفن وفلسفته، كما يهم المهتمين بفلسفة الأخلاق وفلسفة الحضارة وفلسفة الدين بشكلٍ غير مباشر. أخُصّ المشتغلين بالأدب والفن إجمالاً لأن الپانوراما التي يفتحها (زكريا إبراهيم) لقرائه هنا تضيف استبصارًا عميقًا بطبيعة الفن ودوره الحضاري وغاية الفنان ووسائله، أرى أنه لا غني عنه لكل مخلص للفن.

محمد سالم عبادة
30 يونيو 2017
نُشِر في مجلة (عالَم الكتاب) في عدد أغسطس 22017



Friday, 10 November 2017

الظاهرةُ المُتحَفِيّة انتصارٌ للإنسانية




     أتذكّر زيارة المتحف الوطني المجري Magyar Nemzeti Múzeum في فبراير 2006، فيقفز إلى ذهني تقريظ (أندريه مالرو) في كتابه (المتحف الخيالي Le Musée Imaginaire) لظاهرة المتحف باعتباره المكان الذي تتحول فيه لوحاتُ الفنانين وتماثيلُهم ومُنجز أيديهم من مجرد (أشياء) إلى (أعمال فنية بحَق)! ويتجاوز هذا الفعل المتحفيّ منجز الفنانين إلى أزياء وأثاث وآلات الأقدمين والمعاصرين من الشعوب النائية في الجزء الأنثروپولوچي والتاريخي من هذا المتحف وغيره، حيث تفقد هذه (الأشياء) شيئيتها المبنية على العلاقات النفعية التي تربط الناس بها، لتتحول هي الأخرى إلى أعمالٍ فنّيّة تشاهَد وتحترَم لذاتِها. ويلحقُ برأي (مالرو) ويصارعه رأي (موريس ميرلوپونتي) الذي ينطلق من وجوديته في الفصل المعنون (اللغة غير المباشرة وأصوات السكون Le Langage Indirect et les Voix du Silence) من كتابه (علامات Signes) ليرى أنّ المتحف يجني على مقتنياته الفنية لنفس السبب الذي يُقرّظه من أجله (مالرو) في الحقيقة! ففي رأي (ميرلوپونتي) أنّ الفن يكتسب قيمته الحقيقية من ارتباطه بلحم الحياة وعلاقته الجدلية أخذًا ورَدًّا مع معطياتها، وبانعزاله عن الحياة بين جدران المتحف يتسرب إلى المتلقّين إحساسٌ زائفٌ بأن اللوحة مثلاً هي منجزٌ تامٌّ وصل إليه مبدعه لحظةً واحدةً ولم يصارعه ويصارع معه الحياة!
     مَن نصدّق إذَن؟ (مالرو) أم (ميرلوپونتي)؟! نتذكّر كذلك الدور الدعائي/ القومي/ الاستعماري للمتحف مع (چون ديوي) في كتابه (الفن خبرة Art as Experience)، حيث يشير إلى وقائع بعينها على غرار اقتناء (اللوفر) في پاريس تحفًا وأعمالاً فنيةً تُعَدّ من أسلاب (ناپوليون)، فنكتشف مع (ديوي) أنّ للمتحف – بوصفه ظاهرةً أوربيةً بزغت في القرن الثامن عشر وتطورت فيما بعده - دورًا في تكريس الإمپريالية الغربية لا يمكن جحوده!
     في تقديري أنّ الظاهرة المتحفية تنطوي على هذه الإمكانيات جميعها دون تضادّ. فالعزلة التي يضمنها المتحف لمقتنياته كفيلةٌ بإضفاء قدرٍ من التوثين عليها، والوثَن في وعي المؤمنين به كاملٌ في ذاته غير محتاجٍ إلى غيره، وحول هذا المعنى يدور (مالرو) و(ميرلوپونتي) كما أفهمهما بشكلٍ شخصيّ! والمتحف بما يجسّده من (اقتناءٍ) يُسَرِّبُ إلى مرتاديه إحساسًا بعُلُوّ وثراء الشعب الذي ينتمي إليه المتحف، وفي هذا دعمٌ للروح القومية ربما يتجاوزها إلى الروح الإمپريالية إذا أخذنا بعين الاعتبار واقعة (اللوفر) وأسلاب (ناپوليون)!
     بعد هذه الإلمامة السريعة المختزلة بآراء فيلسوفين فرنسيين وثالثٍ أمريكيٍّ في الظاهرة المتحفية، لا يسعني إلاّ الطواف في الذاكرة ببعض ما علِق فيها من زياراتٍ متحفيةٍ (وشِبه متحفية) في خمس رحلاتٍ إلى ثلاث دولٍ هي التشيك والمجر وإيطاليا، هُيِّئَت لي من خلال التجمع العالمي لرابطات طلَبة الطب
 International Federation of Medical Students'  Associations (IFMSA) ،
 ثُمّ مهرجان قلعة (دوينو) الشِّعري بإيطاليا Castello di Duino Poesia بين عامَي 2003 و2013.
     ابتداءً، يَحسُن بي أن أوضح الزيارة شبه المتحفية، فأقول إن زيارة الجامعة الطبية بمدينة )سَجَد Szeged) في المجر، وتأمل التمثال النصفي لعالِم الكيمياء الحيوية (ألبرت سان چورچ (Albert Szent-Györgyi الحاصل على (نوبل) لاكتشافه (فيتامين ج)، هذه الزيارة – من زاويةٍ ما – هي زيارةٌ شبه متحفية! كذلك يمثل المرور في شارع (چواكينو روسّيني) فوق القناة الكبيرة في (ترييستِا) بأقصى الشمال الشرقي الإيطالي، وتأمُّل تمثال الروائي والقاص الأيرلندي الأشهر (چيمس چويس) هناك، يمثل هذا بالتأكيد زيارةً شبه متحفية، هذا إذا اعتبرنا المتاحف هي فقط تلك المساحات المؤطَّرَة بالجدران التي دأَبَت على اقتناء ما اتفقنا على استحقاقه المشاهدة!
     لكنني في الحقيقة أودّ أن أتجاوز هذا التقسيم الذي ابتدأتُ به، لأعتبر كل شارعٍ أو مساحةٍ غير مؤطَّرة تضم ما يستحق المشاهدة متحفًا بمعنى الكلمة. يمكننا أن نتحقق من هذا إذا أخذنا جولةً سريعةً في القاهرة الفاطمية ومررنا بخان الخليلي حيث معروضات الباعة تتضافر مع الطرز المعمارية المسيطرة على المكان لتخلق متحفًا مفتوحًا بالفعل. وباعتبار أن محور حديثنا هو متاحف أوربا ودورها في اقتصاد بلادها، فإنّ جولةً مماثلةً في شوارع المدينة القديمة Staré Město  في پراغ يمكن أن تؤكّد لنا أن (المتحف) بمعناه الواسع الحقيقي يوجد خارج أسوار (المتحف) كما اصطلحنا على تسميته!
     في شوارع پراغ القديمة يجد السائح نفسه يستكشف شخصية هذه المدينة ويتماسّ معها عن قُرب. حركة البيع والشراء تجسّد إعادة خلقٍ في كل لحظةٍ لمتعلقات وجود الشخصية البوهيمية/ التشيكية وتوسّع دائرة الانتماء إليها. وهذا الوجود إيجابيٌّ وسلبي.
     الإيجابيٌّ بمعنى إبراز المعروضات لما تحرص الشخصية الاعتبارية لپراغ على إثباته، كتماثيل (فرانز كافكا) التي لا يخلو منها دكّان تحف وتذكارات صغير، في تأكيد على انتماء (كافكا) إلى هذا المكان بسحره وحضوره في أدبه، فهو تشيكيٌّ پراغيّ قبل أن يكون يهوديًّا أو متحدثًا كاتبًا بالألمانية! كذلك يطالعنا الوجود الإيجابي في الجولة المنظَّمة للسياح داخل أروقة وقاعات الپرلمان المجري في (بوداپست)، حيث احتفاء المجريين بثالث أكبر بيوت الپرلمان في العالَم وربما أجملها قاطبةً، واقفًا على ضفة الدانوب وشاهدًا على ديمقراطيةٍ فريدةٍ وإن كانت مجهولةً لكثيرين لتواضع أثرها في مجريات السياسة العالمية. هنا تتضافر العمارة مع المدونات التاريخية والأدبيات السياسية لتخلق جوًّا متحفيًّا حاضرًا بكثافةٍ في مكانٍ لا يُعَدّ متحفًا بالمعنى المتعارف عليه بالتأكيد! 
     أما الوجود السلبي لشخصية المكان Negative Ontology - إذا جاز استخدام هذا المصطلح – فهو تحديد هذه الشخصية بإبراز ما تحرصُ على نفيه وتؤكدُ التخلصَ منه لدرجة السخرية والتهكم! والمثالُ أيضًا من تذكارات پراغ المتناثرة في شوارعها المتحفية القديمة: أغطية الرأس الرسمية لقادة الجيش الأحمر السوفياتّي! تلك (الباريهات) المحلاّة برموز القوة العسكرية الضاربة للقوة العظمى التي كانت، والتي تمثّل بالنسبة لكثيرٍ من التشيكيين ماضيًا قريبًا بغيضًا بدأ من قبل ربيع پراغ عام 1968 وانتهى مع الثورة المخملية التي قادها الكاتب المسرحي (فاتسلاف هافل) عام 1989. يمكن للسائح أن يفاوض البائع في سعر الباريه – بحسب الرتبة التي يمثلها الباريه بالطبع – ليحتفظ في منزله بغطاء رأسٍ غير تقليديٍّ يعلن من خلاله توحُّدَه مع عاطفة أبناء بوهيميا بينما يتهكم على المجد السوفياتي الذي كان!
     قريبٌ من هذا التذكار الخاصّ دخولُك بيت الرعب في بوداپست Terror Háza! إذا سمعت به فربما تتوقع معرضًا لأشباح الحكايات الشعبية المجرية مثلاً، لكنك ستفاجأ بأن الرعب هنا هو ذكريات التهديد النازي ثُمّ الشيوعي السوفياتي. مقتنيات المتحف تتسع لأجهزة إرسال الراديو الضخمة المعقدة وأجهزة التنصت التي تقبع في أماكنها شاهدةً على عهدٍ منتفخ بالجاسوسية، وقصاصات من جرائد قديمة صفراء تقول بالمجرية وربما بالروسية أو الألمانية أخبارًا تدور حول العهدين النازي والسوفياتي، ولوحةً هنا أو هناك لـ(فلاديمير لينين)! قريبًا من بيت الرعب – وبعيدًا عنه كذلك – ستجد لدى بازارات بوداپست تماثيل نصفيةً لـ(يوسف ستالين) وهو يحمل لافتةً تقول بالمجرية:

"Nem sajnálom Magyarországot" لستُ آسفًا أيها المجريون!

      والمهم أنك ستعود إلى بيتك متوحدًا مع الشخصية المجرية التي مازالت تحتفل بتخلصها من هذين العهدين إلى الآن!

      إذا خرجنا من دائرة إثباتات الوجود الإيجابي والسلبي، فربما نعرّج على ظاهرةٍ قريبةٍ مما أشار إليه (ديوي) في بداية المقال، أعني علاقة المتحف بالقومية والإمپريالية. أعود إلى تمثال (چيمس چويس) الذي ينتصب في (ترييستِا) شاهدًا على السنوات التي أمضاها الرجل في هذه البقعة من شرق إيطاليا. هنا لا تكتفي إيطاليا بما يزخر به تاريخُها من رموزٍ أثرَت الإنسانية وأضافت إلى الحضارة، لكنها تصادر كاتبًا قادمًا من الجزر البريطانية – يَعُدُّه الأيرلنديون أحد رموزهم الوطنية – لصالح الثقافة الإيطالية! في اللحظة التي أتأمل فيها (مستر چويس) متقبّعًا كعادته، مبتسمًا، مُميلاً رأسه قليلاً إلى اليمين، أتذكر مجموعته القصصية الأشهر (أهل دبلن) وأجده يُسرّ إليّ بأنه ربما كان إيطاليًّا بقدر ما كان (أيرلنديًّا) لكن هذا سِرٌّ لا يعرفه الكثيرون! والخلاصة أنني إذا فتشتُ في قرارة نفسي أجد أحد أسباب حبي لـ(ترييستِا) حضور (چويس) هناك بابتسامته وقبعته و(برونزه)! هنا خلع الإيطاليون على الرجل قوميةً إيطاليةً وعززوا مكانة بقعةٍ من أرضهم بحضور رمزٍ أدبيٍّ لا تنقصه محبة المهتمين بالأدب من كل بقاع المعمورة.

     أعود سريعًا إلى پراغ لأطوف بنمطٍ استثنائيٍّ من المتاحف يتخذ منها موطنًا له! هنا متحف (السيمياء) حيث تجتمع نثرياتٌ بعضها ملفّق في الحقيقة، لخلق حالة سيمياء العصور الوسطى وسعي المشتغلين بها إلى حجر الفلاسفة وتحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب! هنا (متحف الأشباح) حيث تطالعنا قصاصات ملصقة على الجدران تحكي بعض الحكايات الشعبية البوهيمية والمورافية (من غرب التشيك وشرقها على الترتيب)، مدعَّمةً بنماذج مثيرةٍ لتوجُّس الرعب وإضاءة خافتة  low key

كالتي يستخدمها السينمائيون في أفلام الرعب! هذا النمط من المتاحف يعزز الصورة المرتسمة لپراغ في الوعي الجمعي البشري باعتبارها عاصمةً من عواصم العالم القوطي الغامض الغارق في تفاصيل القرون الوسطى وما بعدها إلى عصر التنوير الأوربي!

     وفي الحقيقة، يبدو التشيكيون من أوفر الشعوب حظًّا من البراعة في تسويق بلادهم باعتبارها متحفًا مفتوحًا كبيرًا، ففي پراغ كذلك نجد (متحف الجنس) الذي يحتفي بعرض بعضٍ من الألعاب الجنسية التي جادت بها قرائح بني البشر لمضاعفة اللذة المتوقعَة من العلاقة الحميمة، وصولاً إلى الاحتفاظ بواحدٍ من أقدم الأفلام الپورنوغرافية السينمائية لعرضه على مرتادي المتحف! فإذا خرجتَ من المتحف، اصطدمت بالـ(تي شيرتات) المعروضة لدى باعة التذكارات، مرسومًا عليها أكواب (البيرة) التشيكية بأنواعها المختلفة التي يعتبرها لأجلها متعاطو الكحوليات عاصمة البيرة في العالم، فضلاً عن كونها عاصمةً للمتع الحسّيّة إجمالا!

     ربما يحل طرح المتحف المفتوح إشكالية عزلة الفن التي أثارها (ميرلوپونتي) - كما قدّمتُ في بداية المقال – بدرجةٍ ما، وفي حقيقة الأمر فإنه يبدو من التعسف أن نغفل ما تكتنزه المتاحف  - مفتوحها ومُغلَقها - من الجَمال لأجل تأمل (ميرلوپونتي) أو غيرِه! وبغض النظر عن دور المتحف في تكريس الإمپريالية كما أشار إليه (ديوي) – وهو دورٌ يمكن تقليصه إذا اشتدّ عُود الدول التي هُرِّب تراثُها ضمن أسلاب ناپوليون وغيرِه فطالبت بعودته سالكةً ما درج المتفاوضون على سلوكه من طرق الدبلوماسية والحِجاج الدولي – فإن المتحف سيظلّ ذلك المكان الذي يستحق اسمه في اللغات الأوربية

Museum

المشتقّ من اسم ربّات الفنون عند اليونان الأقدمين، لكل ما يكفله من براح للتأمل والمتعة العقلية والدراسة، وما يثيره من ارتباطٍ عاطفيٍّ يجُرّ بالضرورة ارتباطًا ماليًّا بالبلد التي يوجد في أرضها، سواءٌ كان محاطًا بالجدران كاللوفر والپرادو أو مفتوحًا للسابلة كخان الخليلي وشوارع (پراغ) القديمة! فحتى في المصادرات الثقافية الضمنية التي تثيرها رؤية مستر (چويس) في ترييستِا، يمكننا أن نلمح في الظاهرة المتحفية انتصارًا عابرًا للحدود متعاليًا على القوميات. وهو – إذا تأملناهُ جيّدًا - انتصارٌ للإنسانية.

محمد سالم عبادة

15 يوليو 2017

.................
نُشِر في عدد يوليو 2017 من مجلة عالَم الكتاب   
     

Saturday, 9 September 2017

"إشكالية الأخلاق والفنّ" قراءة تأويلية سريعة في رواية (المزيّن) لأحمد سمير سعد


* منهج القراءة:
     تتذرع هذه القراءة بالمنهج التأويلي (الهرمنوطيقيّ) في فهم النص الروائي، حيث تستقرئ الجزئيات لتخرج منها بضوءٍ يمكن منه تكوينُ صورةٍ كُلّيّةٍ مبدئيّةٍ للنصّ، نرتدُّ منها إلى الجزئيات مرةً أخرى، وهكذا في ارتداداتٍ متلاحقةٍ تعيننا على فهم الكل من خلال أجزائه والأجزاء من خلال الكُلّ، مُكمِلين دائرة الإجراءات الهرمنوطيقية Hermeneutic Cycle كما وصفَها مُنَظِّرُو التأويل من (شلايرماخر) مرورًا بـ(فيلهلم دلتاي) و(هايدجر) و(جادامر) و(بول ريكور) ووصولاً إلى (لويس ألونسو شوكل) الذي اقترحَ تسميةً تبدو أصدقَ تعبيرًا لما يحدثُ في إجراءات الفهم التأويليّ (الحلزون الهرمنيوطيقيّ). ويتفق الباحثُ مع (هايدجر) أن تجنُّبَ الأحكام المسبَّقَة تمامًا مستحيلٌ في محاولةِ الفهمِ الهرمنيوطيقيّ، ويتفقُ مع (جادامر) على أنّ الفهمَ يتذرّعُ دائمًا بالأبنية اللُّغَوية التي لا مناصَ من استخدامها للتحاوُر مع النصوص التي نحاولُ فهمَها، ويجرُّنا هذا إلى موافقةِ التفكيكيين على أنّ محاولةَ الفهمِ هذه ما هي إلاّ توسُّطٌ بعلاماتٍ للوصولِ إلى علاماتٍ غيرِها وهكذا في إحالةٍ معرفيةٍ لا تكادُ تنتهي، لكن تبدو المثابرةُ الهرمنوطيقيةُ أفضل الطرُق المتاحة لفهم النص. 
* عنوان الرواية و(الكالوكاجاثيا):
     ظهرت المفردة Kalokagathia من قَبلِ أفلاطون عند الإغريق، واستخدمها في محاورته Lysis كما استخدمها أرسطو في (أخلاق نيكوماخوس). هي مزيج من جِذرَين: Kalos و Kagathos. وتعنيان: الجميل والخَيِّر! أحياها (چورچ سانتايانا) في (الإحساس بالجَمال) وقال عنها: "إنها أرقى زهرة في الطبيعة البشرية The finest flower in human nature"!
     (المزيّن) لقبٌ للحلاّق يُوشِكُ أن يختفي من الاستخدام الشعبي. أتصور أن المؤلف اختار لبطله هذه المهنة بهذا الاسم لارتباط الزينة التي يضفيها (المزيّن) بأخذ الفُضول. أعني أن لُبّ عمله هو أن يُخَلّص زبائنه من فضول الشَّعر، فتتحقق الزينة بهذا. ويتبادر إلى ذهني على الفور كقارئٍ رأيٌ لـ(إدوار الخراط) في كتابه (في نُورٍ آخَر) عن علاقة الفن بالأخلاق، حيث يقول إن صنعة الفنان في (أخذ الفضول) وتقليم عملِه وتهذيبه تشبه فعل الأخلاقي في الاستغناء كذلك عن الفضول والاقتصار على الأساسيات وتهذيب النفس! بهذا يكون المزيّن نموذجًا محتملاً لما يمكن أن يكون عليه الخَيِّرُ الجميل أو الفنان الأخلاقي الذي سلف الكلام عنه Kalokagathia. تتأكد هذه النموذجية المقصودة للقارئ مع كلام (المزين) عن نفسه في الفصول التي يتولى فيها دفّة السرد، ففي الفقرة الأولى من الفصل الثاني يقول عن نفسه: "أنا المزين، فنان ملهم وعالم متفرد وحكيم عارف وطبيب خبير، أفصد الدماء وأعيد خلق الدميم، عوالمي واسعة و علومي لدنية، شرح العليُّ صدري وهذّب لساني وغسّل قلبي وألهم روحي ورفع عني الحجب، قربني وبلَّغني وأظلَّني واصطفاني".
* طبيعة السرد في الرواية:
     يتراوح السرد بين فصلٍ تدور أحداثه في زمننا الحاضر فيما يبدو بلسان (أيمن) محاسب البنك الذي يكتب الروايات والقصص، و(المزين) بطل روايته المؤجَّلة الذي يُطِلُّ علينا من تلافيف دماغه ليحدثَنا رغمًا عن (أيمن) بحكايته المتعالية على الزمن والمكان. أول ما يشاركنا به (أيمن) هو معاناته حبسة الكاتب Writer's Block. وهو يحاول أن يجترّ ذكريات طفولته وصباه ليقف على خطيئته التي استحق بسببها هذه اللعنة. وظاهر هذا الربط بين الخطيئة وحبسة الكاتب أننا بإزاء كاتبٍ أخلاقيٍّ يصدر عن قناعةٍ بأنّ الفنّ إلهامٌ سماويٌّ بدرجةٍ ما أو بأخرى. يُوقِفُنا (أيمن) تدريجيًّا على سقطته الأخلاقية الكبرى التي خسر بسببها زواجَه، وهي ممارسته الجنس التليفوني مع الساقطات! كذلك يجترّ (أيمن) ذكريات حياتيه الجامعية والوظيفية وما تزخران به من شواهد على ما يحاول إثباتَه لنا من جُبنه ونفاقه الاجتماعي.
     على الجانب الآخَر، يقدم لنا (المزين) نفسه باعتباره فنّانًا ملهَمًا متمسكًا بأهداب الدين، ووليًّا صالحًا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ وبكل ما يمكن أن يصف الأولياء من التراكيب اللغوية، متجذرًا في التراث الإسلامي. لكننا نكتشف مع تدفق أحداث حكاية (المزين) أنه يسقط في النفاق الذي يبرره لنفسه كثيرًا، كما يسقط في الخديعة وانتهاءً يكاد يسقط في حُرمة الزنا بامرأةٍ متزوجةٍ ويبرر لنفسه ذلك الفعل دون أن يُبدِيَ ندمًا من أي نوع!
     في ركنٍ من سرد (أيمن) لوقائع حياته المعاصرة، يقبع ابنه الذي يبدو متأخرًا عقليًّا، حيثُ يتضح من حديث (أيمن) عنه أنه كان يبني عليه طموحاتٍ وآمالاً عِراضًا تتصل كلُّها بأن يكون بشكلٍ ما فنّانًا عالمًا فيلسوفًا ينقذ البشرية كلها من تخبطِها! ومن الواضح أن (أيمن) يعتبر خوض التجربة وعِراكَ الحياة ركيزتين أساسيتين في صنع المجد الذي ينتظره من ابنه. هو بشكلٍ ما ينتظر من ابنه أن يكون (المزيّن) الذي ينخُس رأسه ولا يذيقه طعم النوم. لا يَرحم فيَنكَتِبُ سَلِسًا على الورق ولا يترك رحمة الله تنزل فيغادر رأسه ليسمح لروايةٍ بديلةٍ عظيمةٍ بأن تُكتَب! ما يحدث لابن (أيمن) هو شكلٌ من أشكال السخرية القَدَرِية من طموحات أبيه وإنجازات (المزين)، ففي مشهد جلوس (أيمن) مع ابنه وصديقه (محسن) في المقهى وتدخين النارجيلة، نرى الابن "يتغنى بكلمات غير مفهومة، يدندن بها لنفسه، يحرك إصبعه وسط سحابات الدخان وكأنما يرسم به، ينشئ مدنًا ويهد أخرى ويخلق طيورا ونباتات وبشرا، يلاعبهم ويفتك بهم ويمحوهم ويعيد خلقهم، فجأة يلتفت نحوي في حركة متشنجة"! هذا الموقف الوجودي برُمّته يذكرنا بفيلم (رجُل المطر Rain Man) حيث تقف شخصية (داستن هوفمان) Raymond/ Rain Man مجسّدةً سخرية القدَر من طموحات أخيه (توم كروز) وصولاً إلى السخرية من الاسم الذي أطلقه (كروز) على أخيه صغيرًا (رجل المطر)، حيث يتوتر (هوفمان) تمامًا وقت نزول المطر ولا يمكنه أن يخرج من البيت! المهمّ أن هذا الصغير بتأخره العقلي ورفضه (حمل الأمانة في عالَم الذرّ) بتعبير (أيمن) وإصراره في لُعبتِه على أنّ (الفيل يطير والأسد يطير) كما تطير الحمامة والغُراب، بهذه الإشارات كلِّها قد يجسّد الصغيرُ الخير المُطلَق الذي لا يطمح إلى الجمال، بعكس (المزيّن) الخياليّ الذي يجسّد الجمال ويدّعي الخيرية.
     عودًا إلى روايتنا، يظهر من البداية أننا بإزاء عملٍ (ميتا - سَردِيّ)، حيث القناع الوسيط الذي يختاره الروائي هو شخصية روائيٍّ كذلك (أيمن)، مهمومٍ بالكتابة ودائم الحديث عنها. في خبرتي المتواضعة، دائمًا تنشغل الأعمال المصطبغة بالـ(ميتا - سَرد) بماهيّة الأدَب وجدواه. ويتجاوب هذا مع عنوان الرواية الذي سلَفَت الإشارةُ إليه.
* الحِوار بين الحضور والغياب:
     التقابل بين الفصول التي يرويها (أيمن) حيث الاحتفاء بالحوار بينه وبين مطلقتِه وزميلة عمله وصغيره وصديقه، والفصول التي يتناول الدفةَ فيها (المزين) بخُلُوِّها التامّ من الحِوار واسترسال سردِها بلا نهاية، هذا التقابُل - في تقديري – يعكس ابتعاد الفنّ (حبسة الكاتب) واقتراب الأخلاق (محاسبة النفس – الندم على الخطيئة – التسامُح التدريجي مع القدَر) من فصول (أيمن)، في مقابل التطاوُس الذي يشبه تطاوُس الفنّانين في فصول (المزيّن). وإذا أُريدَ لهذه القراءة أن تنحُوَ ناحية القراءات النفسية فسيكون لَغوُ المزيّن Volubility عرَضًا للهوَس Mania في مقابل اكتئاب الكاتب.
     حقيقة أنّ المزيّن الذي يجسّد الفنَّ بأثيريتِه (غيرُ مكتوب) وإنما يتحدث من عقل الكاتب مباشرةً، في مقابل الأمر الواقع المُمَثَّل في الابن المتأخر عقليًّا الذي يجسّد الخير المُطلق، هذه الحقيقة تُحيلُنا إلى رؤية (سارتر) للفنّ باعتباره مطاردةً للعدَم، وربما لذلك يحاول المزيّن تأكيد ذاته مكررًا بشكلٍ هوَسِيٍّ في بداية معظم فقرات السرد (عشرين مرّةً في الفصل الثاني وحدَه!).
* العمل بين أعمال الكاتب:
     وإكمالاً للحلزون الهرمنوطيقيّ القصير في قراءة هذا العمل، نحاول موضَعَته في إطار مجمل أعمال كاتبنا. هنا سنجدُ شخصية المزين بلوازمها مسيطرةً على تفكيره من قبل هذه الرواية، حيثُ يُطلُّ علينا من قصته (حكاوي المزين) في مجموعته القصصية (الضئيل صاحب غِيّة الحَمام) الصادرة عن دار (اكتب) في 2005. وهي تلك المجموعة ذات القصص المحتفية بالصمت باعتباره فضيلةً يصعب الالتزام بها، متجاوبةً مع عودة (المزين) للإلحاح على عقل (أيمن) في نهاية هذه الرواية وهو يحكي حكايته لصغيره. في تقديري أنّ الكاتب مشغولٌ بثنائية الدين والفن، أو فلتَكن الأخلاق (الخير) في مقابل الجَمال في العملَين.
     تبعًا للنهج الماركسيّ فإنّ الدين والفن مُكوِّنان في البِنيه الفوقية للمجتمع. حين يتحدث (چون ديوي) عن القيم الجمالية  - من منطلقِه الپراجماتيّ - يعزو النشاطَ الفني إلى محاولة الإنسان استعادة التكيف مع بيئته، حيث تنشأ نتيجة عودة التكيف مشكلاتٌ أخرى تدفعه إلى نشاطٍ فنّيٍّ آخر يستعيد به تكيفه، وهكذا دواليك فيما يعزز دور الفنّ كقاطرةٍ للحضارة تدفعها للترقّي باستمرار وتزيد تعقُّدَها. أمّا (سانتايانا) فالقِيَم الجمالية عنده قيمٌ إيجابية تمدنا بلذاتٍ حقيقية، بينما الخُلُقية سلبية تقتصر مهمتها على اجتناب الألم ودفع الشر، أي أنها بشكلٍ ما قِيَمٌ سكونيةٌ تحاول كبح جِماح الحضارة. في حين أنّ الفيلسوف الإنجليزي (هربرت ريد) يقرر أن الفن محاولةٌ للسيطرة على العالَم وجدانيًّا كما أن العِلم محاولةٌ للسيطرة عليه معرفيّا. ما لا يخبرنا به (ريد) هو أنّ الدين – بواعزه الأخلاقيّ – يُزَهِّدُ أتباعه في محاولات السيطرة هذه لأنهم يفوضون أمرهم إلى موجودٍ أعلى هو الخالق، وهو المسيطر بحقٍّ في معتقدِهم على العالَم. الشاهد المتعلَق بأدب (أحمد سمير سعد) أنّ ثنائية الدين والفن أو الأخلاق والجَمال حاضرةٌ بقوّةٍ، لاسيَّما في مجموعة (الضئيل) وهذه الرواية، وفي العملَين يحاول الأبطال الاستسلامَ للدين بما يحُضُّ عليه من صمتٍ وسكونٍ ونزوعٍ إلى الفطرة البسيطة ضد تعقُّد الحضارة، لكنّ إغراء الاسترسال في الكلام (الفنّ بقِيَمه الجمالية) لا يتركهم حتى النهاية فيجرفهم في تياره رغم أنوفِهم. ببساطةٍ، يقدّم كاتبُنا معادلاً أدبيًّا لفلسفةٍ خاصّةٍ في الحضارة تحاول اكتناه الدور الذي يلعبه الدين والفنّ في بنيتِها الفوقية، ويُلِحُّ عليه هاجس هذه الفلسفة من عملٍ لآخَر.  

محمد سالم عبادة
20 أغسطس 2017
.......
نُشِرَت هذه القراءة بموقع (الكتابة) في 30 أغسطس 2017

Monday, 29 May 2017

البساطةُ طريقًا إلى الشيطان: قراءة في رواية (ن=∞ف) لكريم الصياد


* بنية الخيال العلمي وتحققها في الرواية:    
     في تقديري، يتعلق الخيال العلمي دائمًا بدرجةٍ من القفز على الاستحالة المعرفية Epistemic Impossibility كما يعرّفها منطق الموجِّهات Modal Logic. بمعنى أن الكاتبَ يخطو فوق قضيةٍ مستحيلة الصدق بحسب ما توافر للبشر معرفته حتى لحظة الكتابة. ويتقاطع هذا التصور مع مفهوم (النقلة النوعية) الذي طرحه (توماس كون) في (بنية الثورات العلمية)، وكان يعني به التغير الجذري في التصورات الأساسية والجزئيات التجريبية في نظامٍ علمي ما. يتحقق هذا في الحدَث العلمي الرئيس في روايتنا وهو اكتشاف البطل تركيب الروح باعتبارها (مادة أخرى/ أنيما) أقرب في تكوينها إلى الهواء المذاب في الماء، ويقع تركيبها الجزيئي في خمسة أبعادٍ تشترك في أربعةٍ منها مع مادة عالمِنا المحسوس، ووجودها في بنية أغشية الخلايا الحية، وبالتالي القدرة على التمتع بالخلود لو تحوّل كائن معقد كالإنسان إلى مستعمرة من الكائنات وحيدة الخلية (أميبا عملاقة) تعمل كلٌّ منها على البقاء حيّةً بمفردها بفعل رفع مستوى الأنيما/ الروح في أغشيتِها. تأتي الاستحالة المعرفية من حقيقة أنّ العلوم المتفرعة عن الأحياء تكاد تكون قتلت تكوين الأغشية الحية بحثًا، ولا دليل على صحة هذا الكشف الخيالي من واقع ما وصلت إليه المعرفة في هذا الحقل. وتأتي النقلة النوعية من تصوُّر أنّ كشفًا كهذا يستلزم انحرافًا ما في مسار البحث البيولوجي لا يمكننا الآن التنبؤ بطبيعته.
     أول إشارات الاستغراق في المُناخ العلمي في هذا العمل عنوانه (ن=ف) فضلاً عن القسم الأخير منه المكتظّ بالإثباتات المصوغة في شكل البراهين الرياضية. يبدو هذا الاستغراق طاردًا لشريحة كبيرة من القراء لا تطيق أن تصطدم في رواية – حتى لو كانت من الخيال العلمي – بما يظهر في صورة الحِجاج العلمي الصارم. ويعزز هذا قدرًا من النخبوية في الرواية.
* أسماء الأبطال ولعبة السرد:
     يلفت انتباهنا في البداية اسما البطل (محمد عبد الله) وسكرتيره (محمود جبريل). لا يخفى أنهما يحيلان إلى اسم نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وملَك الوحي في الديانات الإبراهيمية. لا نملك إلا أن نفترض قلبًا يتعمده الكاتب لتراتب الوحي، فالبروفيسور هو النبي والسكرتير هو الملَك، فيما يمثّل انتصارًا من جانب الكاتب للإنسانية المتعينة على الغيب.
     لعبة السرد هنا تقع في ثلاثة مستويات/ أقسام: الأول (اكتشافٌ ما) هو رواية (جبريل) للأحداث، والثاني (أمسياتٌ غيرُ حميمة) مذكّرات (محمد)، والثالث (فلسفة السفر عبر القدَر) هو كتاب (محمد) الواقع بين الاكتمال والنقص.
     اسم القسم الأول بما ينطوي عليه من تنكير يلائم الإيحاء بالغيبية الذي يثيره اسم (جبريل). ويعضّد هذا التصور اختيارُ جبريل لمقولةٍ بعينها لـ(محمد)، يتحدث فيها عن رؤية الفيلسوف (برجسون) للميتافيزيقا باعتبارها "ليست وجودًا مفارقًا بعيدًا فوق العالَم أو وراءه، وإنما وجودٌ حول كل شيء، وكل شيء حوله هالة ميتافيزيقية سُمكها بضعة سنتيمترات" واعتزام محمد أن يكتشف "الطبيعة المزدوجة للحياة: مادة-مادة أخرى" على غرار اكتشاف برجسون، واكتشاف الفيزيائيين "الطبيعة المزدوجة للجسيمات: جسيم-موجة". المعروف من تحوّل (برجسون) من اليهودية بلاهوتها الصارم إلى المسيحية بدوجماها المركزية حيث حلول اللاهوت في الناسوت واتحادهما في كيان المسيح – على خلافات المذاهب في التأويل – يتجاوب ونسقه الفلسفي العام ورؤيته للميتافيزيقا، وهو ما يتجاوب بدوره وانتصار الكاتب للإنسانية على الغيب في اختيار اسم (محمد) للبطولة و(جبريل) للسكرتارية!
     يتحقق هذا التصور بكثافة في أحداث ولغة سرد القسم الأول حيث يقول (جبريل) عن الصحفية الألمانية (أنجربودا) التي ستصبح زوجة (محمد) فيما بعد: "أعترف أنني حين رأيتها تذكرتُ الله"، ويقول عن (محمد): "لقد أصر أن يبهرها بعقلـه المتضخم الـذي يكـاد ينبجس من
جمجمته كما أبهرته بجمالها الذي يكاد ينضـح مـن جلدها، أعتقد أنه نجح إذ كنت ألمحها في المرآة تبرق وتبرق حتى تكاد تضيء دون أن تمسها نار" في إحالة قرآنية واضحة إلى مثَل نور الله في سورة (النور). هنا تمثل المرأة الغيب بنوره الذاتي، كما تمثل استعصاءه على الإدراك في جملة يعلّق بها (جبريل) على نسيان (محمد) اسمها: "إنه ينسـى اسم أي امرأة بعـد نصف دقيقـة، وهو قدير على أن ينسى كل شيء عنها في نصف ساعة". كذلك يتحقق في التناصّ مع أساطير الشمال الأوربي Norse Mythology في اختيار اسم (أنجربودا) زوجة (لوكي) إله الظلام الذي تسبب في مقتل إله النور (أودين Odin). ففي الأسطورة يخترق (لوكي) النور/ الغيب، ويعذَّب لأجل ذلك عذابًا أبديًّا، يدفع كاتبَنا إلى الربط صراحةً بينه وبين معادِلاته الموضوعية في الديانات الإبراهيمية وأساطير اليونان حيث يقول: "وهكذا، مسيح مقلوب، بروميثيوس شمالي".
     نعود إلى نقطة الانتصار للإنسانية، وانعكاسها على علاقة (جبريل) بـ(محمد) في الرواية. يقول (جبريل): "صرت أجلس مثله وأتحدث مثله وألتهم طعامي مثله، فلو عرفت كيف يدخل الحمام لدخلت مثله"، ما يذكّرنا بمفهوم السّنّة الجِبِلّيّة في الإسلام، والتي كان أشهر متّبعيها الصحابي (عبد الله بن عمر). نحن أمام علاقة تبعية ممثل الغيب (جبريل) للإنسان/ النبي (محمد)!
     أما القسم الثاني (أمسياتٌ غير حميمة) فيرصد مذكرات (محمد) عبر اعتزامه المرور بتجربة الحَقن بالأنيما/ الرُّوح، ومروره بها بالفعل، وخضوعه للاختبارات الإكلينيكية التي تؤكد نجاح التجربة، ثم استسلامه لوسواس حلمه القديم في الكشف عن سبب اللون الأسود للفضاء - وهي مشكلةٌ عرفها تاريخ علوم الكون بالفعل وتُعرف باسم (مفارقة أُلبِرس Olbers
 Paradox) – ووصوله إلى حلٍّ لها يتمثل في أن الكون يشبه علبةً مغلقةً طُلِيَت حوائطها بالأسود، وعكوفه على بحث إمكانية الفرار من حوائط هذا الكون، وبالتالي الفرار من القدَر، وأخيرًا ظهور الشيطان شخصيًّا في حياته طالبًا منه أن يمنحه الخلود والهرَب من القدَر معه!
     القسم الثالث (فلسفة السفر عبر القدَر) ينطلق من نظرية M وهي أحدث نظريات علوم الكون، وهي غير مكتملةٍ إلى الآن حتى أن أحد روادها وهو (إدوارد ويتن) يقترح أن يشير الحرف M إلى السحر أو الغموض أو الأغشية magic/ mystery/ membrane لحين وصول النظرية إلى صياغتها النهائية!
     المهم أن هذه النظرية تقول بأن كوننا هذا ليس الوحيد الممكن فيزيائيًا، بل هناك غيره الذي تشكّل وتلاشى فور ظهوره لأنه غير مستقر. كونُنا سينفجر يومًا ما هو الآخر لأنه يتمدد باستمرار ولذلك يقول (محمد): "هذا الكون الذي نعيش فيه ليس كونًا حقيقيًا. إن الكون الحقيقي في نظر الله لابد أن يكون مســتقرا، وأن يأتيه أمر الله بالفناء من خارجـه، هذا الكون الـذي نحياه مجرد بروفة، نحن نعيش على شظيةٍ متخلفة من طَرق مادة الوجود على سـندان الفـراغ. نحن فقاعة نَمَتْ وطَفَت حين غلا الكون الحقيقي غليانًا باردًا في العتمة، ومع ذلك فمن حقنا أن نعيش". هنا تبرز نية (محمد) في انتزاع حقّ الحياة الحقيقية بالقوّة. وهنا يبرز تأويل علمي محتمَل للنصوص المقدسة التي تبشّر بالجنة، حيث هي كونٌ بديلٌ تمامًا، حقيقيٌّ تبعًا لرؤية (محمد) الرواية. وهنا أخيرًا – بعد أن مررنا باستعراض (مفارقة أُلبِرس) وحل البروفيسور (محمد) لها -  تبزغ في أذهاننا آيةُ سورة الرحمن: "يا معشرَ الجِنِّ والإنسِ إن استطعتُم أن تنفُذُوا مِن أقطارِ السماواتِ والأرضِ فانفُذُوا، لا تنفُذونَ إلاّ بسُلطانٍ. يُرسَلُ عليكما شواظٌ من نارٍ ونُحاسٌ فلا تنتصِرانِ". ما تسفر عنه المعادلات المستفيضة في هذا القسم هو أنّ النفس يمكن ردّها رياضيًّا إلى الخوف اللانهائي (ن=ف) وهو الخوف من الخوف من الخوف ....، والمعرفة كذلك هي لانهائية الخوف، وس ه (سرعة الهرب من الخوف/ القدَر/ أقطار السماوات والأرض/ الكون الزائف) تساوي صِفر. والخلاصة أنه لابد من إيقاف حركة جزيئات (الأنيما/ المادة الأخرى) لكي تعبر الروح إلى عالمٍ آخر. المفارقة هنا أنّ هذه المعادلة تجعل الإنجاز المتحقق بالفعل لـ(محمد) وهو الخلود في هذا الكون يساوي لاشيء، حيث يكون الخلاص في الموت! إذَن وسيلتنا للعبور إلى الكون الحقيقي هي الروح (التي يصفها محمد في القسم الأول بأنها كاليد داخل القفّاز، تمنحنا الحياةَ كدُمَى)، والسلطان الممنوح لعبور الروح من الأقطار هو الموت، وبهذا تكتمل دائرة بحث (محمد عبد الله) وينتهي – على وجه الحقيقة – بخيبة المسعى، حيث يظلّ عبدًا للقدَر الذي أراد الفرار منه!
     الظهور التدريجي للشيطان في الفصل الثاني بعد نجاح تجربة الخلود ظهورٌ متوقَّع في الحقيقة على خلفية الإنظار القرآني المعروف: "قال ربِّ أنظرني إلى يومِ يُبعَثون. قالَ فإنك من المُنظَرين. إلى يوم الوقت المعلوم"، لكنه يمثل إغلاقًا لدائرةٍ أخرى بدأت باعتناق (محمد) فلسفة (برجسون) في الميتافيزيقا حيث لا تحلّق هذه بعيدًا عن الأشياء وإنما هي حالةٌ موجودةٌ حول كل شيء. ظهور الشيطان – بشكلٍ ما – يدحض هذه الفلسفة، فهاهو الكيان الميتافيزيقي الأوفر حظًّا من الكراهية واقفٌ وجهًا لوجهٍ أمام (محمد)، وليس هو جانبه الشرّير أو أطماعه مثلا! إنها خيبة المسعى هنا أيضا! هذا إذا لم نعتبر أنّ هذا الظهور هلوسةٌ فصامية بدأ (محمد) يعانيها بعد نجاح التجربة، لكنّ موت هذا الأخير بطريقةٍ غريبةٍ (والدخان الأسود يخرج من فِيه) يفترض عنصرًا غير محسوبٍ في تجربة الخلود، ويجعلُنا كمتلقّين أميلَ إلى رفض مسألة الهلوسة الفصامية.
     المدهش هو تذييل القسم الثالث (فلسفة السفر عبر القدَر) برسالة إلى (أنجربودا) يطلب فيها الغفران ويختمها بقوله: "اغفري لنفسِك إذن أنني كنتُ خائفا. وهذا لا ذنبَ لكِ فيه. لهذا أنا لن أنالَ الغفرانَ أبدا". هنا تماهٍ تامٌّ مع الشرط الوجوديّ للشيطان (إبليس) في الوعي الديني، حيث هو كائنٌ أبلسَ بالفعل من الغفران، فضلاً عن تذكيرِنا برمزية المرأة في الرواية كتجَلٍّ للغيب/ النور الإلهي الذي يتوجه إليه البطل بطلب الغفران ويعلن يأسه من القبول.
* النسق الفكري الحاكم للرواية:    
ما يحدثُ في الرواية هو أنّ (محمد) يبحث عن البساطة (تحول الإنسان المعقد في تركيبه إلى أميبا عملاقة وظيفيًّا)، ليحصل من خلالها على الخلود، وحين يصل إليه يقرر أن هدفه ليس ذلك وإنما الوصول إلى الكون الحقّ حيث يتجلى الله برعايته وأنّ ذلك لن يحدث إلاّ بنبذ تعقُّدٍ آخر كامنٍ في طبيعة الكون الذي نعيشه ومعرفتنا به، وبالتالي فقد كان يُفترَض أنّ البساطة هي الطريقُ إلى الله. لكن ما يفاجئنا – رغم تبريرات ظهور الشيطان المُشار إليها آنفا – أنّ البساطة كانت في الحقيقة طريقًا إلى الشيطان. لقد تعالى البطل فوق الحضارة بتعقدِها ليصل إلى الله، لكنه وصل إلى الشيطان بدلاً من ذلك! هنا يمكننا أن نقول إن هذا اختيارٌ واعٍ من الكاتب وليس وليدَ صدفة كتابة. الكاتب أخرج لنا الشيطان ليغير مسار الأحداث ويقلبها رأسًا على عقِب، على غرار الحيلة المسرحية اليونانية القديمة (الإله من الآلَة theos ex machina)، لكن هنا يخرج الشيطان من الآلة (Diaboli ex machina)!
* جنسانية الرواية وعلاقتها بنسقها الفكري:
     ثمة إشاراتٌ جنسانية في الرواية يصعب إغفالها، لأنها وثيقة الصلة باختيار (كريم الصياد) أن ينحاز إلى جانب الشيطان ويُحبِط مسعى البروفيسور (محمد). في القسم الأول يروي (جبريل): "لاحظـتُ كيف صـار يستمع إلى الحركة الثالثة من سيمفونية تشايكوفسكي السادسة"، "حدثني كثيرا من قبل عن هذه الحركة بالذات وهو يرتجف: -المارش الشـيطاني، هـــذه الحركـــة لابُد وأن تصور المارش الذي يقوده الشـيطان إلى الجحيم، إنها موسيقى مخيفة، ومع ذلك قادرة على إحياء الجماد"، "إن هذا الرجل- يقول الدكتور عــــن تشايكوفسكي- كــــان وراء الرجل والمرأة لأنه كان شاذًا، فصار بهذا أقرب إلى الشيطان". هنا يرتبط الشذوذ الجنسي بالشيطان بالجنون في النسَق الفكري الحاكم للرواية. إذا تابعنا تصورَنا الذي أسلفناه عن المرأة باعتبارها الغيب أو ممثل النور الإلهي، فإن العلاقة الحميمة للرجل (باعتباره ممثل العقل أو الإنسانية في مقابل الألوهية) بالمرأة تعني إرادةَ هتك حجاب الغيب، وبالتالي مزيدًا من الحضارة وانتصارًا للعقل. وبهذا، تكون العلاقة الجنسية بين الرجل والرجل علامةً على عقلٍ ينتهكُ عقلاً، وبالتالي فهي منذرةٌ بالجنون، وهي تنصُّلٌ من فصل الحضارة بين الدور الجنسي للذكر والأنثى، وبالتالي رِدّةٌ إلى حالةٍ من البدائية/ البساطة. هذا التصور يتجاوب مع المفهوم المعاصر للمتَصل الجنساني sexuality continuum حيث تفترض طبيعة الأشياء انتفاء التقسيم الحادّ للأدوار الجنسية، ولا يأتي الفصل الحاد إلا ناتجًا للاصطلاح المجتمعي/ الحضاري. المعروف عن هذه السيمفونية أنها تُعتبَر في بعض الأوساط تعبيرًا عن بطولة المثلية الجنسية، كما يعتبرها بعض مؤرخي الموسيقى سيمفونيةً ينعي فيها تشايكوفسكي نفسه، وهو الذي قيلت في طريقة موتِه الأقاويل، وأشهرُها أنه مات منتحرًا بعد أن حكمت عليه محكمة الشرف بأن ينتحر، جرّاء تحرشه الجنسي برجُلٍ ما، كما قيل في تأويل برمجة هذه الموسيقى أنها تعبيرٌ عن عواطفه الجنسية المتفجرة الحزينة في الوقت ذاته تجاه (بوب دافيدوف) ابن أخته (ألكساندرا)! أمّا هذه الحركة الثالثة تحديدًا فهي الوحيدة في السيمفونية الخالية من السلالم الصغيرة Minor Scales فهي بين سلّمَي صول الكبير ومي الكبير، وبذلك فلونُها متحرر تمامًا من الحزن الذي تصطبغ به بقية حركات السيمفونية، كما أنها تُعزف بسرعة شديدة الحيوية Allegro molto vivace. كل هذا يؤهلُها تمامًا لتكون معادلاً موضوعيًّا لاقتراب ظهور الشيطان وانحياز (كريم) له.
     كذلك حين يصرّح (محمد) في مذكراتِه: "إنّ مجدَ ما أنا مقدِمٌ عليه سيمحو كل ما سبقه من أمجاد، كما قال مونترلان Montherlant". الاقتباس من أحد أشهر أيقونات الشذوذ الجنسي في تاريخ الأدب الفرنسي والعالمي، (مونترلان) الذي اشتُهر بآرائه الحادة التي تحط من قدر النساء حتى أفردت (سيمون دي بوفوار) فصلاً بعنوان (مونترلان: أو خُبزُ الاحتقار) من الجزء الثالث (الأساطير) من كتابها النسويّ العمدة (الجنس الثاني) لدراستها! إنه (مونترلان) الذي مات منتحِرًا كذلك بطلقةٍ في الرأس بعد ابتلاع سُمّ السيانيد.
     جماع هذه الإشارات يجعلنا من ناحيةٍ نتوقع انتحارًا ما (وحقيقة المعادلة النهائية هي الانتحار كما قلنا)، ومن ناحيةٍ أخرى يكرس فكرة انتصار الشيطان بشكلٍ ما.
* عن هاجس تصنيف الرواية:
     قُدّر لي أن أطّلع على بروفات غلاف هذه الرواية، وكان التوصيف الأول "مِن أدب الرُّعب". بالتأكيد يتحقق الرعب الوجودي والفيزيقي هنا بكثافة. ثمة مشاهد تتواصل مع إرث سينما الرعب في وضوح. منها مشهد الشيطان ورقبته تميل إلى كتفه ليظلّ في وقفته ساكنًا ساعاتٍ
طويلةً، كما يحدث في مشهدٍ رهيبٍ من فيلم Paranormal Activity، وحدَث تشوه ابنة البطل في رحم أمها يشبه بشكلٍ ما تشوه الوليد في فيلم Rosemary's Baby. الرعب هنا نتيجةٌ لصدمة الخارق للمألوف. الأحداث التي يصعب أن نتوقع ما يليها تصيبُنا عادةً بالرُّعب والرغبة في إنهاء الموقف برُمّته.
* التواصل مع منجَز الكاتب خارج الرواية:
     ختامًا، نزيح قليلاً الجدار الخامس – بلغة أهل المسرح – بين كاتب روايتنا وبين أعماله السابقة. نجدُ استمرارًا لفكرة اليأس من الغفران/ خيبة المسعى إلى الله في قصيدته (الفرقة الناجية) من ديوانه (منهجٌ تربويٌّ مُقترَحٌ لفاوست): "عن جميع الناس أنّي لن أرَىٰ اللهْ/ لن أراهُ أبدًا
حتى إذا قامَ الجبلْ/ وإذا شقتْهُ آبادُ المللْ/ وإذا صار ترابًا نثرتْهُ الريحُ يومًا في المُقلْ/ وإذا ظل قرونًا يكتملْ/ وإذا قيلَ له: كنْ، فامتثَلْ/ لن أراهُ، لن أراهُ أبدًا في أيّ مرآهْ!"، وهو مقطعٌ مكتنزٌ باللوعة الوجودية، يتجاوب مع مضمونها شكلُها الإيقاعي حيث تمتدّ تفعيلة الرمَل (فاعلاتُن) مع لفظ الجلالة وما يوافقُه في الرّوِيّ لتصبح (فاعلاتان). الديوان مهتمٌّ بعلاقةٍ خاصةٍ مع الشيطان كما يشي اسمه، كما أنّ بقيةَ العنوان: "بقلم: أنتَ تعرفُ مَن" يتجاوب مع الجملة التي قالها الشيطان في مشهد الحديث الأول بينه وبين بطل روايتنا "من أنتَ؟/ أنت تعرفُ مَن"!
     كذلك نجد الموتة الغريبة للبطل المتمتع بأصالة الفكر في قصةٍ بعنوان (بئر لَملَم) في مجموعة قصصية هي (الرجال Y) لكاتبنا، حيث منح (كريم) بطل القصة اسمَ نبيٍّ هناك أيضًا (إسماعيل) ليتناصّ مع قصة (بئر زمزم) الإسلامية تناصًّا مقلوبًا يكرّس لعنةً وجوديةً يصابُ فيها البطل بمرضٍ كأنه صُمِّمَ خصّيصًا له، هو سرطانُ الزجاج، حيث يتشقق جسده ويتكسر كالزجاج المصاب تماما!
     يظل (كريم الصياد) نسيجَ وَحدِه في منجزِه الروائي والقصصي والشعري والفلسفي. تظل لوعته الوجودية بصمةً تميزُ تجليات روحه الإبداعية. ويظلّ رعب اللعنة مطلاً برأسه من كتاباته الأيقونية. ولنا أن نتمنى له خروجًا من هذه اللوعة إلى حضورٍ أدفأ وأفقٍ أكثر ترحيبًا بالحياة.

محمد سالم عبادة

9 مارس 2017     
........
نُشِرَ في عدد أبريل 2017 من مجلة (عالَم الكتاب) الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب في مصر
     

Friday, 5 May 2017

الإمعانُ في الكتابة: قراءة في المجموعة القصصية (موسيقى لليلة قصيرة) لحاتم حافظ

في مقدمة كتابها المؤسِّس (الميتا-سَرد: النظرية والتطبيق في الأدب الواعي بذاته) تقول (پاتريشيا ووه): "بشكلٍ ما، يتّكئُ الميتا-سرد على نسخةٍ من مبدأ عدم التأكُّد لهايزنبرغ، فحواها أنّه بالنسبة لأصغر الوحدات البنائية المكوِّنة للمادة، تتسبب كلّ محاولةٍ للرصد في اضطرابٍ ما في طبيعة المرصود". وبالتالي فإنه لا يمكن التحقق من وجود عالَمٍ موضوعيٍّ مفارقٍ لعين الراصد.
     هذا ما يتجلى في المستوى الأعقد من السّرد في هذه المجموعة القصصية التي بين أيدينا. المجموعة هي الثانية لمؤلفها (حاتم حافظ) والتاسعة بين إصداراته المتنوعة بين الرواية والقصة والمسرحية والمقالات البحثية. وليكون كلامنا مفهومًا عن مستوىً ما من السرد فعلينا أولاً أن نبدأ من حيث انتهت قراءة المجموعة: السرد هنا يتحقق في ثلاثة مستويات. أبسطها هو مستوى الواقع، وفوقه مستوى الحلم، وفوق الاثنين – وربما في مكانٍ محايدٍ يراهما معًا ويسخر منهما ومن العالَم ومن السرد نفسه- مستوى الكتابة!
     أما المستوى الأبسط (الواقع) فإنه يوجد بكثافة في قصتين هما (الأربعيني) و(شاي بالنعناع). أهدى الكاتب ثانيتهما إلى الراحل (إبراهيم أصلان)، وفي هذه الثانية فقط يوجد البطل البسيط الذي لا يقف ليفكر في أفعاله ثم ليفكر في التفكير أكثر ممّا (يفعل)! فقط في (شاي بالنعناع) يوجد ما يشبه (الراوي العليم) الذي لم يمنحنا قِصَر القصة فرصةً للاطّلاع على كل ما يَعلَمه. وربما لهذين السببين – وربما لسببٍ آخر لا أعرفه – أُهدِيَت هذه القصة دون سواها إلى كاتبٍ كبيرٍ راحلٍ، لتكون شكلاً من أشكال التواصل مع طريقةٍ راسخةٍ في السرد سلكها الآباء الراحلون كإبراهيم أصلان وخيري شلبي وغيرهما للتعبير عن هموم البسطاء في نصوعٍ يتناسبُ ونصوعَ خبرة هؤلاء البسطاء بالحياة، ولتكون في الوقت ذاته إعلانًا عن تدشين سردٍ جديدٍ في غير هذه القصة، يعتزم الكاتبُ أن يسلُكه بعيدًا عن طرائق الآباء.
    في (الأربعيني) يوجد واقعٌ أيصًا لكنّه واقعُ النخبة المثقفة/ المعقَّدة بالضرورة. العنوان – بما له من دلالةٍ في الوعي الجمعي تفترضُ وصولاً إلى الحكمة واقترابًا من عتبة النبوّة المنصوبة على سنّ الأربعين – يتراسل مع المحتوَى المقسّم إلى عشرة مقاطع متفاوتة الطول، تصف لحظاتٍ مختلفةً من الحوار الدائر على مقهىً بين شخصين ربما يكون أحدهما مجرّد آخر خيالي جرّده الكاتبُ من ذاتِه. المهم أنّ الحوار يصل دائمًا إلى نقطة الاحتفاء بالحَيرة والركون إلى الكآبة: "لا نكونُ أشخاصًا جيّدين لمجرد أننا نفعل أشياء جيّدةً بين الحين والحين"/ "المأساة الحقيقية تتلخص في أن العالَم لم يعد يسمح لنا بأن نستمتع بأوقات اكتئابنا"/ "ليس صحيحًا أن المعصية هي الخطيئة الأصلية، فالأحرى أنّ الوجود نفسه هو خطيئة هذا الكائن"/ "لم تعد حتى الإجابات الصعبة مناسبة للأسئلة السهلة". فهنا اللايقين هو النبوّة المرتبطة بسنّ الأربعين التي وصل إليها البطل، فهي نبوّةٌ غنوصيّةٌ أو سالبةٌ إن جاز التعبير، ربما تمتاح من بئر الإرث الغنوصيّ الحائر الموجود في مدارس التصوّف ولا سيّما الإسلامية (كالدعوة التي ينسبُها ابنُ عربيّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام والتي ترفضُ نسبتَها فِرَقٌ إسلاميةٌ كثيرة : "اللهمّ زِدني فيكَ تَحَيُّرا"). ولا يمكن إغفال تراسل حالة الديالوج القائمة في كل المقاطع مع الدعوة القرآنية للتفكير: "قل إنما أعظُكُم بواحدةٍ أن تقوموا للهِ مثنى وفُرادى ثُمّ تتفكروا"، إذ إنّها ربما تخلقُ في المتلقي استعدادًا للتحاور مع النص وتأهُّبًا لتجريدِ آخرَ مِن نفسه على غرار ما يمكن أن يكون الكاتبُ قد فعلَه.
     مستوى (الحُلم) يضم ستّ نصوص متتالية هي (اتفاق/ خُضرة مدهشة/ الشيء الذي حدث/ إنسانية/ لجنة التحقيق/ الحرب). يعمد الكاتب في الأولَيَين إلى الديباجة الأشهر لسرد الأحلام "رأيتُني..."، ثُمّ يغفلها فيما يتلوهما، لكنّ لوازم أسلوبيةً بعينها، وفانتازيةً صارخةً في بعض الأحداث تُحيلُنا إلى عالَم الأحلام. فمن اللوازم المشار إليها التنكير المصاحب للمفردات الأساسية في الحدَث: "كنتُ وسطَ رحلةٍ ما في الصحراء/ جلستُ أمامَ لجنة تحقيق. كنتُ مديرَ تحرير موقعٍ ما في دولةٍ أوربية/ وجدتُني وسط حربٍ أهليةٍ لا أعرفُ أطرافَها ولا أعرفُ إلى أي طرفٍ أنحاز" وهو ما يضفي إبهامًا حُلميًّا على الأحداث من البداية. أمّا الفانتازية فكما في (الشيء الذي حدث): "حين اتسع مشهد موقف السيارات أمامي فوجئتُ برجالٍ ونساءٍ كثيرين كلهم يمارس الحب وكانوا جميعًا بكامل ملابسهم وأناقتهم". وهو مشهدٌ يذكّرني بالعالَم السينمائي الكابوسي لـ(ستانلي كيوبْرِك). في تقديري أن هذه النصوص هي محاولةٌ من الكاتب للإفلات من قبضة وعيه المفرط بالكتابة (والتي سنتحسسها معًا بعد قليل)، فهو يسلم نفسه لطزاجة الخبرة الحُلمية دون كثيرِ تدخُّلٍ منه فيما يبدو، ويدعُنا نطّلعُ على همومه الشخصية دون أن تُنضِجها نارُ القلَم إذا جاز التعبير، والتي من بينِها بالتأكيد السعيُ للوصول إلى مشترَكٍ إنسانيٍّ رَحبٍ مع المختلفين فكريًّا كما في (إنسانية)، والحيرةُ أمام حماقة الجنس البشري وعنفه المفرط كما في (الحرب)، والهَمّ الوطني الآنِيّ كما في (الشيء الذي حدث) حيث يقول: "لماذا اخترتم للثورة أن تكون في برج الدلو؟ لماذا؟!" إلى غير ذلك مما أدَعُ للقارئ محاولة اكتشافه.
     أما مستوى (الكتابة) أعقد المستويات الذي صدّرنا المقال بالإشارةِ إليه، فهو في رأيي المستوى الغالبُ على هذه المجموعة. يبدأ ضمنيًّا مع القصة الافتتاحية (المساء والسهرة)، حيثُ البطل مصابٌ بمرضٍ يمنعه من مغادرة الفِراش إلاّ قليلاً – ربما لتجنُّب الإصابة بقُرَح الفِراش!- ونشهد تفاعُلَه مع عالَمَين أحدهما حميمٌ تمثَله زوجته التي تساعده على الحركة وتقوم عليه، والآخَر بعيدٌ افتراضيٌّ تمثله المباراةُ التي يشاهدها في التليفزيون. هنا نشهد تفكيره في حدَث إحراز هدف المباراة في اللحظة الأخيرة، واسترساله في تصور سيناريوهات مختلفة لما حدث، وصولاً إلى سيناريوهات تتعلق بأعضاء اللجنة التي وضعت قوانين لعبة كرة القدَم! لسنا أمام بطلٍ بسيطٍ إذَن كما في (شاي بالنعناع)، وأجازف بقول إنه ما من سبيلٍ للاسترسال في تصور السيناريوهات البديلة بهذا الشكل إلا بمصاحبة قلَمٍ وورقة! إنه بطلٌ كاتبٌ وإن لم يكتب حرفًا في هذه القصة، حتى أنّ سيناريوهاته تلك تتقاطع مع حدَث هدف المباراة بشكلٍ لا يخلو من قصدية، فعضو اللجنة الذي "يأتي في اللحظة الأخيرة يرفع يدَه أو لا يرفعها فيتحدد قانون اللعبة كلُّه" هو نفسه اللاعبُ الذي سجّل الهدف في اللحظة الأخيرة من المباراة. ما يميّز هذه القصة عن بقية قصص (مستوى الكتابة) هو نهايتها المتفائلة المحبِّذة للفعل الإنساني، فالبطل الذي يشعر بإثارةٍ حسّيّةٍ تجاه زوجتِه رغمَ مرضِه يستدعي إصرار اللاعب على أن يحاول التسديد في اللحظة الأخيرة فربّما يحالفُه الحظ. يحيلني النص إلى جملةٍ في رواية (الجريمة والعقاب) قالها البطل (راسكولنيكوف): "لو أنّ كُلَّ شيءٍ تُرِكَ للعناية الإلهيةِ ابتداءً لما كان هناك فعلٌ لأي شيء!".
     مع متابعة مستوى (الكتابة) نجد الإحالاتِ إلى نصوصٍ أدبيةٍ عالميةٍ مؤثرةٍ أكثر تجسُّدًا وصراحةً، ففي (الجثّة) يحيلنا القاصّ إلى مسرحية (أميديه/ أو: كيف نتخلَص منها؟) لـ(يوجين أونسكو) في بداية القصة، ويرسم موقفًا مشابهًا لكنه يلفت أنظارنا إلى أن الكاتب البطل هنا يعرفُ من أين جاءت الجثة بخلاف مسرحية أونسكو. في تقديري أنّ هذه الجملة البسيطة تحملُ إشارةً إلى إرهاصات تيارٍ في الكتابة الأدبية/ المسرحية ربما يكون من اللائق أن نسميه (ما بعد العبث)، يتشارك مع تيار العبث في وجود الحدث العبثي، لكنّه بخلافه يُقرّ بمعرفة جذور ذلك الحدث، حيث يتنحى السؤال المعرفيُّ تمامًا (مِن أين؟) ليفسح المجالَ للوجودي (ماذا نفعلُ الآن؟). وفي تقديري أن هذا التيار (ما بعد العبث) هو بالضرورة أقلّ تشاؤميةً كما أنه ربما يحصر العبث في (عبث مجتمعي) قابلٍ للتعامل معه، لا عبثًا كونيًّا فوق طاقة البشر. رجوعًا إلى قصتنا نجدُ البطل "لم يكن بمقدوره استعادة لحظة القتل ولا تذكر التفاصيل/ علينا مشاركته التفكير في الجثة التي لم يعد هو أو نحن في حاجةٍ لوجودها في هذا المكان أو في أي مكانٍ آخر". هو موقفٌ يشبه منطلقات العلاج المعرفي السلوكي حيث المعالِج والمريضُ يبدآن من هنا والآن Hic et Nunc! ثَمّ إحالةٌ أخرى هنا إلى رواية (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي، كأنّ استمراءَ بطل هذه الأخيرة لقتل المرأة العجوز التي تمثّل في تصوره كيانًا طفيليًّا ضارًا بالمجتمع كان دافعًا لبطل قصتنا لاستمراء قتل صاحبة الجثّة ليكتب عنها قصة! المهم أنّ هناك حالةً من الإيغال في التأمل اللغوي من جانب البطل الكاتب/ القاتل، تضفي حيادًا ساخرًا على الموقف الذي تُفترَض فيه الكارثيّة، ويعضّد هذا الحيادَ بحثُ البطل عن آخرين (زوجته ثم أمّه) ليشاركوه العلم بوجود الجثة في بيته لعلّ هذا يخفف المشكلةَ عن كاهلِه، وهو في هذا البحثِ يمارسُ الكتابةَ أيضًا بشكلٍ ضمني، فإذا كانت الكتابة/ اللغة أساسًا وسيلةً للتواصل، فإن وجود الآخرين ومعرفتهم بالمشكلة هو تواصلٌ مباشر يحاول أن يتغلب على كارثية الموقف هو الآخَر. تخلق هذه الاختيارات من قِبَل القاصّ حالةَ (إمعانٍ في الكتابة) كأن الكتابة بديلٌ عن الفعل، وبالتالي هروبٌ من الاضطرار للفعل.
     هذا الإمعان في الكتابة يحدثُ أيضًا في (فردة حذاء ثانية)، ممتزجًا بظلالٍ من ممارسة البصبصة voyeurism حيث يتابع البطل من خلال نافذته رجلاً يحاول عبور الشارع الخطِر، وهو ما يذكّرني بفيلم (النافذة الخلفية) The Rear Window بشكلٍ شخصي. هنا نجدُ الكتابة متماهيةً مع رغبةٍ دفينةٍ في نكوصٍ طفوليٍّ إلى رؤية العالَم من زاويةٍ واحدة (مثاليةٍ ذاتيةٍ ما) تجسدها جملة: "وجود الرجُل الآخَر أربك كل التسميات. لم يعد الحق في تسمية الأشياء حصريًّا لهذا الواقف في نافذته شاهدًا على تجربة رجلٍ غريبٍ مع الموت".
     اللعبة الأكبر التي نجد أنفسنا متورطين فيها بين جدران هذه المجموعة ترتسم بين قصص (شارعٌ لا يعبره الغرباء) و(قصة قصيرة أخرى) و(عزيزي السيد حاتم حافظ). عنوان المجموعة هو عنوانٌ للمقطوعة الموسيقية الأشهر بين أعمال موتسارت Eine kleine Nachtmusik أو السيرينادة الثالثة عشرة. هي مقطوعةٌ فرِحةٌ في سلّم (صول الكبير)، وموسيقى السلم الكبير فرِحة الطابَع بشكلٍ أساسي. يحاول بطل قصة (شارع لا يعبره الغرباء) أن يستمتع بها منفردًا لكن زوجته وضيوفه لا يسمحون له بذلك، وحين ينتظر أن يختار ضيفُه موسيقى من مكتبته العامرة يختار أغنية (غريبة منسية) لنجاة الصغيرة، بكلماتها الحزينة الميلودرامية إذا جاز التعبير، ولحن (كمال الطويل) من مقام (النهاوند) وتعريجه على (الحجاز) في جملة (عيون حزينة وبال مشغول) ثُمّ (الهُزام) في كوپليه (بقى لي زمان حبايبي مشغولين عنّي)، مما يجعله واحدًا من أوفر الألحان العربية نصيبًا من الحُزن! البطل الذي لا يستسيغ اختيار ضيفه في سِرِّه، والراوي الذي يشاركه شعورَه هذا يضعاننا كمُتلقّين في قلب مفارقةٍ بين الزهد في الكلام الميلودرامي لأغنية (نجاة) والإفاضة في الكلام والتأمل اللغوي في هذه القصة وفيما سواها. ويظهرُ أنّ هذا (الإمعان في الكتابة) هو محاولةٌ لتحييد الميلودراما المبتذلة التي يفرضها العالَم على القاصّ/ البطل/ صاحب البيت، طالما أن الموسيقى الخالصةَ غيرُ ممكنة!
     يقنعنا القاص كما يقنع بطل قصته بأن سيرينادة موتسارت لها اسمٌ سلوفينيّ، ويبدأ البطل في تخيل سيناريو لعشيقةٍ سريةٍ سلوفينيةٍ لـ(موتسارت) تمشي في جنازته، ويتقاطع هذا السيناريو بشكلٍ غامضٍ مع حكايةٍ فرعيةٍ عن ابنة الضيفين التي تركت منزل أبويها ومات حصانها السلوفيني! نكتشف في (قصة قصيرة أخرى) أن كل ذلك كان خدعةً كبيرةً، فلم يكن هناك اسمٌ سلوفينيٌّ لسيرينادة موتسارت من الأساس (وهي الحقيقةُ التي حيّرتني كقارئٍ مع القراءة الأولى للمجموعة)، وإنما هي وسوسةُ الكاتب لشخصياته، في استرسالٍ صارخٍ للميتا-سَرد، تَبرُز من خلاله نزعةُ اللايقين التي حدّثَتنا عنها (پاتريشيا ووه) في بداية هذا المقال! 
     أما في (عزيزي السيد حاتم حافظ) التي تمثل رسالةً من قارئٍ ما إلى القاصّ، فهناك امتعاضٌ من كاتب الرسالة من السُّلطة التي يمارسها القاص على شخصياته واعترافه بتصليله تلك الشخصيات. وفي ثنايا الرسالة قصةٌ تبدو كأنها قصةٌ لكافكا يرويها الأبُ بدلاً من الابن الثائر. واستنادًا إلى ظاهرة تفكيك السُّلطة البادية في هذه المجموعة (انتهاب خصوصية وحصانة الكاتب/ ثورة الشخصيات على مبدعها/ فضح ألاعيب الكاتب بشكل صارخ)، يمكن أن نقول إنّ هذه الرسالة الأخيرة هي فرصةٌ عادلةٌ يمنحها (حاتم حافظ) للأب ممثل كل سُلطة ممكنة ليعبّر عن وجهة نظره.
     لا يفوتُنا أن نلقي الضوء على ثلاثة أدوارٍ مهمّةٍ تلعبُها المرأة بين أدوارها المختلفة في هذه المجموعة. الأول هو دور المُحَرِّضة المُغوِية في (الجثة) حيث الجارة التي وسوست بشكلٍ ما للبطل أن يقتُل لإيجاد جثة يكتبُ عنها قصةً، وينتظرُ الكاتبُ منها أن توسوس لكاتبٍ آخر بشيءٍ مماثل. وهي امرأةً لا تظهرُ في الحقيقة إلا مرةً واحدةً في نهاية القصة كأنها (هتشكوك) مؤنّثٌ فضّل أن يُتحِفنا بظهورٍ عابرٍ cameo appearance في أحد أفلامه! المرأةُ هنا مُخرجةُ المشهد الماكرة!
     الثاني هو دور المرأة التي يتأرجح وجودها بين الحقيقة والخيال، وهي ابنةُ الضيفين صاحبة الحصان السلوفيني/ العشيقة السرّية السلوفينية لموتسارت في (شارعٌ لا يعبره الغرباء). إنها المحور شديد اللطف لدوران أحداث هذه القصة، حتى أنها للطافتها وافتقارها إلى الجسد تذكّرني بمفهوم (الاختلاف المُرجئ) عند (دريدا)! السياقُ يفرض هذا التذكير في الحقيقة، لأنها – كالاختلاف المرجئ في فلسفة دريدا – تمنحُ الأحداثَ حقَّ الوجود دون أن يكون لها هي نفسِها وجودٌ ملموس!
     الثالث هو دور البطلة (نورا) في (قصةٌ قصيرة) حيثُ تبدأ شخصيةً غائمةً ابتكرها القاصّ بديلاً عن شخصٍ ذكَر (عامر)، وتتدرّج في التجسُّد حتى تثور في النهاية على مبدعها (حاتم حافظ) وتقرر لنفسها حق اختيار الملاءة الزرقاء، لتدفع القاصّ إلى أن يدير جدلاً حول حدود الاختيار بينه وبينها وبين الله، وكأننا في نقاشٍ حول مستويات الخَلق، وهو في الحقيقة نقاشٌ يحتدمُ بالضرورة في عالَم الميتا-سَرد كما تُخبرنا (پاتريشيا ووه) وغيرُها. لا يخفى أنّ اسم البطلة يحيلُنا ضمنيًّا إلى مسرحية (بيت دمية) لهنريك إبسن حيث تثور المرأة على وضعها الاجتماعي. أمّا هنا، فإن (نورا) تتجاوزُ ما فعلته في عالَم (إبسن) وتتصالحُ ضمنيًّا مع وضعها الاجتماعي حين تقرر ألاّ تترك الرسالةَ لأمّها وألاّ تهرب من بيت الزوجية، لكنّها تبدأ ثورةً أهدأ، ربما على تراتُبيّةٍ كونيةٍ وجدت نفسها محكومةً بها كشخصيةٍ مخلوقةٍ في قصةٍ قصيرةٍ غُفلٍ من الأسماء (فاسمُها ببساطةٍ: قصة قصيرة)!
     قبل النهاية، تَجدُر الإشارة إلى اختيار القاصّ (سلوفينيا) و(بوليفيا) في قصّتي (شارع لا يعبره الغرباء) و(عزيزي السيد حاتم حافظ). دولتان هامشيتان في النظام العالمي القائم، مع كامل الاحترام لشعبيهما! ربما هو اختيارٌ واعٍ يلفت به الكاتب انتباه المتلقّين للهامش إجمالاً، ويعكس انحيازَه لهذا الهامش.
     ختامًا، هذا عملٌ أدبيٌّ متشابكٌ مُحيلٌ إلى ذاته. يتحقق فيه السرد على مستوياتٍ عِدّة، أبسطها الواقع وأعقدُها الإمعانُ في الكتابة للهروبِ من ضرورة مجابهة الواقع، ورغم سطوة وعي الكاتب بذاته وبموضوعه، يؤصّل لديمقراطيةٍ ما من خلالِ منح السلطةِ التي يقاومُها فرصة التعبير عن نفسها. حاول الكاتبُ أن يستمتع بموسيقى فرِحةٍ لليلةٍ قصيرةٍ، لكنّ ميلودراميةَ العالَم لم تسمح له بذلك، فأمعن في الكتابة، ولم يُبقِ لنا من الموسيقى إلا اسمَها، ماثلاً أمامنا في العنوان!    
................    
 محمد سالم عبادة

11 فبراير 2017
......
نُشِرَت في صحيفة (أخبار الأدب) في 30 أبريل 2017