Loading...

Friday, 5 May 2017

الإمعانُ في الكتابة: قراءة في المجموعة القصصية (موسيقى لليلة قصيرة) لحاتم حافظ

في مقدمة كتابها المؤسِّس (الميتا-سَرد: النظرية والتطبيق في الأدب الواعي بذاته) تقول (پاتريشيا ووه): "بشكلٍ ما، يتّكئُ الميتا-سرد على نسخةٍ من مبدأ عدم التأكُّد لهايزنبرغ، فحواها أنّه بالنسبة لأصغر الوحدات البنائية المكوِّنة للمادة، تتسبب كلّ محاولةٍ للرصد في اضطرابٍ ما في طبيعة المرصود". وبالتالي فإنه لا يمكن التحقق من وجود عالَمٍ موضوعيٍّ مفارقٍ لعين الراصد.
     هذا ما يتجلى في المستوى الأعقد من السّرد في هذه المجموعة القصصية التي بين أيدينا. المجموعة هي الثانية لمؤلفها (حاتم حافظ) والتاسعة بين إصداراته المتنوعة بين الرواية والقصة والمسرحية والمقالات البحثية. وليكون كلامنا مفهومًا عن مستوىً ما من السرد فعلينا أولاً أن نبدأ من حيث انتهت قراءة المجموعة: السرد هنا يتحقق في ثلاثة مستويات. أبسطها هو مستوى الواقع، وفوقه مستوى الحلم، وفوق الاثنين – وربما في مكانٍ محايدٍ يراهما معًا ويسخر منهما ومن العالَم ومن السرد نفسه- مستوى الكتابة!
     أما المستوى الأبسط (الواقع) فإنه يوجد بكثافة في قصتين هما (الأربعيني) و(شاي بالنعناع). أهدى الكاتب ثانيتهما إلى الراحل (إبراهيم أصلان)، وفي هذه الثانية فقط يوجد البطل البسيط الذي لا يقف ليفكر في أفعاله ثم ليفكر في التفكير أكثر ممّا (يفعل)! فقط في (شاي بالنعناع) يوجد ما يشبه (الراوي العليم) الذي لم يمنحنا قِصَر القصة فرصةً للاطّلاع على كل ما يَعلَمه. وربما لهذين السببين – وربما لسببٍ آخر لا أعرفه – أُهدِيَت هذه القصة دون سواها إلى كاتبٍ كبيرٍ راحلٍ، لتكون شكلاً من أشكال التواصل مع طريقةٍ راسخةٍ في السرد سلكها الآباء الراحلون كإبراهيم أصلان وخيري شلبي وغيرهما للتعبير عن هموم البسطاء في نصوعٍ يتناسبُ ونصوعَ خبرة هؤلاء البسطاء بالحياة، ولتكون في الوقت ذاته إعلانًا عن تدشين سردٍ جديدٍ في غير هذه القصة، يعتزم الكاتبُ أن يسلُكه بعيدًا عن طرائق الآباء.
    في (الأربعيني) يوجد واقعٌ أيصًا لكنّه واقعُ النخبة المثقفة/ المعقَّدة بالضرورة. العنوان – بما له من دلالةٍ في الوعي الجمعي تفترضُ وصولاً إلى الحكمة واقترابًا من عتبة النبوّة المنصوبة على سنّ الأربعين – يتراسل مع المحتوَى المقسّم إلى عشرة مقاطع متفاوتة الطول، تصف لحظاتٍ مختلفةً من الحوار الدائر على مقهىً بين شخصين ربما يكون أحدهما مجرّد آخر خيالي جرّده الكاتبُ من ذاتِه. المهم أنّ الحوار يصل دائمًا إلى نقطة الاحتفاء بالحَيرة والركون إلى الكآبة: "لا نكونُ أشخاصًا جيّدين لمجرد أننا نفعل أشياء جيّدةً بين الحين والحين"/ "المأساة الحقيقية تتلخص في أن العالَم لم يعد يسمح لنا بأن نستمتع بأوقات اكتئابنا"/ "ليس صحيحًا أن المعصية هي الخطيئة الأصلية، فالأحرى أنّ الوجود نفسه هو خطيئة هذا الكائن"/ "لم تعد حتى الإجابات الصعبة مناسبة للأسئلة السهلة". فهنا اللايقين هو النبوّة المرتبطة بسنّ الأربعين التي وصل إليها البطل، فهي نبوّةٌ غنوصيّةٌ أو سالبةٌ إن جاز التعبير، ربما تمتاح من بئر الإرث الغنوصيّ الحائر الموجود في مدارس التصوّف ولا سيّما الإسلامية (كالدعوة التي ينسبُها ابنُ عربيّ إلى النبي عليه الصلاة والسلام والتي ترفضُ نسبتَها فِرَقٌ إسلاميةٌ كثيرة : "اللهمّ زِدني فيكَ تَحَيُّرا"). ولا يمكن إغفال تراسل حالة الديالوج القائمة في كل المقاطع مع الدعوة القرآنية للتفكير: "قل إنما أعظُكُم بواحدةٍ أن تقوموا للهِ مثنى وفُرادى ثُمّ تتفكروا"، إذ إنّها ربما تخلقُ في المتلقي استعدادًا للتحاور مع النص وتأهُّبًا لتجريدِ آخرَ مِن نفسه على غرار ما يمكن أن يكون الكاتبُ قد فعلَه.
     مستوى (الحُلم) يضم ستّ نصوص متتالية هي (اتفاق/ خُضرة مدهشة/ الشيء الذي حدث/ إنسانية/ لجنة التحقيق/ الحرب). يعمد الكاتب في الأولَيَين إلى الديباجة الأشهر لسرد الأحلام "رأيتُني..."، ثُمّ يغفلها فيما يتلوهما، لكنّ لوازم أسلوبيةً بعينها، وفانتازيةً صارخةً في بعض الأحداث تُحيلُنا إلى عالَم الأحلام. فمن اللوازم المشار إليها التنكير المصاحب للمفردات الأساسية في الحدَث: "كنتُ وسطَ رحلةٍ ما في الصحراء/ جلستُ أمامَ لجنة تحقيق. كنتُ مديرَ تحرير موقعٍ ما في دولةٍ أوربية/ وجدتُني وسط حربٍ أهليةٍ لا أعرفُ أطرافَها ولا أعرفُ إلى أي طرفٍ أنحاز" وهو ما يضفي إبهامًا حُلميًّا على الأحداث من البداية. أمّا الفانتازية فكما في (الشيء الذي حدث): "حين اتسع مشهد موقف السيارات أمامي فوجئتُ برجالٍ ونساءٍ كثيرين كلهم يمارس الحب وكانوا جميعًا بكامل ملابسهم وأناقتهم". وهو مشهدٌ يذكّرني بالعالَم السينمائي الكابوسي لـ(ستانلي كيوبْرِك). في تقديري أن هذه النصوص هي محاولةٌ من الكاتب للإفلات من قبضة وعيه المفرط بالكتابة (والتي سنتحسسها معًا بعد قليل)، فهو يسلم نفسه لطزاجة الخبرة الحُلمية دون كثيرِ تدخُّلٍ منه فيما يبدو، ويدعُنا نطّلعُ على همومه الشخصية دون أن تُنضِجها نارُ القلَم إذا جاز التعبير، والتي من بينِها بالتأكيد السعيُ للوصول إلى مشترَكٍ إنسانيٍّ رَحبٍ مع المختلفين فكريًّا كما في (إنسانية)، والحيرةُ أمام حماقة الجنس البشري وعنفه المفرط كما في (الحرب)، والهَمّ الوطني الآنِيّ كما في (الشيء الذي حدث) حيث يقول: "لماذا اخترتم للثورة أن تكون في برج الدلو؟ لماذا؟!" إلى غير ذلك مما أدَعُ للقارئ محاولة اكتشافه.
     أما مستوى (الكتابة) أعقد المستويات الذي صدّرنا المقال بالإشارةِ إليه، فهو في رأيي المستوى الغالبُ على هذه المجموعة. يبدأ ضمنيًّا مع القصة الافتتاحية (المساء والسهرة)، حيثُ البطل مصابٌ بمرضٍ يمنعه من مغادرة الفِراش إلاّ قليلاً – ربما لتجنُّب الإصابة بقُرَح الفِراش!- ونشهد تفاعُلَه مع عالَمَين أحدهما حميمٌ تمثَله زوجته التي تساعده على الحركة وتقوم عليه، والآخَر بعيدٌ افتراضيٌّ تمثله المباراةُ التي يشاهدها في التليفزيون. هنا نشهد تفكيره في حدَث إحراز هدف المباراة في اللحظة الأخيرة، واسترساله في تصور سيناريوهات مختلفة لما حدث، وصولاً إلى سيناريوهات تتعلق بأعضاء اللجنة التي وضعت قوانين لعبة كرة القدَم! لسنا أمام بطلٍ بسيطٍ إذَن كما في (شاي بالنعناع)، وأجازف بقول إنه ما من سبيلٍ للاسترسال في تصور السيناريوهات البديلة بهذا الشكل إلا بمصاحبة قلَمٍ وورقة! إنه بطلٌ كاتبٌ وإن لم يكتب حرفًا في هذه القصة، حتى أنّ سيناريوهاته تلك تتقاطع مع حدَث هدف المباراة بشكلٍ لا يخلو من قصدية، فعضو اللجنة الذي "يأتي في اللحظة الأخيرة يرفع يدَه أو لا يرفعها فيتحدد قانون اللعبة كلُّه" هو نفسه اللاعبُ الذي سجّل الهدف في اللحظة الأخيرة من المباراة. ما يميّز هذه القصة عن بقية قصص (مستوى الكتابة) هو نهايتها المتفائلة المحبِّذة للفعل الإنساني، فالبطل الذي يشعر بإثارةٍ حسّيّةٍ تجاه زوجتِه رغمَ مرضِه يستدعي إصرار اللاعب على أن يحاول التسديد في اللحظة الأخيرة فربّما يحالفُه الحظ. يحيلني النص إلى جملةٍ في رواية (الجريمة والعقاب) قالها البطل (راسكولنيكوف): "لو أنّ كُلَّ شيءٍ تُرِكَ للعناية الإلهيةِ ابتداءً لما كان هناك فعلٌ لأي شيء!".
     مع متابعة مستوى (الكتابة) نجد الإحالاتِ إلى نصوصٍ أدبيةٍ عالميةٍ مؤثرةٍ أكثر تجسُّدًا وصراحةً، ففي (الجثّة) يحيلنا القاصّ إلى مسرحية (أميديه/ أو: كيف نتخلَص منها؟) لـ(يوجين أونسكو) في بداية القصة، ويرسم موقفًا مشابهًا لكنه يلفت أنظارنا إلى أن الكاتب البطل هنا يعرفُ من أين جاءت الجثة بخلاف مسرحية أونسكو. في تقديري أنّ هذه الجملة البسيطة تحملُ إشارةً إلى إرهاصات تيارٍ في الكتابة الأدبية/ المسرحية ربما يكون من اللائق أن نسميه (ما بعد العبث)، يتشارك مع تيار العبث في وجود الحدث العبثي، لكنّه بخلافه يُقرّ بمعرفة جذور ذلك الحدث، حيث يتنحى السؤال المعرفيُّ تمامًا (مِن أين؟) ليفسح المجالَ للوجودي (ماذا نفعلُ الآن؟). وفي تقديري أن هذا التيار (ما بعد العبث) هو بالضرورة أقلّ تشاؤميةً كما أنه ربما يحصر العبث في (عبث مجتمعي) قابلٍ للتعامل معه، لا عبثًا كونيًّا فوق طاقة البشر. رجوعًا إلى قصتنا نجدُ البطل "لم يكن بمقدوره استعادة لحظة القتل ولا تذكر التفاصيل/ علينا مشاركته التفكير في الجثة التي لم يعد هو أو نحن في حاجةٍ لوجودها في هذا المكان أو في أي مكانٍ آخر". هو موقفٌ يشبه منطلقات العلاج المعرفي السلوكي حيث المعالِج والمريضُ يبدآن من هنا والآن Hic et Nunc! ثَمّ إحالةٌ أخرى هنا إلى رواية (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي، كأنّ استمراءَ بطل هذه الأخيرة لقتل المرأة العجوز التي تمثّل في تصوره كيانًا طفيليًّا ضارًا بالمجتمع كان دافعًا لبطل قصتنا لاستمراء قتل صاحبة الجثّة ليكتب عنها قصة! المهم أنّ هناك حالةً من الإيغال في التأمل اللغوي من جانب البطل الكاتب/ القاتل، تضفي حيادًا ساخرًا على الموقف الذي تُفترَض فيه الكارثيّة، ويعضّد هذا الحيادَ بحثُ البطل عن آخرين (زوجته ثم أمّه) ليشاركوه العلم بوجود الجثة في بيته لعلّ هذا يخفف المشكلةَ عن كاهلِه، وهو في هذا البحثِ يمارسُ الكتابةَ أيضًا بشكلٍ ضمني، فإذا كانت الكتابة/ اللغة أساسًا وسيلةً للتواصل، فإن وجود الآخرين ومعرفتهم بالمشكلة هو تواصلٌ مباشر يحاول أن يتغلب على كارثية الموقف هو الآخَر. تخلق هذه الاختيارات من قِبَل القاصّ حالةَ (إمعانٍ في الكتابة) كأن الكتابة بديلٌ عن الفعل، وبالتالي هروبٌ من الاضطرار للفعل.
     هذا الإمعان في الكتابة يحدثُ أيضًا في (فردة حذاء ثانية)، ممتزجًا بظلالٍ من ممارسة البصبصة voyeurism حيث يتابع البطل من خلال نافذته رجلاً يحاول عبور الشارع الخطِر، وهو ما يذكّرني بفيلم (النافذة الخلفية) The Rear Window بشكلٍ شخصي. هنا نجدُ الكتابة متماهيةً مع رغبةٍ دفينةٍ في نكوصٍ طفوليٍّ إلى رؤية العالَم من زاويةٍ واحدة (مثاليةٍ ذاتيةٍ ما) تجسدها جملة: "وجود الرجُل الآخَر أربك كل التسميات. لم يعد الحق في تسمية الأشياء حصريًّا لهذا الواقف في نافذته شاهدًا على تجربة رجلٍ غريبٍ مع الموت".
     اللعبة الأكبر التي نجد أنفسنا متورطين فيها بين جدران هذه المجموعة ترتسم بين قصص (شارعٌ لا يعبره الغرباء) و(قصة قصيرة أخرى) و(عزيزي السيد حاتم حافظ). عنوان المجموعة هو عنوانٌ للمقطوعة الموسيقية الأشهر بين أعمال موتسارت Eine kleine Nachtmusik أو السيرينادة الثالثة عشرة. هي مقطوعةٌ فرِحةٌ في سلّم (صول الكبير)، وموسيقى السلم الكبير فرِحة الطابَع بشكلٍ أساسي. يحاول بطل قصة (شارع لا يعبره الغرباء) أن يستمتع بها منفردًا لكن زوجته وضيوفه لا يسمحون له بذلك، وحين ينتظر أن يختار ضيفُه موسيقى من مكتبته العامرة يختار أغنية (غريبة منسية) لنجاة الصغيرة، بكلماتها الحزينة الميلودرامية إذا جاز التعبير، ولحن (كمال الطويل) من مقام (النهاوند) وتعريجه على (الحجاز) في جملة (عيون حزينة وبال مشغول) ثُمّ (الهُزام) في كوپليه (بقى لي زمان حبايبي مشغولين عنّي)، مما يجعله واحدًا من أوفر الألحان العربية نصيبًا من الحُزن! البطل الذي لا يستسيغ اختيار ضيفه في سِرِّه، والراوي الذي يشاركه شعورَه هذا يضعاننا كمُتلقّين في قلب مفارقةٍ بين الزهد في الكلام الميلودرامي لأغنية (نجاة) والإفاضة في الكلام والتأمل اللغوي في هذه القصة وفيما سواها. ويظهرُ أنّ هذا (الإمعان في الكتابة) هو محاولةٌ لتحييد الميلودراما المبتذلة التي يفرضها العالَم على القاصّ/ البطل/ صاحب البيت، طالما أن الموسيقى الخالصةَ غيرُ ممكنة!
     يقنعنا القاص كما يقنع بطل قصته بأن سيرينادة موتسارت لها اسمٌ سلوفينيّ، ويبدأ البطل في تخيل سيناريو لعشيقةٍ سريةٍ سلوفينيةٍ لـ(موتسارت) تمشي في جنازته، ويتقاطع هذا السيناريو بشكلٍ غامضٍ مع حكايةٍ فرعيةٍ عن ابنة الضيفين التي تركت منزل أبويها ومات حصانها السلوفيني! نكتشف في (قصة قصيرة أخرى) أن كل ذلك كان خدعةً كبيرةً، فلم يكن هناك اسمٌ سلوفينيٌّ لسيرينادة موتسارت من الأساس (وهي الحقيقةُ التي حيّرتني كقارئٍ مع القراءة الأولى للمجموعة)، وإنما هي وسوسةُ الكاتب لشخصياته، في استرسالٍ صارخٍ للميتا-سَرد، تَبرُز من خلاله نزعةُ اللايقين التي حدّثَتنا عنها (پاتريشيا ووه) في بداية هذا المقال! 
     أما في (عزيزي السيد حاتم حافظ) التي تمثل رسالةً من قارئٍ ما إلى القاصّ، فهناك امتعاضٌ من كاتب الرسالة من السُّلطة التي يمارسها القاص على شخصياته واعترافه بتصليله تلك الشخصيات. وفي ثنايا الرسالة قصةٌ تبدو كأنها قصةٌ لكافكا يرويها الأبُ بدلاً من الابن الثائر. واستنادًا إلى ظاهرة تفكيك السُّلطة البادية في هذه المجموعة (انتهاب خصوصية وحصانة الكاتب/ ثورة الشخصيات على مبدعها/ فضح ألاعيب الكاتب بشكل صارخ)، يمكن أن نقول إنّ هذه الرسالة الأخيرة هي فرصةٌ عادلةٌ يمنحها (حاتم حافظ) للأب ممثل كل سُلطة ممكنة ليعبّر عن وجهة نظره.
     لا يفوتُنا أن نلقي الضوء على ثلاثة أدوارٍ مهمّةٍ تلعبُها المرأة بين أدوارها المختلفة في هذه المجموعة. الأول هو دور المُحَرِّضة المُغوِية في (الجثة) حيث الجارة التي وسوست بشكلٍ ما للبطل أن يقتُل لإيجاد جثة يكتبُ عنها قصةً، وينتظرُ الكاتبُ منها أن توسوس لكاتبٍ آخر بشيءٍ مماثل. وهي امرأةً لا تظهرُ في الحقيقة إلا مرةً واحدةً في نهاية القصة كأنها (هتشكوك) مؤنّثٌ فضّل أن يُتحِفنا بظهورٍ عابرٍ cameo appearance في أحد أفلامه! المرأةُ هنا مُخرجةُ المشهد الماكرة!
     الثاني هو دور المرأة التي يتأرجح وجودها بين الحقيقة والخيال، وهي ابنةُ الضيفين صاحبة الحصان السلوفيني/ العشيقة السرّية السلوفينية لموتسارت في (شارعٌ لا يعبره الغرباء). إنها المحور شديد اللطف لدوران أحداث هذه القصة، حتى أنها للطافتها وافتقارها إلى الجسد تذكّرني بمفهوم (الاختلاف المُرجئ) عند (دريدا)! السياقُ يفرض هذا التذكير في الحقيقة، لأنها – كالاختلاف المرجئ في فلسفة دريدا – تمنحُ الأحداثَ حقَّ الوجود دون أن يكون لها هي نفسِها وجودٌ ملموس!
     الثالث هو دور البطلة (نورا) في (قصةٌ قصيرة) حيثُ تبدأ شخصيةً غائمةً ابتكرها القاصّ بديلاً عن شخصٍ ذكَر (عامر)، وتتدرّج في التجسُّد حتى تثور في النهاية على مبدعها (حاتم حافظ) وتقرر لنفسها حق اختيار الملاءة الزرقاء، لتدفع القاصّ إلى أن يدير جدلاً حول حدود الاختيار بينه وبينها وبين الله، وكأننا في نقاشٍ حول مستويات الخَلق، وهو في الحقيقة نقاشٌ يحتدمُ بالضرورة في عالَم الميتا-سَرد كما تُخبرنا (پاتريشيا ووه) وغيرُها. لا يخفى أنّ اسم البطلة يحيلُنا ضمنيًّا إلى مسرحية (بيت دمية) لهنريك إبسن حيث تثور المرأة على وضعها الاجتماعي. أمّا هنا، فإن (نورا) تتجاوزُ ما فعلته في عالَم (إبسن) وتتصالحُ ضمنيًّا مع وضعها الاجتماعي حين تقرر ألاّ تترك الرسالةَ لأمّها وألاّ تهرب من بيت الزوجية، لكنّها تبدأ ثورةً أهدأ، ربما على تراتُبيّةٍ كونيةٍ وجدت نفسها محكومةً بها كشخصيةٍ مخلوقةٍ في قصةٍ قصيرةٍ غُفلٍ من الأسماء (فاسمُها ببساطةٍ: قصة قصيرة)!
     قبل النهاية، تَجدُر الإشارة إلى اختيار القاصّ (سلوفينيا) و(بوليفيا) في قصّتي (شارع لا يعبره الغرباء) و(عزيزي السيد حاتم حافظ). دولتان هامشيتان في النظام العالمي القائم، مع كامل الاحترام لشعبيهما! ربما هو اختيارٌ واعٍ يلفت به الكاتب انتباه المتلقّين للهامش إجمالاً، ويعكس انحيازَه لهذا الهامش.
     ختامًا، هذا عملٌ أدبيٌّ متشابكٌ مُحيلٌ إلى ذاته. يتحقق فيه السرد على مستوياتٍ عِدّة، أبسطها الواقع وأعقدُها الإمعانُ في الكتابة للهروبِ من ضرورة مجابهة الواقع، ورغم سطوة وعي الكاتب بذاته وبموضوعه، يؤصّل لديمقراطيةٍ ما من خلالِ منح السلطةِ التي يقاومُها فرصة التعبير عن نفسها. حاول الكاتبُ أن يستمتع بموسيقى فرِحةٍ لليلةٍ قصيرةٍ، لكنّ ميلودراميةَ العالَم لم تسمح له بذلك، فأمعن في الكتابة، ولم يُبقِ لنا من الموسيقى إلا اسمَها، ماثلاً أمامنا في العنوان!    
................    
 محمد سالم عبادة

11 فبراير 2017
......
نُشِرَت في صحيفة (أخبار الأدب) في 30 أبريل 2017

Monday, 10 April 2017

مِن الغربة وإليها: قراءة في المجموعة القصصية (في بيت مصّاص دماء) لـ(سمر نور)

    
 "يقولونَ إنّ العينَ مرآةُ الرُّوح، وإن صدقَت تلك المقولةُ فالعالَم لا يرى سوى نصف رُوحي في الواقع".
     في هذه الجملة على لسان البطلة في قصة (أذنٌ ترى وعينٌ تسمع) تختزنُ (سمر نور) الغُربة التي تبسطُها في اثنتي عشرة قصّةً هي محتويات هذه المجموعة. إنها الغربةُ التي تتمترسُ بها شخصياتُها في مواجهة العالَم، ثم تقلب هذه الشخصيات لذواتِها ظَهرَ المِجَنّ – كما يقول المثَل العربي – فتعاني هذه الغربةَ ولا تجد منها مفرًّا رغم السعي الدءوب للفرار في الفنّ وعلاقات الحب وفي الدين، وتظلّ شخصياتُ (سمر) متأرجحةً بين الاحتماء بالغربة والفرار منها، إلى أن تتجمع خيوطُ هذه الشخصيات في بطلة القصة الأخيرة (ابنة صانع التوابيت) التي تتصالح مع الفَناء وتستسلم للموت لتكتمل دائرةُ الوجود الإنساني المُغلَقَة بأختامٍ إلهيةٍ لحمتها وسداها الغُربةُ كما عبّر عنها المعرّي: "وهل يأبَقُ الإنسانُ مِن مُلكِ رَبِّهِ .. فيَخرُجَ من أرضٍ لهِ وسماءِ؟!".
     القصة الأولى (غرفةٌ تخصُّ صبري وحدَه) تحيلُني بشكلٍ شخصيٍّ إلى رواية (القمر وسِتة بنسات) لسومرست موم، التي صوّر فيها حياة التشكيلي (بول جوجان) ونقلها إلى اسمٍ مستعار (تشارلز سْترِكْلاند). إننا نجد مشهد البطلة التي ترتاع من حائط الغرفة الفقيرة المنقوش برسومٍ دقيقةٍ شديدة الجمال هنا، ونجدُ البطل الراوي عند (موم) يرتاعُ لنفس المشهد بالضبط، مع فارق أنّ (صبري) نقّاش في بيئة شعبية هجر السعي للقمة العيش إلى العكوف على فنّه في دأبٍ عنيدٍ يذكّرُنا بجُملة (ستركلاند) التي تشبهُ الوسواس القهري: "I have to paint عليَّ أن أرسُم"! الفن هنا جِنٌّ يتلبس البطل حتى يودي بحياته في عُرف المحيطين به، والراوية متماهيةٌ معه تمامًا حتى أن حبل المشنفة المدلَّى من سقف غرفته يطاردها حيثما حلّت، بعد مُضِيّ عشرين عامًا على انتحاره.
     يصبح الفن محاولةً للإمساك باليقين في القصة الثانية (ساندوتش وسيجارة): "الكمان المنفعل يعلو بنعومة فوق صوت الضجيج المتحكم في رأسي. لا أسمعه بالطبع لكنني في احتياج إلى اليقين من أية فكرة تعبر رأسي بين هذا الضجيج المشكوك في أمره"، لكنّ الموسيقى تظل مثيرةً لمزيدٍ من الفوضى في رأس البطلة الراوية في غيبة كلمات الأغنية، ولا يصبح قرارها واضحًا إلا مع نهاية القصة حين تتذكر الكلمات من أغنية فريق (مشروع ليلى): "قوم نحرق ها المدينة ونعمّر واحدة أشرف" حيث تقرر تحدّي كل سلطات القهر مجتمعةً – ضباط القِسم والعريس والأعراف المجتمعية – وتشتري علبة سجائر وساندوتش للفتاتين المحتجزتين في التخشيبة. هذه الحالة من فوضى الموسيقى التي لا تكتسب جسدًا/ يقينًا حقيقيًّا إلا مع الشِّعر تذكرنا بـ(صورة دوريان غرِاي) لأوسكار وايلد، حيث وصف (وايلد) لطبيعة الأفكار التي سيطرت على عقل (دوريان) بعد لقائه الأول بـ(لورد هنري) بأنها كانت واضحةً وضوح الشعر لا فوضويةً كالموسيقى! الشاهد أن اللياذ بالفن هنا كان جوهر الغربة، وكان محاولةً للفرار منها كذلك، اكتمل تمامًا بتجسُّد كلمات الأغنية الثورية في وعي البطلة الراوية.
     القصة الثالثة التي تحمل عنوان المجموعة تستنزل فانتازيا مصّاصي الدماء إلى الحياة الواقعية لرُفقة عددٍ من الصديقات في مطبخ إحداهُنّ، وتحتفي بالغربة من خلال رفض البطلة مبدأ التحول إلى مصّاصة دماءٍ لتحافظ على بقائها، فيتماهى مفهوما النُّبل والغُربة تمامًا في هذه القصة.
    أما في (ثالثهما الديناصور الأخير) فالغُربة ماثلةٌ بقسوتها ونهائيتها حتى في مشروع العلاقة الحميمة مع الجنس الآخَر، فـ(عُمَر) يضع قناع مرَحِه و(ليلى) تضع قناع توهجها، ويصاحب كلٌّ منهما ديناصورًا أخيرًا يحسبُه كلٌّ منهم صديقَه السّرّي الذي لا يراه غيرُه، وهو نفس الديناصور! المدهش في العنوان هو اتكاؤه على الحديث النبوي الذي رواه الترمذيّ وأحمد وغيرهما: "ألا لا يخلُوَن رجلٌ بامرأةٍ إلا كان ثالثهما الشيطان". هنا يترك الشيطانُ مكانَه - بما يرمز إليه من شغَفٍ حسّيٍّ وتمرُّدٍ على المفروض في الوعي الجمعي – للديناصور بما يرمز إليه من انقراضٍ محتومٍ فضلاً عن غربته بعد فناء جنسِه! تمارس الكاتبة شكلاً سرديًّا من أشكال التغريب في نهاية القصة حين تقول: "ففرح ثالثُهما الجالس على مسندي الكرسيين بينهما وفكّر أنه جائعٌ وأنّ الويكيبيديا تقول: (الديناصور المصري من أكلة اللحوم) وأن عليه أن يتعشى الآن، حتى وإن كان ذلك بدماء صديقه وصديقتِه". هنا يتخذ التغريبُ شكلَ كسرِ الإيهام، حيث يلجأ كائنُ الغربةِ هذا   Spinosaurus Aegyptiacus إلى ويكيبيديا ليعرف ما يتعين عليه فعله في ختام القصة! وهو ما يضع المتلقّي في مواجهة النّصّ باعتباره كيانًا غريبًا عنه – فهو يَفصِلُه عن الذوبان في أحداث القصة – مما يحقق الغربة على كل الأصعِدة في النهاية.
     في مواجهة القصة الثانية (ساندوتش وسيجارة) التي تتميز بوضوح مشاهدها بشكلٍ مُغرٍ تمامًا لكُتّاب السيناريو لتحويلها إلى نصٍّ سينمائي، تأتي القصة الخامسة (مقعد في الأوتوبيس) مكتنزةً بالاستدراكات الموضوعة بين أقواسٍ بطول النّصّ، كما في: "تملأُني رغبةُ الانفجار في الضحك (استلقت الشمسُ ضحكًا داخل جمجمتي)"، في مغامرةٍ سرديّةٍ لـ(سمر نور) تنتمي إلى تيار الوعي كما نجدُه عند (فوكنر) مثَلاً، لكنّ الحرص على وضع هذه الاستدراكات بين أقواسٍ يجعلُهُ وعيًا مُرّكَّبًا بشكلٍ واضحٍ، وعيًا واعيًا بذاتِه إذا جاز التعبير، ولهذا لا تصبح مهمة كاتب السيناريو سهلةً في العمل على هذه القصة بالذات، خاصةً مع تعقُّد الأحداث وانتقالاتها الحادّة في الزمان والمكان في جوٍّ كافكاوي معبّر عن أزمة إنسان هذه اللحظة من الحياة ووعيه بحتمية مصيره كما في تنبُّؤ البطل/ الراوي بأنه يومًا ما سيصبح رئيس العمَل ذا الأذن الكبيرة الذي يطارد الفتيات الصغيرات مرءوساتِه ويتندّر به مرءوسوه! يحيلُني هذا إلى تصريح الشاعر (ويستن هيو أُودِن) بخصوص أهمية (كافكا) لتعبيره عن ورطة الإنسان المعاصر، فهكذا تأتي أهمية هذا النص لتعبيرِها من ثنايا جدليةِ شكلها ومضمونها عن ورطة الإنسان المصري المعاصر. يلاحَظ أيضًا أنّ المرّة الوحيدة التي اختارت فيها (سمر) هذا الشكل السردي من تيار الوعي، اختارت لها بطلاً رجُلاً بخلاف بقية قصص المجموعة. ربّما لتخرج بالمتلقي خارج افتراضاته المسبّقة عن إخلاصها لهّمٍّ نسويٍّ ما، إلى رحابة الهمّ الإنسانيّ وضيقِه في الوقت ذاتِه!
     تتواصل المغامرات السردية في (أذنٌ ترى .. عينٌ تسمَع) حيث البطلة الراوية عمياء تستعين بمبصِر ليرافقها في دروس الرقص وهو غير قادر على الرقص. وكذلك في (حفلة بينوكيو) حيث الراوي هو بينوكيو! تحيلنا هذه المغامرات مرّةً أخرى إلى (كافكا) الذي جَرُؤَ على أن يروي قصةً بلسان كلب! في (بينوكيو) تكسر (سمر) الحائط الرابع لتتواصل مع القارئ في بداية النص: "أرجو ألاّ ينزعج الجيران من صوت صفير منغَّم أُصدِره أثناء صعودي تلك البناية القديمة، علَّه يسلّيني ويسلّيكم حتى نصل إلى الهدف". في هاتين القصتين تجثُم الغربة على العلاقة بين الرجُل والمرأة كما في (وثالثهما الديناصور الأخير)، لكنّ (بينوكيو) في الثانية يحُلّ محَلّ الديناصور فيسمعُ الرجُل وقعَ خطواتِه الخشبية يتتبعُه ويصيبه بالصداع. بالطبع تَحضُر ظلالُ الشرط الوجوديّ الغريب لـ(بينوكيو) -كطفلٍ خشبيٍّ يكبرُ أنفُه كلّما كذب- هنا، لتحقن علاقة الرجل والمرأة بكل هذه الغرابة. تدَعُنا (سمر) نخمّن مصير هذه العلاقة في النهاية: "لن تظلَّ جالسةً في مكانِها، ولن يقفَ العُمر كلَّه خلف باب المقهى، الأبواب المُغلقَةُ دائمًا تُفتَح، ومن يرى نفسه في المرآةِ سيرى عالَمًا آخر لو أنه فقط اقتحم الجدار"، لكنّها تفرشُ لنا الطريق إليه بإشارات الخيبة من البداية. يتجاوبُ هذا مع جملةٍ في (أذنٌ ترى .. عينٌ تسمع) ربّما تلخّصُ بها رؤيتَها لوظيفة السرد وما يجبُ أن يكونَ عليه: "كلُّ ما نحتاجُه هو أن ننتشيَ في مساحةِ البوح رغم غياب المعنى، كمن يهوى السيرّ في الطرقات بلا هُدى".
    في القصص الأقصر تبزغ (أقنعةٌ عابرة) وحيدةً بين قصص المجموعة كما لو كانت نهايتُها منحوتةً في سلّمٍ موسيقيٍّ كبيرٍ فرِح! وقعة مرور الدرّاجة التي لوّثت بمياه البِركة الموحلة ملابس الرجُل والمرأة وأضحكت كل من شهدوا الوقعة وأضحكتهما "حتى عادت ملامحهما كما كانت في أوّل لقاء"، هذه الوقعة بمشهدها القصير للغاية تختزن كل الشوق إلى الفرَح الذي حُرِمَته قصص المجموعة.
     في القصة الأخيرة (ابنة صانع التوابيت)، تتحول الموسيقى التي كانت تداعب وعي الراوية في (ساندوتش وسيجارة) وتحاول التعلَّق بها كيقينٍ وحيدٍ ينقذها من السيولة الشاملة، تتحول إلى قُدس الأقداس في المعبد المُخيف، الذي تتوق البطلة الصغيرة إلى رؤيتِه. تدور الأحداث في زمنٍ فرعونيٍّ يهرب فيه الكاهن إلى قريةٍ ما ومعه أسرار التحنيط، ويحلم بأن يلقّنَها الصغيرةَ لتحنطه بعد وفاته وتضمن له الخلود. لكنّه يموت وهي تلقي نفسها بجواره في تابوته مستسلمةً للزوال وهي "تنبض بحياةٍ مؤقتةٍ في انتظار الموت".
     هذه المحاولة الأخيرة الفاشلةُ للهروب من الغربة إلى يقينٍ دينيٍّ متمثلٍ في قدس الأقداس وضمان الخلود، تذكّرُ من قرأ عددًا مِن مسرحياتِ (إبسن) في مجلَّدٍ واحدٍ بخَتمها في مسرحيته (البَنّاء العظيم) التي تجسّد نزوعًا روحيًّا إلى المُطلَق محكومًا كذلك بخيبة المسعى.
     بقي ألاّ نُغفِل جِدّة الصورة عند كاتبتِنا، والتي تُطِلّ من هنا وهناك كما في جُملةٍ من (حفلة بينوكيو): "ولن تشُدَّ وجهها كطبلةٍ تنتظرُ من يطبع شفتيه أو أصابعَه عليها بإيقاع القبلاتِ أو الصفعات". في تقديري أنّ هذا الابتكار البياني يتجاوب مع تيمة الغربة التي لا يُفلتُ من قبضتِها أبدًا قَصَصُ هذه المجموعة. هذا إذا سلّمنا ابتداءً بأنّ كُلّ أصالةٍ غربةٌ في جوهرها. 

محمد سالم عبادة

23 مارس 2017
...................
نُشِر بصحيفة (أخبار الأدب) في 2 أبريل 2017

Sunday, 12 March 2017

سِفرُ أمثالِ اللاّمُقَدَّس .. قراءةٌ في المجموعة القصصية (طَرحُ الخَيال) لأحمد سمير سعد



     أولُ ما يستوقفُنا في هذه المجموعة عنوانُها بالطبع. استعارَه القاصُّ فيما يبدو من تعبير (طَرح البَحر) الذي يعني في اللسانِ المصريِّ تلك الأرضَ التي تعلو على ضفة النّيل وتَخصُبُ بتوالي (طَرحِ) النّهر الطَّميَ عليها. وهذه الاستعارةُ هي في جوهرِها تأمُّلٌ لفعلِ الكتابة ذاتِه، وربّما تمثّلُ إشارةً إلى أدَبٍ واعٍ بذاتِه، أو (ميتا-سَرد) metafiction كما يحلو لنّقادِ ما بعدَ الحداثَةِ أن يُسَمُّوه. قسم القاصُّ مجموعتَه قسمَين، فالأوّلُ الأكبر (خيالٌ حُرٌّ يَكتُبُ خواطِرَه ويُلِحُّ عليها)، والثاني (طرحٌ لم يُشكِّل يابِسَة). الأوّلُ يشتملُ على اثنَي عشرَ نَصًّا متراوحةِ القِصَر، يُقدّمُ لكلِّ نصَّين أو ثلاثةٍ بمقدمةٍ تصِفُ أرضًا هي بعضُ طَرحِ الخيالِ تمتازُ بخصائصَ معيَّنةٍ تميّزُها عن غيرِها من الأراضي المحتواةِ في هذا القسم، وهذه العنايةُ بالتبويبِ والوَصفِ والتقديمِ للنصوصِ في القسمِ الأوّلِ هي تَجَلٍّ للإلحاحِ الّذي يعبِّرُ عنه عنوانُ القسم. أمّا القسمُ الثّاني فهو أقربُ إلى فعلِ كتابةٍ منعكِسٍ على ذاتِهِ صراحةً، فالكاتبُ يستبطِنُ ذاتَهُ (الكاتِبَةَ) ويحاولُ أن ينقُلَ إلينا تصوُّرَه عنها، وعن العالَمِ وعلاقتِهِ به من خلالِها، في نَصٍّ حُرٍّ يتماسُّ بشكلٍ ما مع السِّيرةِ الذّاتيّةِ الأدبيّة. وحُرِّيَّةُ هذا النّصّ حُرّيّةٌ مُطلَقَةٌ في الحقيقةِ، لا يَحُدُّها (إلحاحٌ) كذلك المُشارِ إليه في عنوانِ القسمِ الأوّل، ولِذا فهو كما يصِفُهُ عنوانُهُ: "طَرحٌ لم يُشَكِّل يابسة".
     قَصَصُ هذه المجموعةِ يجنَحُ في جُملتِه إلى عالَم الأمثال parables، حيثُ الأشخاصُ غُفلٌ من الأسماءِ إلاّ قليلاً، وربّما لا تَظهرُ الأسماءُ إلاّ في القصة الأخيرة (الذِّكرَى)، ففيها (زكيّة الراقصة – عليّ اللص – محسن المبطون – علاء الإسكافي – سعدون الحشّاش – منصور صاحب الكاس – الواد سعيد الأفندي ابن محمود الفرّان – حسين الهجّام – يونس كبير التّجّار)، وكلُّهم إلاّ الأخيرَ يمثّلون المهمَّشين المغلوبين في القصّة. فإذا كان الاسمُ يخلُقُ حالةً من الحميميّة بين المتلقّي والشخصيّةِ في العملِ الأدبيّ، ويمهّدُ لاحتمالِ توحُّدِ المتلقّي معها، فإنّ هذه القصّةَ ربّما تشيرُ إلى انحيازِ القاصِّ إلى المهمَّشين، بينما إغفالُهُ المتعمَّدُ للأسماءِ في غيرِها يُحيلُ شخصياتِهِ الأخرى إلى ظواهِرَ عقليّةٍ مجرَّدَةٍ لا لَحمَ ولا دَمَ لها، ويضعُها بأدوارِها النموذَجِيّةِ عامدًا أمامَ عينَي القارئ ليَصدِمَهُ بلاإنسانيّتِها ويُحَرِّرَهُ من إمكانِ التعاطُفِ معها، فيفتَحَ إمكاناتِ حُكمِهِ العقليّ وتساؤلاتِهِ الفكريّةِ أمامَها بلا حدود.
     كذلك تجدُرُ الإشارةُ إلى تقاطُعِ هذه النصوصِ أسلوبيًّا مع النصوصِ المقدَّسَة على أكثرَ من صعيد. فأوّلاً، لا يَخفَى أنَّ الأمثالَ أداةٌ شائعةُ الاستخدامِ في نُصوصِ الدياناتِ الإبراهيمية، فهي في التوراةِ (المَشَليم) mashalim الّتي يقولُ بعضُ شُرّاحِ التوارةِ إنّ سليمانَ – عليه السلامُ – اخترعَها ولولاهُ ما فُهِمَت التوراة! وهي في الكلام المنسوب للمسيح عليه السلامُ في الأناجيل، وهي في القرآنِ وفي التراثِ الصُّوفِيِّ بغزارة. وثانيًا يعمَدُ القاصُّ إلى استقصاءِ الوَصفِ وإيرادِ تصنيفِ ما يصفُهُ من موضوعاتٍ والإطنابِ بتناوُلِ الصُّورةِ والحدَثِ من كلِّ زواياهُ، ويفعلُ هذا بشكلٍ مُطَّرِدٍ، ففي قصّة (الديكتاتور) يتباهَى الرَّجُلُ بچيناتِه النقيّة التي أورثت بدنَه تراكُمَ العيوبِ الخِلقيّة، يفاخِرُ بـ"إصبعه الزائد وشفته المشقوقة ولسانه الملتصق بالحلق وأنفه الأفطس و....إلخ" فيما يستغرِقُ سِتَّةَ أسطُر، وفي (البلاء) "خلالَ أسبوعٍ واحدٍ كان قد رأى رءوسًا يسكنُها البَقُّ وأخرى الجَرادُ، بعضُها ينقرُ فيها غِربان وبعضُها يرتعُ فيها الذُّباب، بومٌ اتخذ بعضَها أعشاشًا، ...إلخ"، وفي (تطوُّر): "ثُمّ كان تنوعٌ بيولوچيٌّ وسلالاتٌ عديدةٌ, البعض استطال فمه واتسع فكّاه، بعضهم طوّر غددًا لعابيةً تحقِنُ السُّمّ، البعض تكلّست أنسجتُه وتصحّرَت أعضاؤه ... إلخ" فيما يستغرِقُ صفحةً ونصفَ الصفحة! وأخيرًا في (الذكرى): "فقراءُ المدينة ومقطوعو الأرجُل ومبتورو الأذرُع والعِميان.... إلخ" في إيرادٍ لأصنافِ المهمَّشين يذكِّرُنا بآياتِ البيانِ التشريعيِّ المدَنيِّ في القرآنِ كالآية: "ليس عليكم جُناحٌ أن تأكلوا من بيوتِكم أو بيوتِ آبائكم أو بيوتِ أمهاتكم ....إلخ". والمتابعُ لأدَب كاتبِنا لن يُخطئَ تواتُرَ هذه السِّمَة في مُنجَزِه، فهي كذلك في مجموعته (الضئيل صاحبُ غِيّة الحمام) بكثافةٍ تصِلُ إلى غايتِها في (حكاوي المزيّن). في تقديري أنّه يحاولُ أن ينفُخَ الرُّوحَ في فكرتِهِ بالِغةِ العُمقِ والتجريدِ، فتنفتحُ التفاصيلُ وتتكاثَرُ حتى تغلِّفَ هذه الفكرةَ التي يَشعُرُ هُوَ بنفاسَتِها، فتصبحُ كلؤلؤةٍ ثمينةٍ مختزَنةٍ في صدَفَةٍ سميكةٍ عسيرةِ الاختراقِ من التفاصيل. هو لا يريدُ لفكرتِهِ أن تَطرحَ نفسَها على الطريقِ لكلِّ قارئٍ عابرٍ، مُؤثِرًا نُخبويّةً نبيلةً بذلك في الحقيقة.  
     المقدّمةُ الأولى تتحدثُ عن "أرضٍ بزغت بعد أن ذهب الطوفان، غيرَ أنها لم تُقَدَّ من ماءٍ وطين، هي زَبَدٌ يَغلي ويفورُ وينشأُ ويَفنى"، فكأنّ أمامَنا عَودًا أبديًّا نرى منه حَلقةً واحدةً في قصّتين/ أو مَثَلَين بالأحرى، وهي أرضٌ "كالكونِ جُفاءٌ يذهبُ به العصفُ والبرودة، فقط ستكونُ أَلقَةً لامعةً تُفَتِّتُ الضوءَ لعناصره وتمزجُ ألوانَه...". هي إذَن حلقةٌ من البَهرَج الزائفِ القائمِ على حافةِ هاويةٍ من الفناء/ اللاّمَعنى. في القصة الأولى يفاجَأ (الدكتاتور) بقَزَمٍ يدّعي أحقيّتَه بالمُلكِ عليه، ولا يحتملُ وجودَه فيقفزُ عليه في النهايةِ ونُدرِكُ أنّه راكمَ إلى عيوبِهِ النقيّةِ المتوارَثَة عن أجدادهِ عيوبًا اكتسبَها من القزَم. هنا النّقاءُ دافعٌ إلى الاستعلاء واستمراءِ السّلطة، والنّقاءُ ما هو إلا نقاءُ عيوب، واستمراءُ السُّلطة كان الدافعَ الوحيدَ إلى تفاعُلٍ حقيقيٍّ مع الآخَر/ القزَم، والتفاعُلُ كان السبيلَ الوحيدَ إلى الهُجنَة، التي عزّزّت السلطة! ربما يحاولُ (أحمد سمير) أن يَقدَحَ في سُلطَة النصوص، بادئَ ذي بَدءٍ، فما النصُّ إلا مراكمةٌ للعيوب وما هو إلاّ سُلطَةٌ محدودةٌ في يد صاحبِها/ النّاصّ. في القصة الثانية (توحُّد) يحاولُ (سمير) أن يقدَحَ في النّاصّ بعدَ أن قدحَ في النصّ! فالبطلُ يعتزلُ مجتمعَه و"يشكّلُ عالمَه على هواه، يملؤه بظلالٍ على شاكلتِه، يسلخُ من وجهه آلافَ الأشخاص...إلخ" لكنّه في النهاية "رأى كلَّ ما صاغَ صدىً لصوتٍ لم يَصدُرْ، ظِلاًّ باردًا لحقيقةٍ لم توجَدْ"، فاكتشفَ أنه "خيالٌ ثنائيُّ الأبعادِ بلا عُمق، يوشكُ أن يتلاشى في ظلامِ غرفتِه الباردِ وإن حاولَ إشعالَ اللهبِ والمقاومة". هنا نجدُ خالقَ النصّ وقد أدركَ أنه ما خلق إلاّ وهمًا كبيرًا وأنه كذلك وهمٌ كبيرٌ يقف على حافة اللامعنى. القصتان في الحقيقةِ بسطٌ لفكرةِ البهرَج القائم على حافة الهاوية في المقدمة الأولى، كما لو كنّا إزاءَ صدىً لمفهومِ الخواء عند (دريدا) وغيرِه. هي محاولةٌ لتسفيهِ الكتابةِ لدى الشُّروعِ فيها!
     المقدمة الثانيةُ ترددُ الدوجما الأساسية التي تتغنى بها الأولى مِن أنّ هذه الأرضَ بهرَجٌ زائلٌ مفطورٌ على الفَناء، لكنّها تضيف وتؤكّدُ أمرًا آخَرَ وهو "محاولةُ هَباءٍ لاختراعِ معنىً والوصول". القصّةُ الأولى (الشفيف) تقدّمُ بطلاً شيخًا، مَيزتُهُ في حيادِهِ إزاءَ الآخَرين فهو لا يؤذي أحدًا ولا يضمرُ شرًا لأحدٍ، وكلُّ ما عدا ذلك من كراماتِهِ مردودٌ عليه، فصلاةُ الاستسقاءِ التي كانَ إمامَها والتي انهمر المطرُ بعدها لينهي أشهُر الجفاف، كان قد صلى قبلها صلاتَين لم تُسفِرا عن شيء، وقِس على ذلك حوادثَ أخرى. لم يُرفَع وليًّا وغيرُهُ رُفِع، وهذه جُملةٌ مفتاحيةٌ في فهم القصة. البطلُ ماتَ وقُيِّضَ له من يورثُ ذِكرَهُ لأحفادِه. وكأنَّ الأخلاقَ هنا تتأسسُ على الشكِّ لا على الإيمان. نحنُ أمامَ ولايةٍ إنسانيّةٍ لا ربّانيّة، أقصى ما تطمحُ إليه أن تظلَّ راغبةً في الرّبّانيّةِ دون تأكُّدِ وصولِها إليها. إنها محاولةٌ لاختراعِ المعنى كما تقولُ المقدّمة، وكفاها شرفًا أنّها محاوَلَة! وهذا المضمونُ مع العنوان (الشفيف) يُذَكّرُني مقطوعةً شعريةً لـ(كريم الصياد) في ديوانه الأول (الأمرُ): "أغرقُ في الماءْ/ ما جاءَ نبيٌّ قبلي إلاّ ومشى فوقَ الماءْ/ لكن معجزتي غَرَقِي/ غَرَقي حتى عُنُقي/ ذَوَباني في عُمقي/ لِيَعودَ الماءُ شفيفًا بنقاءٍ بنقاءٍ بنقاءْ!". فهنا أيضًا ولايةٌ – أو ربما نبوةٌ – إنسانيةٌ تطرحُ جانبًا إرثَ المعجزاتِ وتحتفي بالانغماسِ في الطبيعة وسلوك درب الإنسانية. ونعرفُ أنّ القاصَّ والشاعرَ زميلان في جماعة (سيميا) الأدبية التي تأسست عام 2006، فلا نستبعدُ أن يكون مُنطَلَقُهما الفكريُّ واحدًا، أو هما منطلَقان متقاربان على الأقلّ.
     في القصّة الثانية (حقول الذُّرَة) نجدُ أوصافًا مهولةً لحقولٍ "ابتلعَت خمسة جيوشٍ نظامية/ نموتُ فيها من البردِ ببطونٍ منتفخةٍ من أكل حبّات الذُّرة النيئةِ وقلوبٍ أعطبَها الجَزَع/ في العُمقِ منها ذئابٌ جائعةٌ وجانٌّ يتجسّدون ليلاً". في تصوُّري أننا إذا تتبّعنا ظواهِرَ هذا النّصّ القصصيّ، إلى عنوانِ المجموعةِ المتّكئِ على تعبيرٍ مصريٍّ (طرح البحر)، فلن نكونَ مخطئين إذا قُلنا إنّ اختيارَ الذُّرَةِ هنا يتكئُ كذلك على تداعياتٍ ولوازمَ لهذا المحصولِ الحقليِّ متجذِّرةٍ في الوعي المصريّ، أهمُّها القدرةُ على الإخفاءِ ومكمنُ الخَطَرِ الدائمِ الذي لا يُؤمَن، فالمصريون يقولون (لَبَد له في الدُّرَة) بمعنى (كَمَنَ له في الخفاء)، وهذا بالطبع راجعٌ إلى طبيعة النباتِ وحقولِه! هنا – في تقديري – ثَمَّةَ إشارةٌ إلى كُلِّ ما هو غيبٌ ومُستَعصٍ على التجربةِ البشريّة الحسّيّة المباشِرة. يحدثُنا القاصُّ عن ضرورةِ هذا الغيب المكنونِ "غيرَ أنَّ الأعوادَ كانت دائمًا سِترًا للعُشّاقِ إذا ما أرادوا خلوةً على ألاّ تُطيلَ المُكثَ"، وعن خطَرِه في الوقت نفسِه "مأوى لعصاباتٍ شتّى وقُطّاعِ طُرقٍ ونصّابين وشيوخ منصر ولغيلان وأشباح غير مرئيةٍ تتسترُ بالليل وتخطفُ عيالَنا" فالغيبُ ميدانُ المتكلمين والمتفلسفين والمؤمنين والملحدين وشِجارِهم الدائبِ الذي يُدّوِّخُ الوعيَ البشريّ ويتخطَّفُ الناس! يحدّثُنا عن طفيليةِ الغيبِ وشيطانيتِه "أعوادُ الذرة كنبتِ شيطانيٍّ بزغت في حقول القمح وبين أشجار الفاكهة، أزاحت بلاطات المنزل وأقامت ساقها وسطَ البيت وفي الفِناء" فهو عالَمٌ لا يمكنُ إثباتُ وجودِهِ بالتجربةِ الحسّيّةِ كما لو كان يفتقرُ إلى الأصالة الوجوديّة للوهلةِ الأولى! كما يتحدثُ عن الحَلّ الجِذريِّ الذي يقضي على حقولِ الذرةِ/ الغيب "جذوة لهب وكيروسين تُنهي كلَّ شيءٍ وتنقذُنا" فهو العِلمُ التجريبيُّ، وربّما هو الوضعيّةُ المنطقيّةُ إن تابَعنا شَطَطَنا المُبَرَّرَ! القصةُ تَطرحُ الحَيرةَ الوجوديّةَ بين الاستسلامِ للغيبِ والرغبةِ في تمزيقِه "أخشى حقلَ الذُّرَةِ ومخلوقاتِه ووحوشَه، وتُرعِبُني نباتاتُه الشيطانية، وأخافُ الموتَ محروقًا أو مخنوقا"، وتُسَلِّمُ في النهايةِ بأنَّ العلمَ التجريبيَّ براديكاليتِه موشِكٌ على الانتصارِ فيما بدأه، وعمّا قليلٍ سيُعاني الجنسُ البشريُّ تكاليفَ انتصارِه "ألسنةُ اللهبِ الوليدةُ لن تلبثَ أن تتكاثَرَ وتنمو وتناطحَ السحابَ، الدخانُ يَملأُ كُلَّ الكونِ ويَفيضُ، يَصرَعُ نباتاتِ الذُّرةِ ويخنُقُنا". هو إذَن مَثَلٌ يتجاوبُ مع محاولةِ اختراعِ معنى، ومحاولةِ الوصولِ المحكومةِ بالفَشَل!
     المقدمةُ الثالثةُ تقدمُ أرضًا "سألَت سموًّا ورفعةً لكنّها قُدّت من ذاتِ مادّة الأرض: معجونَ طينٍ وخطايا وحديدٍ ولهَب"، وبعد أن تسامَت "سقطَت هي وسقطتُ أنا" .. نستمرُّ في شططِنا المُبَرَّر ونقولُ هو تقديمٌ للنصِّ الطامحِ في امتلاكِ سُلطةِ اليقين وطُمأنينتِه، والمحكومِ عليهِ بالبقاءِ في الحَيرَة. القصةُ الأولى (الابنة) تقدّمُ أبًا يحاولُ حمايةَ ابنتِه بمنحِها الحكمةَ والبصيرةَ لكنّه يُدرِكُ أنه لم يملك اليقينَ يومًا، بل "احترقت عيناهُ منذُ بدأ النظرَ إلى أبعدَ مِن قدمَيه". هو صدى الحيرةِ الأصيلةِ التي تحملها إلينا المقدمةُ الثالثة. القصةُ الثانية (البلاء) تبدأ بوصفِ طربوشٍ مكويٍّ لوالد البطلِ يُخفي تحته الديدان، والمشهدُ يؤرّقُ وَعيَ البطل بعد وفاةِ أبيه .. نتصورُ أنَّ الأمرَ قاصِرٌ على انهيارِ السُّلطةِ الأبويّة وأنّه البلاءُ المقصودُ، لاسِيَّما أنّ الأُمَّ أيضًا لها "ذلك الفأر الرمادي بفمه المقزز وشواربه الطويلة يعتلي رأسَها ويدسُّ ذيلَه في فُتحةِ أذُنها ليَعبُرَ إلى الأخرى". لكن نكتشفُ مع البطل شُيوعَ هذه البَلوى فَـ"خلالَ أسبوعٍ واحدٍ رأى رءوسًا يسكنُها البَقُّ وأخرى الجَرادُ....إلخ"، والجميعُ عاجزٌ عن رؤيةِ ما حَلَّ به "فأبوه لم يرَ الديدان حين نظرَ إلى المرآة" و"لم يرفع أحدُهم يومًا يده ليتحسسَ رأسَه". ونلمحُ ما يشبهُ الخوفَ المرَضِيَّ لدى بطلِنا من أن يكون البلاءُ قد طالَه "لا يكفُّ عن تحسُسِ رأسه في جنونٍ وجزَع". اختيارُ الرأسِ بما هو مسكنُ الأفكارِ وبما هو مجازٌ مُرسَلٌ محتمَلٌ عنها يُرَجِّحُ لدينا أن ثَمّ إلحاحًا على مسألة فُقدانِ الاتَساقِ في المنظوماتِ الفكريّة التي تبدو "مكويّةً" وأنيقةً ومُهَندَمَة! بل إننا نلمحُ احتشادَ السَّلفيّاتِ الفكريةِ المختلفةِ في صراعٍ عبثيٍّ: "الرءوسُ المسكونةُ بالغِربانِ تنضَمُّ معًا وتُفارِقُ الباقين/ كُلٌّ يقصِدُ شَبيهَهُ ولا أحدَ سَليم/ ينتظمون في معارِكَ وتدافُعٍ لا يَنتَهي ولا يَصِلُ لنتيجةٍ أو دَليل". بلاءٌ شاعَ حتى إننا لَنَكتشِفُ أنَّ بطلَنا لم يَنجُ منهُ حين ماتَ ووُورِيَ التُّرابَ "لم يُلاحِظ أحدُهم صفَّ الصراصير الذي غادرَ رأسَه عبرَ عينيه...". الأرؤسُ نصوصٌ فكريّةٌ مَعيبةٌ، كُلُّها سألَ الرفعةَ ولم يَنَلها، تجاوبًا مع مقدمتِنا. أما الثالثةُ (الموت) ففيها الموتُ يتجسّدُ ويتجرّدُ في مراوَغَةٍ تتّسِقُ ودورَه الطبيعيَّ في العالَم، فهو "تارةً يأتي كرائحةٍ محمولةٍ على النسيم" وتارةً "كفارسٍ يلتحفُ الظلامَ والسوادَ"، وسُكّانُ المدينةِ يحاولون صَدَّهُ بتعيين الحراسات حول المدينة، وأشجعُهم يرُدُّه عن المدينةِ لكنَّه يموتُ، فكأنَّهُ لم يَصُدّه فقد نالَ الموتُ منه! إذا مضَينا في تأويلِنا المحتمَل، نكونُ أمامَ النصوصِ التي تحاولُ الخُلودَ وتَدَّعيهِ ويَطالُها الموتُ في النهاية .. الخلودُ بعضُ الرفعةِ المشتهاةِ في المقدمة، وهو مُحَرَّمٌ على النصِّ كحُرمتِه على النّاصّ!   
     المقدمةُ الرابعةُ تقدّمُ لنا أرضًا واعيةً بذاتِها، مرّت برِحلةٍ نُضجٍ تشبِهُ في بِنيتِها الثلاثيّةِ جَدَلَ (هيغِل)، فهي أوّلاً "مسّها الغُرورُ فظنّت أنَّ كلَّ أرضٍ تلمسُها أو تُبحِرُ عبرَها تتغيرُ عناصِرُها ويُعادُ بناؤها لتصيرَ نسخةً واعيةً منها" كحالِ مثاليّة (فِشتَه Fichte) الذاتيّة، حيثُ الوعيُ الشخصِيُّ هو الذي يُشَكِّلُ العالَم، وثانيًا "ضربَها الاكتئابُ واليأسُ فرأت في باطنِها زَبَدًا يَذهَبُ جُفاءً، تمُرُّ سلامًا على كلِّ أرضٍ بلا ذكرى أو بلاغٍ أو أثَر" فيما يشبهُ من بعيدٍ مثاليّةَ (شِلِنغ Schilling) الموضوعيّةُ حيثُ لا دخلَ للوعي الشخصيِّ في تشكيلِ العالَم بل الأشياءُ في ذاتِها ناطِقةٌ عن نفسِها، وإن كان يشوبُ هذا الشَّبَهَ حالٌ من اليأسِ لا يوجَدُ عند (شلنغ) بنزعتِه التصوُّفِيّةِ المُحِبّة للعالَم، فهو يأسٌ مبعثُهُ أنَّ حديثَنا عن النصوصِ باعتبارِها أراضِيَ وعن الأشياءِ باعتبارِها نصوصًا، فهنا وعيٌ بعجزِ القارئِ أمامَ انغلاقِ النصوصِ/ الأشياءِ على ذواتِها دون أملٍ في معرفتِها على حقائقِها .. وثالثًا وأخيرًا "فطِنَت إلى أنَّ الأرضَ تتغيرُ فقط بتغيُّرِ وعيِها بها فتبسّمت وانتشت وأزهرَت حكاياتٍ وعوالِم"، فهي المرحلةُ الأخيرةُ، مرحلةُ التركيبِ synthesis من الموضوع ونقيضِه كما جاءا في المرحلتين الأولَيَين، فيما يُشبِهُ تَجَلِّيًا لمثاليةِ (هيغل) المُطلَقَة الناشئةِ عن تفاعُل الذاتِ والموضوع، وهي مرحلةٌ تُحيلُنا مضمونيًّا إلى مفهومِ تعدّدِ القراءاتِ بتعدّدِ القُرّاء للنصّ الواحدِ في النزعةِ التفكيكيّة، حيثُ كلُّ قراءةٍ مُصيبةٌ ومُخطئةٌ في آنٍ، كما تُشيرُ الجُملةُ الأخيرةُ في هذه المقدمة "وعاشت على هذا الخيالِ والمُعتقَد"، هما هنالك إلا خيالٌ ومعتقدٌ في النهاية، وكلُّ خيالٍ مُصيبٌ ومُخطئٌ في آن! القصّةُ الأولى (تطوُّر) ترصُدُ مصيرَ كائنٍ لم يستطع أن يخوضَ مثلَ رحلةِ النُّضجِ المذكورةِ في المقدمة، والتي تتجسّدُ هنا رحلةَ تطوُّرٍ بيولوچيٍّ للكائنات تحت ضغط الحاجة، فآلَ أمرُ سلالتِهِ إلى الفَناء في قسوةٍ كونيّةٍ لا ترحمُ مَن يتحجَّرُ وعيُه .. القصةُ الثانيةُ (اغتيال) هي خصومةٌ مع الموتِ نخالُها صدىً شائِهًا عَمدًا لقصة (الموت)، فهنا لا يطمحُ البطلُ إلى الخلودِ والانتصارِ على الموتِ ابتداءً لكنَّه فقط يريدُ معركةً عادلةً مع الموتِ وهو يعرفُ أنه مهزومٌ لا محالة، وينهزِمُ بالفعلِ أمامَ الموتِ المُصِرِّ على النذالةِ حتى مع النصوصِ/ الأشخاص المُصِرَّةِ على النُّبل، لكنّه حينَ يسقطُ ميتًا يسقطُ منتشيًا وهو يقولُ الشِّعر من قلبِهِ الملَّوثِ بالشِّعر، فكأنه ظفرَ بنصيبٍ من النُّبلِ وحظٍّ من الخُلُودِ حينَ أدركَ يقينيّةَ هزيمتِه وتواضعَ أمامَ حقائقِ العالَم القطعيّة. ولذا فإنّ العنوان هنا (اغتيالٌ)، فالبطلُ لم يَمُت إلا غيلةً إذا نظَرنا إلى حِدّةِ وعيِهِ وإصراره على النُّبل، كما أنه أدركَ نصيبًا من اغتيالِ الموتِ في الحقيقةِ حين انتزعَ لنفسِهِ بعضَ الخلودِ وهو يقولُ الشِّعر. القصةُ الثالثةُ (كابوس) تقدمُ لنا وعيًا لا يستطيعُ مقاومةَ توحُّشِ ذاتِه، فهو يُصَوِّرُ العالَمَ كيفما يتراءى له، ويدَعُ العالَمَ المُتَصَوَّرَ يَقتُلُهُ في لُغزٍ من ألغازِ الوُجود! تبدأُ القصةُ ببطلٍ يعاني كابوسًا يوميًّا تهاجمُهُ فيه الثعابين وتكادُ تقتلُه، ونعرفُ أنَّ البلدةَ كلّها "أصابَها ذاتُ البلاء، كلٌّ تجسَّدَ له أسوأُ مخاوفِه، غير أنّ هناك زوجين قتلتهما العقارب، رجُلاً قضكَ عنقَه ذِئبٌ ....إلخ". نحنُ أمامَ (شيُوع بَلوى) كذلك الذي في قصة (البلاء) وكأنّ هذه صدًى شائهٌ عَمدًا لها كذلك! لكنّ البلوى هنا ليست في انعدامِ اتّساقِ المنظومات الفكرية الذي لا يبدو لصاحبِ المنظومةِ نفسِه، بل هي في مخاوفَ ونقائصَ يتصورُها المرءُ نفسُهُ تتضخمُ من حولِهِ حتى تكاد تقتله، وهذا لا يحدثُ إلاّ مع وعيٍ متوحّشٍ بالضرورةِ، ينعكسُ على ذاتِهِ حتى يقتُلَها، وفي هذا رَجعٌ لرحلةِ النضجِ التي خاضها الوعيُ في المقدّمة الرابعة.
     المقدمةُ الخامسةُ والأخيرةُ تقدّمُ أرضًا "سألت تفرُّدًا، غير أنها بعد أن دارت الحياةُ على سطحِها وشهِدت نباتاتِها الجديدةَ كُلَّ الجِدَّة، أردكت أنها مهما اجتهدت وأبدعَت حبيسةُ ذاتِ الكيمياء والمعادلة، بلا أيِّ قدرةٍ على النفاذ من حدود السماواتِ والأرض". هنا ختامُ رحلةِ استكشافِ ما (يَطرَحُهُ) الخَيالُ من أراضٍ/ نُصوص .. يتناصُّ القاصُّ مع آيةِ سورةِ الرحمن لفظيًّا "إن استطعتم أن تنفذوا من أقطارِ السماواتِ والأرضِ فانفُذُوا، لا تنفُذُون إلاّ بسُلطان"، ليُعلِنَ مضمونيًّا وشكليًّا في آنٍ نهايةَ الرِّحلةِ الدائريةِ بالعودةِ إلى نقطةِ البدءِ، فلا أصالةَ مطلقةً لإبداعٍ وليسَ ثَمَّ إلاّ إعادةُ تشكيل .. القصةُ الأولى (الحكمة) تحتفي بهذا الفَهمِ فتقدّمُ بطلاً تحطُّ الحكمةُ على صدرِهِ في صورة ذبابةٍ زرقاءَ كما أُخبِرَ عنها صغيرًا، أو هكذا تصوَّرَ! نشهدُ تَرَقِّيَهُ من جنديٍّ محاربٍ إلى سرير الإمارة، وجزَعَه حين رأى الذبابةَ الزرقاءَ تحطُّ على كتف صبيٍّ في حاشيتِه، وهو ما دفعَه إلى مطاردتِه حتى قفزَ من الشُّرفة! نحنُ أمامَ (مَثَلٍ) كلاسيكيٍّ ساخرٍ تُفلِتُ فيه الحكمةُ من يَدَي مَن يدَّعي امتلاكَها، ولو أمامَ نفسِهِ فقط .. إنه يدّعي تفرُّدًا ليسقُطَ في شرَكِ تهكُّمِ القطيع، ويقولُ بلسانِ حالِهِ إنَّ كُلَّ أصالةٍ تقليدٌ وكُلَّ إبداعٍ رَكاكة! القصةُ الثانية (الذِّكرَى) تقدِّمُ لنا بلدًا افتراضيًّا يفاجأ فيه المُهمَّشُون المغلوبون يومًا بأنهم أصبحوا السادةَ وقد خلَت لهم البلدة، ليكتشفوا في النهايةِ أنهم كانوا يؤدُّون أدوارَهم كـ(كومپارس) في نفس المسرحيّة الجَمعيّةِ التي تُمَثَّلُ كُلَّ سنةٍ في ذِكرى تولّي (الكبير) حُكمَ البلدة. ربّما يبدو التأويلُ السياسيُّ لهذه القصّةَ هو الأقربَ للذائقةِ العامّة، لأنَّ بعضَ الظواهر اللُّغَويّةِ في هذا النصِّ قد تدفعُنا إلى ذلك، كتجاور "الكنائس قرعَت أجراسَها" و"ميكروفونات المساجد هللت وكبَّرَت" وهو التجاور الشائعُ في تصوير تواطؤ السلطة الدينية مع السياسيّة في تكريس الاستبداد .. كذلك مفرداتُ المعركة والانتصار وأوصاف المهمَّشين وما إلى ذلك، فضلاً عن الخلفيّة الواضحةِ لأحداثِ القصّة .. كلُّها تدفعُنا إلى تبنّي التأويل السياسيّ القريب .. لكن ثَمَّةَ ما يشدُّنا إلى تأويلٍ أكثرَ تجريدًا يتعلّقُ بنَقد السَّعي الإنسانيِّ في جُملتِه، وسعي المُبدِعِ إلى الأصالةِ الفنّيّةِ والفكريّةِ على وجهِ الخصوص، ونعني بذلك المنظومةَ السياقيّةَ التي تشكَّلَت من مجملِ نصوصِ المجموعة، والتي لا أستطيعُ بشكلٍ شخصيٍّ الفكاكَ من إغرائها .. الأبطالُ المُعيَّنون بأسمائهم هنا "لايستطيعون النفاذَ من حدود السماواتِ والأرض" كما أسلَفَت المقدِّمة .. وكما أسلَفنا الحديثَ عن جدوى تعيين الأسماءِ هنا تحديدًا، نضيفُ إلى أنَّ ذلك جاءَ في القصّة الختاميّة لهذا القسم من الكتابِ، ربّما كشكلٍ من الرِّثاءِ لِحالِ هؤلاء الذين لا يمثّلون إلا كُلَّ السعي الإنساني نحوَ الأصالة .. إنهم أنا وأنتَ وهِيَ والجميع.
     القسمُ الثّاني من المجموعة (طرحٌ لم يشكّل يابسةً) نجدُ فيه صدىً لكلِّ الأفكارِ المحتشدةِ في القسم الأوّل، فيما يشبهُ تأريخًا للوعي الشخصيّ لكاتبِنا .. نكتفي بمثالٍ واحدٍ يتعلّقُ بصدى المقدمةِ الرابعةِ من القسم الأوّل .. هنا يقولُ الكاتب: "أولُ ما سقطَت عليه عيني كان صورتي. كانت كافيةً لتملأ كلَّ الكادر. كافيةً لأعبُدَ المعجزةَ فيها". ثُمَّ يقول: "غير أنَّ العالَمَ اتسعَ وتضاءلتُ ثُمّ اتسع أكثرَ حتى تلاشَيتُ". ثم يقول: "غير أني اكتشفتُ أني مازلتُ ساذجًا ذكيّا وبسيطًا" وصولاً إلى قولِه "ساعتَها أكبرتُ كُلَّ الأرضِ وأكبرتُ صورتي التي عادت لتملأ كلَّ الكادر على اتساعِه". هو هنا يجمعُ في صعيدٍ واحدٍ من التحدُّث بصيغةِ المتكلّم عن سيرته الذاتيةِ ما كان قد فرّقَه أمثالاً في القسم الأوّل ..
     ختامًا، نحنُ أمامَ مغامرةٍ سرديّةٍ على أكثرَ من صَعيد .. فهذه مجموعةٌ لا قَصَصيّةٌ إن شئنا الدّقّةَ، لكنَّها سِفرُ أمثالٍ بالِغُ التَّجريدِ من ناحيةِ أفكارِهِ، بالِغُ التَّجَسُّدِ من ناحيةِ أحداثِهِ المتلاحِقَةِ وعنايةِ مُبدِعِه بالتفاصيل .. وبهذا الصَّدَدِ يَحضُرُني جامعو ومقدِّمو قَصَصِ (فرانز كافكا) حين يبدأون كتابَ الأعمال القصصية الكاملة بـ(مَثَلَين افتتاحيين Two Introductory Parables) هما (أمامَ القانون Before the Law) و(رسالةٌ إمپراطورية An Imperial Message) .. بالتأكيد سيَجِدُ سِفرُ أمثالِ (أحمد سمير) ما يستحقُّ الانتباهَ والاحتفاءَ لديهِم! وعلى صعيدٍ آخرَ هذا قصَصٌ يجعلُ من الإبداعِ نفسِهِ موضوعًا له، لكنّه موضوعٌ غيرُ مباشِرٍ في كثيرٍ من الأحيان، فهو أقربُ إلى أن يكون الطبقةَ الأعمقَ من التأويلاتِ المُحتَمَلة للنصوص .. وعلى صعيدٍ ثالثٍ لا يخشى الكاتبُ أن يُدرِجَ في كتابِهِ هذا نَصًّا مستعصِيًا على التصنيفِ المبدئيِّ، وهو القِسمُ الثاني، ليُجمِلَ فيه ما فصَّلَه في القسم الأوّل، ويُسقِطَ على سيرتِهِ فيه ما أسقطَه منها على العالَمِ في الأوّل .. نَصٌّ ثَرِيٌّ يستحقُّ دراسةً أكثرَ تفصيليّةً وتعمُّقًا من هذه الإلمامةِ السريعةِ بالتأكيد.
محمد سالم عبادة

14 أغسطس 2016 
نُشِر في مجلة (عالَم الكتاب) في عدد فبراير 2017 

Saturday, 25 February 2017

أزمتا الوجود والمعرفة - قراءة في ديوان (الناس انصاص) للشاعرة دعاء فتوح

واجهتُ صعوبةً في تصدير هذه القراءة بفقرةٍ مقتبسَةٍ من إحدى قصائد الديوان تحاولُ أن تلخّصَ مزاجَه العامّ وتنقُلَ أجواءه إلى القارئ، وربما مرَدُّ هذه الصعوبة إلى رؤيتي لهذا الديوان ككُلٍّ يصعب فصلُ جزءٍ منه وتقديمُهُ باعتباره نموذَجًا لمحتواه الشِّعري. الديوان هو الثاني في المسيرة الشِّعرية لصاحبته (دعاء فتوح)، وقد تُوّج بأن كان ضمن القائمة القصيرة لجائزة (أحمد فؤاد نجم) لشعر العامية في موسم 2016.
     بعد الإهداء صدَّرَته الشاعرةُ بمقطع يحاول أن يمسك بتلابيب المحتوى حيث تقول: "مين يختشي مِ الصبح؟ وهوَّ بيعكِس الضّلّ اللي كان في القلب ساكن؟؟" وتقول: "وجد المحبين مختزَل في لحظة الاحتواء ثم.. الارتواء والطرح". في تقديري أنّ السؤال الأول فيه تكريسٌ للكتابة باعتبارها (صُبحًا) يُظهِر إلى عالمِ الوجود بالفعل ما كان مجرد احتمالٍ (موجودٍ بالقوّة) متأرجحٍ بين وعي الكاتب ولاوعيِه. أمّا الجملة الثانية ففيها إحالةٌ إلى شاعرية رحلة اكتشاف الذات ومحبّةِ العالَم، والظلم الذي يختزل الوَجدَ في لحظة ذروة النشوة. وسنجدُ خلال تتبُّعِنا لمسار الديوان أصداءَ هاتين الإحالتين.
     ينقسم الديوان إلى ثلاثة أقسام: (نيجاتيف) و(ألوان رصاص) و(بديهي). في (نيجاتيف) اختارَت أن تفصل بين كل قصيدتين بمقطع مكثَّف ربما يمثل مرحلة انتقال بين جوّي القصيدتين، فمثلاً بين قصيدة (توازي) حيث تقول: "زاوية فاضية. تعليق منظَّم للصُّوَر. أختار لحلمي برواز زتوني. إلخ" وفي القصيدة التالية (نُص صورة) تقول: "أدخُل من نُص حكاية غيري أضيَّع نُصّ حكايتي. أخرُج من نُص حكاية غيري لوحدي. إلخ"، بينما يقول المقطع بينهما: "أرسم لوشّك پورتريه. أغمض عيني واتملي تفاصيل. أمسّد بروحي ع الملامح. تتجسد تاريخ". هنا يتوسطُ المقطعُ المكثَّف المسافةَ المضمونية – إذا جاز التعبير- بين تأمُّل المشهد في حياد في القصيدة الأولى والتورُّط فيه من قريبٍ في القصيدة الثانية.
     المهم أن هذا القسم من الديوان يشير من خلال قصائدِه إلى رحلة الشاعرةِ للبحث عن ذاتِها بشكلٍ ما أو بآخَر، فتارةً ينطلقُ هذا البحثُ من تورُّطِها في أسطورة الآخَر كما في بقية (نُص صورة): " أغرس أحاسيسي ف أرض حزينة. أتشكل وصف جديد. أتعرى بصدق حقيقتي، ميتغيرش الجوهر. يتزود عمري تاريخ مشحون. لما أسِد فراغ اللحظة بجهد. أتفاعل حُب. أتعلم حق وجودي. ما استناش بكرة. فاخرج من نُص حكاية غيري، ما اخافش". وتارةً ينطلقُ من محاولة الاتّصال بدَور الأنثى المستقِرّ في الوجدان الجَمعي، وهو هنا دور الحَكّاءة في (ألف ليلة وليلة) كما في قصيدة (طينة نيّة): "أبويا مات وسابني بيت واقف على عمدان حكايتي. جميلة خالص سيرة البنت ف حكاوي (ألف ليلة وليلة). حكّاية بنت الإيه. بتفهم ف التسالي والونس". إلى أن تقول: "البنت أصل المُعضلة ومُعادلة التصحيح". وتارةً ثالثةً ينطلق البحث عن الذات من حياةِ الشارع بين الرفاق كما في (سقف الشوارع مختلف): " أنا وانتو والمشاريب على المتيسره يُمناه. ثقافة الدواليب نفتحها عَ الأسفلت، ومحاولة أني أخرج وأغير عدسة المعنى البرىء. للشارع الأكثر براءة واتساع. خلّا التفاوض مُستمر. لمسك الخيط. لاستكمال حقيقى للى مش عارفاه". وربما تتوقف هذه الذات المرتحلة في بحثِها عن نفسِها لتتأمّل طَورًا من أطوار تشكُّلِها كما في قصيدة (زي كل الناس): "كل لحظة تكنولوجيا جديدة. تكسِب الحياة تعقيد. تعقيد. يستهلك ملامحي ف لعبة البنت الجميلة. باستقامة القامة اللي تبرز تفاصيل الجمال ف اتجاهين متعاكسين! تعقيد يحوّلني سكن فاضي، مُتاح، مُنهك، غريب عني. يتكلف لحصد إعجاب الجميع". أو لتتأمّل موقفَها إزاءَ أشباح الماضي كما في (وِش سعيد): " مشيوا ف هدوء. ما فضِلش من صوت الوداع غير قلب أطرى من احتمال المشي. وحدي. أهز منديل للي فات. واطلع من عنيا عيال يتشعبطوا علي طرف منديلي اللي كان لسه وحيد. وأتملي بضحك السكك".
     أما قصيدة (استغُمّاية) فهي تمثّل بالفعل تلخيصًا لهذه الحركة الأولى (بلغة الموسيقى الكلاسيكية) من الديوان (نيجاتيف) حيث تقول: "مشروع وجودي سِرّ مرهون بالمواقف" إلى أن تختم القصيدة: "فاطلَع كما وِلدِتني رُوح الأسئلة". هنا ترصُد الشاعرة تخَفِّيَ وجودِها في مواقف حياتها المتتابعة، ومطاردتَها لهذا الوجود فيما يشبه (الاستغُمّاية) بالفعل. باختصارٍ، هنا يصل انشغالُها بالسؤال الوجودي/ الأُنطولوچي إلى غايتِه.
ينتهي هذا القسم بقصيدة (سِلُويتّ) وهو خيالُ الظّلّ وقد فضّلت التعبير عنه بالكلمة الأوربية لطيفة الوقع على الأذُن. هنا تتأملُ ضرورةَ صيرورةِ الذاتِ خلالَ الرحلة واستعصاءَها على الثبات، فتبدأ: "عُمري ما خُضت ف يوم تجربتي لحد الآخِر"/ "دلوقتي باقابل نفسي ف وسط طريق/ أحكي عن بنت اتصالحت ويّا الضحكة" إلى أن تقولَ لمُخاطَبِها: "فاستنّى شوية عشان نتفسَّر" في إشارةٍ إلى حالةِ الإلغاز التي تكتنفُ الموجودَ البشريّ وأنّ حَلّها يكمُنُ فقط في الرِّحلة، لتقول انتهاءً: "تجربتي تلوّن جلدي. ترُصّ ف نفسي رصيد. تغيير السكة بديهي. فاللحظة الفايتة ما بترجعش".
     في القسم الثاني (ألوان رصاص) يستمرّ توسُّط المقاطع المكثفَة بين القصائد في إخلاص لفكرة التلَطُّف بوعي المتلقّي فيما يبدو! هنا يكتنفُ صورةَ الذاتِ تجسُّدٌ ووضوحٌ كأنها اكتست ألوانًا بالفعل. صحيحٌ أن اللون الأولَ كما يشي عنوانُ القصيدة الأولى (رمادي)، لكنّه يبدو مرحلةً لابُدَّ منها في عملية الاكتساء بالألوان بعد النيجاتيف. في القصيدة الأولى تسليمٌ بالعجز عن المعرفةِ التي تصبو إليها روحُها: "ما باملكشي زوايا جديدة للرؤية. روحي ضيقة. مش باتساع المعرفة والناس". أما في القصيدة الثانية (وربّي جلاه) التي تبلُغ فيها الغنائية سقفَها في هذا الديوان (الغنائية كما أفهمُها في معناها الواسع هي الاحتفاءُ بالصورة الشعرية التي لا تدَعُ مُجَرّدًا لا تُلبِسُهُ جسدًا ملموسًا، والاحتفاءُ بالموسيقى الخارجية الظاهرة، فتكاد هذه القصيدةُ تكونُ الوحيدة المنتظمة على عَروضٍ شِعريٍّ واحدٍ لا تخرجُ عنه إلى سواه ولا إلى اللاوَزن، وهو هنا عَرُوضُ البَحر الوافر بتفعيلته المريحة (مُفاعَلَتُنْ/ مفاعِيلُنْ))، فيبلغُ الاحتفاءُ بالحياةِ سقفَه أيضًا ليواكبَ القالَبُ الفَحوَى ويواكبَهما معًا العنوانُ، حيث (تنجلي) جمالياتُ شِعر العامية المصرية بمتكآتِها على جماليات البيان العربي في هذه القصيدة: "باقول لك إيه: تجيش نضحك على النكتة اللي شايلينها ليوم ضيقة؟!/ ساعات الضيقة يسبقها أجل حاسم/ خلاص نفرح مادام العمر مش دايم/ خلاص نفرح ونبقى نحوّش الأحزان" إلى قولِها: "فكل ما فينا بيشابي على قَدْرُه/ ويشبه قَدرْه مسعى يداه/ ودعوة فجر بتوصّل لقلبي رجاه/ وأنا في الدنيا دين معلوم/ ورزق لغيري كان مكتوم/ وربّي جلاه".
     تستمر حالة الاحتفاء بالحياة/ قَبُول القدَر/ الاكتساء بالألوان في قصيدة (وجهة نظر): "في الحقيقة المِشّ دُودُه مِنُّه فيه/ قبول الناس لأقدارهم لُغز مُعجِز". لكن يبقى أنّ الوجودَ متحققٌ دائمًا بطريقةٍ ما في هذا القسم الثاني/ الحركة الثانية من الديوان، ولذا تَفرَغ الشاعرة في قصيدة (ناقص حِتّة) للسؤال المعرفي/ الإپستمولوچي وتحاول أن تُبدِع نظرية المعرفة الخاصةَ بها حين تقول: "هاحكيلك عن عيني حكاية. طول عمري بادوّر على حاجة توسع ضيقها. من ضيقها كنت بشوف الناس انصاص. أجزاء مفصولة بجمعها في عقلي لأشخاص. منضاف على روحهم تفاصيلي فبقيت احتاس. بطّلت أجمع تفاصيلهم واكتفي برحابة ضيق العين. فعرفت بأن الناس بتشوف في العادي انصاص. ظاهر معكوس في عيون الناس!". بالتأكيد لا يمكننا أن نفهم من (العين) مجرَّدَ العضو المنوطِ به الإبصار، فالظاهرُ أنها عينُ الإبصار وعينُ العَقلِ معًا. الشاعرةُ تحكي لنا عن قصتها مع الحواسّ والعقل كوسيلتين لإدراكِ العالَم، ووعيها في لحطةٍ ما بأنّها تُسقِطُ مِن ذاتِها تفاصيلَ على ما تتوهمُ أنها تُدرِكه، وتسليمها في النهاية بقصور الإمكان البشريّ عن الفهم الكامل للعالَم "واكتفي برَحابة ضيق العين". وهذه المفارقَة في (رحابةِ الضيق) لم تتأتَّ لها إلا بعد إدراكِ القصور الفطريّ في وسائل الإدراك، حيث يترتّب عليه أن تسمحَ لعين خيالِها بأن يُكمِل النقص كما يحلو له، وأن تقنعَ بما يفعلُه الخيال، أو تسلّم أمرَها لبارئ الإدراك كما يحدثُ ضمنًا في قصيدة (وربّي جلاه). ربّما يذكّرُنا هذا البيتَ المنسوب إلى لإمام عليٍّ بن أبي طالبٍ كرّم اللهُ وجهَه: "العَجزُ عن درَكِ الإدراكِ إدراكُ/ والبحثُ في سِرِّ ذاتِ السِّرِّ إشراكُ".
     تختمُ الشاعرةُ القسم الثاني بمقطع "مخلوقة من ربكة المفاهيم. ما بين صح وغلط باعيش إنسان. أظلم عشان أطهر روحي من وصمة الأنبيا. أشوف حجمي الحقيقي. أنحني للحق". ثّم قصيدة (مافيش حُسن) حيث يقول مطلعُها: "نفس هوسي الأزلي بالخلود. هو اللي خلاني قررت أتحول مصاص دماء. فأعيش على نفس الدم الفاسد". هنا عودة واعية إلى النيجاتيف بارتباك أسئلتِه ولا تَحَدُّدِ موقفِها الوجوديّ فيه. وهي تقررُ أن هذه العودة تشبُّثٌ منها بالحياة (نفس هوسِها بالخلود)، فربما كان تحقق الوجود وقبول القدَر المعرفيّ بعد ذلك إيذانًا باكتمال الرحلة ومِن ثَمّ الموت!
     لكن ما يستوجبُ النظر في عنوان هذا القسم الثاني هو اختيارُها لألوان (الرصاص) تحديدًا! هل هي مصادفةٌ إبداعيةٌ أم أنّ هناك قصدًا واعيًا؟ في تقديري أنّ هناك سببين ربما يتأرجحان بين وعي الشاعرة ولاوعيها، أولُهما قابليةُ ألوان الرصاص للمحو، وهو ما تحرصُ عليه في ختام هذا القسم كما تسلّمُ بأنّ المحو هو المصيرُ المحتومُ حتى في ذروةِ انتشائها بالحياة في (وربّي جلاه): "عشان الرحلة بتخلّص أكيد ف ميعاد/ فيران بتقرقض الأيام". وثانيهِما سببٌ ألصَقُ بانطباعاتي الشخصيةِ ولا أستطيعُ معه ادعاءَ موضوعيةٍ من أي نوع! وهو سببٌ يتعلقُ بدفءٍ ما، موجودٍ في ألوان الخشب، لا يقتربُ منه إلا دفءُ ألوان الشمع مثلاً! ربّما!
     القسم الثالث والأخير (بديهي) يمثّلُ تخارُجًا من خصوصية جوّ الديوان إلى تكرار الحياة اليومية العادية، لكنه يستبقي من حالةِ الكتابةِ الانتشاءَ بفكرة الحرية: "أسكر من كوني حُرة/ حتى لو حريتي متر*متر". في (معضلة بكرة) تأمُّلٌ ساخرٌ مريرٌ لموقفِ توريثِ أزمة الوجود للأبناء: "وبعد ما ركبنا جميعًا في السفينة/ اكتشفنا إننا نسينا باقي المخلوقات ع الأرض غرقانة/ وعليه مش فاضل عشان نحيا/ سوى أجسادنا ننهش فيها/ فقررنا نجيب ف ولاد عشان نقتات عليهم"! ثم تختم شاعرتُنا الديوان بقصيدة (ف بيت الراحة سِر) حيث تبدأها: "تلاعبني عشرة كوتشينه؟" وحين يحتدم اللعب "ممكن استأذن ثواني لحد بيت الراحة وارجع؟/ في الطريق مش عارفة ارتّب جوه مخي ازاي افوز" ولدى العودة من بيت الراحة: "في اللحظة دي شُفت الورَق من زاوية تانية مُربِحة/ والورق قدامي بقى مكشوف". في تصوُّري أن هذه قصيدةٌ محوريةٌ لفهم المنطلَق الإبداعي للشاعرة ورؤيتها لوظيفة الكتابة، فثَمّ دلالةٌ لاختيار هذه القصيدة بالذات ختامًا للديوان. الظاهرُ أنّ حالة الكتابة بكل تشابكاتِها أقربُ في استسرارِها إلى (بيت الراحة) حيث يتخلص الوعي من فضلاته الزائدة عن حاجته وتطفو الأفكار الملتبسةُ بسحر القلَم إلى سطح الوعي و(تترتّب الأوراق) باصطلاح الكوتشينه! وربما يتراسلُ هذا التصورُ مع مقطعٍ بينيٍّ سابقٍ: "قال لو حابب تعرف حد بجد/ فتش ف زبالته تلاقي حقيقته/ لو دوّرت بصدق ف حاجة رميتها/ حاشُوفني كويس؟!".
     يبقى في النهايةِ أن نتوقفَ عند عنوان الديوان الذي اختارته الشاعرة من بؤرة إحساسها بأزمة المعرفة (الناس انصاص)، ليقِفَ عنوانًا مخاتلاً قد يَشي بأن هذا ديوانٌ بسيطٌ عن الناس، بينما هو في الحقيقةِ ديوانٌ معقَّدٌ متشابكٌ عن النفسِ، مُحيلٌ إلى ذاتِه، لا يتيحُ جمالَه في تقديري لكل عابر سبيلٍ أو طالبِ متعةٍ سريعة، ويفتحُ كنزَه لطالب الجَمال الصبور.
محمد سالم عبادة
2 فبراير 2017   
نُشِر في صحيفة (أخبار الأدب) بتاريخ الأحد 19 فبراير 2017

Sunday, 5 February 2017

عُكّازُ التأويل: قراءةٌ في كتاب (السيرةُ الذاتيةُ لعُكّاز) لأحمد حسن أبي إلياسين

  
   "اللهمّ فقّههُ في الدّينِ وعَلِّمهُ التّأويلَ". كذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلّمَ لابن عبّاسٍ وهو طِفلٌ كما جاءَ في الأثَر. وهي دعوةٌ ربّما لن نجدَ لها مثيلاً في دعاءِ النبيّ للمسلمين الأوائل، ممّا يشي بأهمّيّةٍ كبيرةٍ للتأويلِ كان النبيُّ يستشرفُها ويَرجو أن يحوزَها ابنُ عمِّهَ الذي عَهِدَ بهِ أبوهُ إليه. اهتمّ التراثُ الإسلاميُّ كثيرًا بمسألة الفرق بين التفسيرِ والتأويل، فتناولَها السيوطيُّ في (الإتقان) والشوكانيُّ في (البرهان في علوم القرآن) وغيرُهما، وذهبَ أكثرُ المُنَظِّرين إلى أنّ التفسيرَ أكثرَه في جلاء الألفاظِ والتأويلَ أكثرَه في جلاء المعاني .. وإذا شئنا مقاربةً أخرى لهذا الفرق، فربّما يكونُ مناسبًا أن نستعينَ بمصطلَح البلاغيّ العظيم عبد القاهر الجُرجانيّ (المعاني الثواني) أو (معنى المعنى)، حيثُ يهتمُّ التفسيرُ مثلاً في آيةِ سُورةِ النّجم "تلكَ إذًا قسمةٌ ضيزَى" ببيانِ أصلِ الكلمةِ الغريبةِ الأخيرة، بينما يذهَبُ التأويلُ إلى مناسبةِ غرابةِ الكلمةِ لاستنكارِ القرآنِ تلكَ القِسمةَ (على ما ذهبَ الشعراويُّ رحمَهُ اللهُ وغيرُه إليه). هذا للتبسيطِ الذي يكادُ يكونُ مُخِلّاً وعلى من يريدُ الاستزادةَ أن يعودَ إلى عديدِ المصادرِ التراثيةِ المهتمةِ بهذا الفارق. لكنّ ثمّةَ ما يمكنُ أن نختمَ بهِ هذه الفقرةَ من أقوالِ التراثيين وهو جديرٌ بالذِكرِ لطرافتِه، وأعني أنّ الجذرَ اللُّغَوِيَّ (فَسَرَ) بما يعنيهِ من كشفٍ هو مقلوبُ جذرِ (سَفَرَ) المستعمَلِ في  قولِك: "سَفَرَت المرأةُ" أي كشفَت وجهَها، ولهذا علاقةٌ بنظريةِ الاشتقاقِ الكبيرِ عند (أبي الفتح عثمان بن جِنّي) صاحب (الخصائص).
     اهتمّت المصادرُ الغربيةُ كذلك بالتفرقةِ بين التفسير Exegesis من حيثُ هو استخراجٌ للمعاني من النصوصِ، لاسِيَّما المُقدَّسَةَ (القيادةُ إلى الخارجِ هو معنى الأصل اليونانيّ للمفردة)، والتأويل/الهرمنوطيقا Hermeneutics بما هُو اجتهادٌ في فهم النصّ بتعلقاتِه بالحاضر (المفردةُ اليونانيةُ مشتقّةٌ من اسمِ (هرمِس) رسولِ الآلِهة)، وربّما يكونُ كاشفًا أن نستعينَ بتعريفِ وظيفةِ الهرمنوطيقيّ كما أوردها الفيلسوفُ الكنديُّ المعاصر (چان كروندان) في كتابه (مقدمةٌ في الهرمنوطيقا الفلسفية): "الرسالةُ الإلهيةُ تُستقبَلُ بالضرورةِ بقدرٍ من الشّكّ الضمنيِّ في صِدقِها. وهذا الالتباسُ هو ضربٌ من الجُنونِ يُلِمُّ بمستقبِل الرِّسالة. فقط الهرمنوطيقي (الشخص الذي يمتلكُ طريقةً عقلانيةً في الفهمِ) يمكنُهُ أن يميِّزَ صدقَ الرسالةِ مِن كَذِبِها". وأخيرًا فهناك التحشِيَةُ (وهي مجردُ ترجمةٍ ركيكةٍ مِن قِبَلي لمصطلح Eisegesis الذي يعني التفسيرَ مع فرضِ القناعاتِ القبلِيّةِ للمُفَسِّر على النّصّ، والأصلُ اليونانيُّ للمفردة يعني القيادةَ إلى الداخل، ومبرّرُ ترجمَتي المقترَحةِ هذه ما تستتبعه المفردة العربية من إدخالِ مادةٍ جديدةٍ إلى متنِ أخرى قديمةٍ أو حَشوٍ، رغمَ أنّ معناها المُتعارَفَ عليهِ عربيًّا يشملُ التفسيرَ دون شُبهةِ التعنُّت في لَيّ عنُقِ النّصّ).
     استدعَت هذا التقديمَ بفِقرَتَيهِ ندوةُ مناقشةِ الكتابِ الذي نحنُ بصدَدِه، والتي عُقِدَت برابطة الأدب الإسلاميّ وكان أستاذُنا أ.د.حسام عقل أحدَ المناقشين، وطرحَ مشكلةَ تجنيسِ هذا العمَل، بينَ السّيرةِ الذاتيّةِ والتفسيرِ والتأويلِ والتحشيةِ على النص القرآنيّ (والأقربُ إلى تصوُّري أنه عنَى بالتحشيةِ المفهومَ المستقِرَّ للمفردةِ في التراثِ العربيّ)، وخَلُصَ إلى أنّ العملَ هو مزيجٌ مِن هذا كُلِّهِ ومتروكٌ للأجيالِ المُقبِلَةِ أن تُسَمِّيَه .. ربّما يَطرَحُ اختيارَ (السيرةِ الذاتيّة) عنوانُ الكتابِ (السيرةُ الذاتيّةُ لعُكّاز) فضلاً عن إيرادِ المؤلِّفِ أحداثًا تعرّضَ لها بنفسِهِ أو تعرّضَ لها معارِفُه. لكنّ مقدمةَ الكتابِ تشرحُ لنا مرادَهُ المباشِرَ من العُكّاز حين يقول: "لقد مشيتُ طويلاً في سورةِ الضحى، أنفقتُ عكاكيزَ حِبرٍ .. أكثرُ من عكازٍ توكأَ عليّ وهشَّ بي على غنمِ الاتجاهات"، وكذلك في فقرةٍ قُربَ ختامِ الكتابِ ينصحُ فيها مَن يحاولُ مثلَهُ تَلَقِّيَ القُرآنِ أن يستعينَ بقلَمٍ لتقييدِ طيورِ الإشاراتِ القرآنيةِ، مستشهِدًا برمزيّةٍ يكتشفُها هُوَ لهُدهُدِ سليمانَ في سورةِ (سبأ) ورمزيةِ الكتابِ في أمرِ سليمان: "اذهَب بكتابي هذا فألقِهْ إليهِم". فمقصودُهُ من العنوانِ إذَن أقربُ إلى تتبُّعِ مسلَكِهِ الرُّوحِيِّ خلالَ إنجازِهِ هذه القراءةَ القرآنية مصاحِبًا قلمَه. ولا يفوتُنا أنّ أحدَ التفاسيرِ المُكَرَّسَةِ في الوعي الجمعيِّ الإسلاميِّ –أعني القرطُبِيّ- أدرَجَ فيه صاحبُهُ أحداثًا شخصيّةً مرَّ بها، يَحضرُني منها قولُهُ في تفسيرِ آية سورة الإسراء: "فإذا قرأتَ القرآنَ جعلنا بينكَ وبين الذين لا يؤمنون بالآخِرةِ حجابًا مستورا": "ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مِثلُ هذا. وذلك أني هربتُ أمام العدو وانحزتُ إلى ناحيةٍ عنه، فلم ألبثْ أن خرجَ في طلبي فارسان وأنا في فضاءٍ مِن الأرض قاعدٌ ليس يَسترُني عنهما شيءٌ، وأنا أقرأُ أولَ سورةِ يس وغيرَ ذلك مِن القرآن; فعَبَرا علي ثُمّ رجعا من حيث جاءا وأحدُهما يقولُ للآخَر: هذا دَيبَلَة; يَعنون شيطانا. وأعمى الله أبصارَهم فلَم يَرَوْني". والشاهدُ أنّ إدراجَ (أحمد حسن محمد) لأحداثٍ عايشَها في متنِ قراءتِهِ لا يُخرِجُها في رأيي المتواضع عن الإخلاص لدائرةِ التفسيرِ والتأويل.
     يَحسُنُ بنا أن نؤكِّدَ أنّه لا تأويلَ دون المرور على التفسير، فالتأويلُ أشبهُ بقراءةٍ ثانيةٍ أعمقَ للنصّ تحاولُ استكشافَ شبكةِ علاقاتِ عناصرِه ببعضِها ومن ثَمّ اكتناهَ بِنيَتِه. وهذا ما يحاولُهُ بدأبٍ كاتبُنا. ويعضِّدُ هذا أولُ خصائصِ مُنجَزِهِ الذي بين أيدينا، والتي سنستعرضُها في عُجالَةٍ لضيق المقام:
1-             تراسُلُ آياتِ القرآنِ في وعي الكاتب. أعني كُلَّ مقتضياتِ المفردةِ (تراسُلٍ) مِن إرسالٍ واستقبالٍ وإعادةِ إرسال. مثَلاً مقدمةُ سورةِ المُدّثِر مع آية (والضُّحى) حيثُ يقولُ: "إن كان الضحى ساعةَ عملٍ، وعملُ النبي هو أن ينذِر القوم فيمنحهم طاقة (قم فأنذر)، وأن يتزّود بطاقة إيجابية بدلَ التي يفقدها في عملية شحنه للْآخرين )وربك فكبر) ومقاومتهم لهذا الشحن بطاقة سالبة يهاجمون بها النبي، وأن يتخلص مما علق به من طاقاتهم السلبية أثناء نقل طاقتهِ الإيجابية إليهم (وثيابَكَ فطهر) ...إلخ". وكذلك مقدمةُ (المُزَّمِّل) مع (والليلِ إذا سَجَى): "حيث يأمر الله نبيه أن يقيم الليل (قُم اللَّيلَ إِلاّ قَلِيًلا * نِصَفه أَو انْقص مِنهُ قَلِيًلا * أَو ِزْد َعلَيِه َوَرتّْل الْقْرآن تَرتِيًلا(، لماذا؟ (إِنَّا َسنُلِقي َعليَك قَوًلاً ثَقيًلاً)، وفي الليل فيما يبدو مسار طاقات كوني سماوي عجيب يجعل عملية الشحن الديني أقوى وأشد أثرًا (إِن نَاشئَةَ اللَّيل ِهي أشدُّ وَطْئًا وأَقْومُ قِيًلا)، فاشحن طاقتك واستعدّ للضحى وما فيه من شغلٍ نبوي محتاجٍ إلى طاقة كبيرة. وهنا يمكن أن نقرأ )َوالُضحى*َواللّيل إِذا َسجى) في سورة نزلَت بعد فترة انقطاع الوحي الثانية بطريقة دلالية تحتوي على سورتين نزلتا بعد فترة انقطاع الوحي الْأولى". وهذا التراسُلُ يقتضي معايشةً استثنائيّةً من الكاتبِ لنصوص القرآن الكريم، تذكّرني – مع فارق عُمق التلَقّي- بحديث الشيخ الشعراويّ عن شيوخ الكتاتيب وتوجيههم تلاميذَهم لإدراك متشابهات القرآن والتمييزِ بينها بمفاتيحَ حروفيّةٍ بالغةِ الدِّقّة.
2-             الإغراقُ في شاعريّةِ الأسلوب، ونحنُ هنا إزاء شاعريّةٍ خاصّةٍ بـ(أحمد حسن محمد) الشاعر حاصد الجوائز (ولعلَّ أشهرَها جائزةُ البابطين للإبداع الشِّعريّ التي كان أصغرَ الفائزين بها منذُ إنشائِها، عن ديوانه (مدينةٌ شرقَ الوريد) عام 2010)، حيثُ الصُّورةُ مُرَكَّبَةٌ إلى أقصى درجاتِ التركيب فمِن مقدمتِه (فاتحةُ التلقّي) يقول: "وتحت ظلِّ سنبلةٍ قرآنيةٍ أخرجتُ من زوّادتي قريةً ورغيفَين بسطتُها أمامي بحجمِ قصيدتين من شِعري القديم، مَرّ بي ضالٌّ قديمٌ يرتدي بعض ملامحي ويكلمني بصوتي". وكذلك في فقرةٍ معنونةٍ باستفهامٍ استنكاريٍّ (اللهُ يريدُ أن يعذّبَكَ؟ وأمثلةٌ أخرى) يقول: "فلا تكن جنينًا رخًوا، وامتص ما يمكنك من عظام التجربِة، فلكلِّ حَملٍ نهايةٌ، وحين تولد من رحم التجربِة، لابُد أن تكون قويِّا وأن تكون قد حصلتَ على خبرة جنينية جيدة تجعلك تجتاز كل اختبارات الحمل القادمِة بثقة، لتولَد أقوى وأصفى ضحكةً كأي طفل قوي وسيم".
3-             درجةٌ من درجاتِ القطيعةِ المعرفيّةِ مع تراثِ المعرفةِ الإنسانيةِ الغربيةِ، تتجلّى في اتهاماتٍ مُضمَرَةٍ أحيانًا وصريحةٍ أحيانًا لمباحث الوجود والمعرفة والألوهيةِ في الفلسفةِ الغربيةِ بالتسطيح، ومثلها موجَّهة إلى علم النفس الذي تقَعَّدَ في صورتِهِ الحاليّةِ المكرَّسَةِ حولَ العالَمِ في أوربّا وأمريكا. يواكبُ هذه الاتهاماتِ دعوتُهُ المتكررةُ إلى نشوءِ علمِ نفسٍ إسلاميٍّ أو قرآنيٍّ يتأسسُ على قراءةٍ متجددةٍ للقرآن. كما يواكبُها شكلٌ من أشكالِ التعميمِ المتسرِّعِ أحيانًا في إلصاقِ معتقَدٍ بعينِه بطائفةٍ بعينِها كما في حديثِهِ عن تناسُخِ الأرواحِ واعتقاد (الفلاسفةِ) فيه. ربما هو مجازٌ مُرسَلٌ علاقتُهُ الكليّة فأطلقَ اللفظةَ وأرادَ بعضَ الفلاسفة! لكن على أيةِ حال، علينا أن نتخيلَ موقفًا افتراضيًّا يقرأ فيه أحدُ دارسي الفلسفةِ المعاصرةِ في أوربّا هذا العملَ ليصطدمَ بهجومِهِ المُلمِح المُصَرِّحِ على الفلسفة والمشتغلين بها، مع ملاحظةِ أنَّ الفكرَ الإسلاميَّ (أعني الذي وصلَ إليه مفكرون مسلمون) قد يتشابَهُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ مع أفكارِ فلاسفةٍ غربيين، وللمسلمين مرتكَزاتُهم القرآنيةُ في فكرِهم ذلك (كتشابُهِ إبطالِ ديفيد هيوم لمقولةِ السبب والنتيجةِ مثَلاً مع ما يقولُ به الأشاعرةُ المسلمون واتخاذِهم هذا الإبطالَ ذريعةً لفهمِ عدم احتراق إبراهيم بالنار، وكذلك تشابه ما وصلَ إليه الباحثُ نفسُهُ من تحليله لموقف المجيء بعرش بلقيس إلى سليمان حين قال: "هذا من فضل ربّي ليبلوَني أأشكُرُ أم أكفُرُ" مع النتيجةِ التي ساقَها (سارتر) في (نظريةٌ عن الانفعالات) مِن أنَّ التعبيرَ الجسديَّ عن الفرحِ هو ضربٌ من السِّحرِ يعوّضُ به الشخصُ الفَرِحُ كسلَهُ عن القيامِ بمهماتِه المترتبةِ على الموقف المُفرح، فهُنا سليمانُ أدركَ حقيقةَ الموقفِ الابتلائيَّةَ ولم يَنسَقْ إلى السِّحر!)، فصحيحٌ أنّ سياقَي هذه الأفكارِ الغربيَّ والإسلاميّ مختلفان، إلاّ أنّ هذه التشابهات قد تمثّلُ مُنطلَقًا للحوار مع الآخَر، لاسيّما أنّ القرآن مُتَعالٍ على الشرقِ والغرب كما قد نلمحُ من آيةِ (اللهُ نُورُ السماواتِ والأرضِ) من سورةِ النُّور! وربّما في هذا التَّتَرُّسِ بالنصِّ القرآنيِّ في مواجهةِ تياراتِ المعرفةِ الإنسانيةِ المختلفةَ امتدادًا لمفهومِ الولاءِ والبَراءِ عند التيار السلفيِّ الإسلاميّ (وهذا المفهومُ في حقيقتِه ما هو إلاّ صيغةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ لبيانِ انتماء العناصر إلى المجموعاتِ المختلفة!). لكن قد تكونُ هذه الدرجةُ من القطيعةِ المعرفيّة هامّةً لعكوفِ باحثِنا على النصّ القرآنيِّ يهذا الإخلاص، وربّما لولاها لما أتحفَنا بقراءةٍ عميقةٍ كهذه تَثري طَيفَ المعرفةِ الإنسانيّةِ المُتنوِّعْ.
4-             بخلافِ النقطةِ السابقةِ نجدُ الكاتبَ مُغرَمًا بأدبياتِ المعرفةِ التجريبيةِ الغربية، فيُكثِرُ من استخدام الاصطلاحات التركيبية المستخدمة بكثرةٍ في العلوم البحتة والتطبيقيّة في صيغتِها الغربية كقولِه "سَنتي-يُتم"، "مفتاحٌ أكسيجينيٌّ في باب سورة الضحى (عائل)"، "السلّم الكهرو-استكباري" وغيرها كثير، ممّا يُذَكِّرُني بكتاب "اغتصاب مفكري ما بعد الحداثةِ للعِلم" للفيزيائيّ والرياضيّ الأمريكيّ (آلان سوكال) والفيزيائي وفيلسوف العلم البلچيكي (چان بريكمونت)حيثُ ينتقدُ اجتراءَ نُقّادِ الأدبِ والفلاسفةِ على اصطلاحات العلم التجريبي بطُول الكتاب! فبعضُها موفَّقٌ في موضعِه وبعضُها ربّما ساقَه للسخريةِ، ولكن هي ظاهرةٌ جديرةٌ بالتسجيلِ على كلّ حال!
5-             دعوةُ الباحثِ إلى الفرديّةِ في تلقّي النصّين القرآنيّ والنبويّ. هو يقفُ بالمرصاد لكلِّ ما مِن شأنِهِ إحاطةُ محاولاتِ السابقين بهالاتِ القداسةِ ومأسَسَتُها ومصادرةُ الحقّ في الاجتهاد. وهو يقفُ في هذا موقفًا قريبًا من مفكّرين معاصرين متفاوتي الحظوظ من الجِدّيّة، لكنّه يشترطُ على الباحثينَ لضمانِ وصولِهم إلى نتائجَ ألاّ يكون قُصاراهم إثارةَ الأسئلة، وإنما عليهم أن يبحثوا بأنفسهم عن إجاباتٍ لها، وإلاّ فستكونُ نتيجةُ نشاطِهم الأوَّلِيِّ هي الهَدمَ بالتأكيد، والهَدمُ – حين يتعلّقُ الأمرُ بالنصوص المركزيةِ في الإسلام – يعني مباشرَةً رفضَ كل حديثٍ اتفقَ المحدِّثُون على نسبتِه إلى النبي إذا لم يوافق النظرةَ الأولى لدى الباحث، وصولاً إلى رفضِ نبوةِ النبيِّ نفسِه ومِن ثَمّ رفضِ القرآن جُملةً وتفصيلا.
6-             ترتبطُ هذه النقطةُ بالثالثةِ (نقطة القطيعة المعرفية). أعني هُنا حرصَ الباحثِ على تقديمِ مُنتَجٍ مفاهيميٍّ إسلاميٍّ في مقابلِ كثيرٍ من المفاهيمِ الرائجة عالَمِيًّا، فهو يقترحُ بديلاً عن (تناسُخ الأرواح) الشائعِ في دياناتٍ ومذاهب مختلفةٍ مفهومًا يسمّيه تقريبًا (تناسُخَ الذاكرةِ الجسديّة) يتعلّقُ بالسلاسلِ الغذائيّة المعروفة في البيولوچي، ويتمحورُ حولَ اكتسابِ الآكلِ صِفاتٍ من جسدِ المأكول، ويمضي خُطوةً بهذا الاقتراحِ ليفسّرَ بهِ مثَلاً وصفَ القرآنِ للمُعاقَبين بالنارِ في الآخِرةِ وحديثِهم فيها. يعترفُ الباحثُ بأنّ دلائلَهُ نقليّةٌ عن سلَفٍ كابنِ خلدونَ الذي فسَّرَ طبائعَ الشعوبِ بطبيعةِ ما تأكلُه، فضلاً عن طرائقَ معينةٍ في فهمِ الحديثِ النبويّ. يبقى الاقتراحُ في الحقيقةِ مُثيرًا للخيال، وتحديدًا الخيالَ العِلميّ في ظلّ صعوبةِ إثباتِه أو نفيِه بطُرُق العلمِ التجريبيّ المعروفةِ حالِيّا.
7-             درجةٌ من الپراجماتية الدَّعَوِيّة لا يمكنُ إغفالُها، ونعني بها استغلالَ الباحثِ وحشدَهُ لكلِّ إمكانياتِ النّصّ القرآنيّ في الدعوةِ للتحلُّقِ حولَ مائدةِ الإسلام، وربما تكونُ بعضُ هذه الإمكانياتِ عارضةً وليست أصلِيّةً من منظورٍ ما. المثَلُ الأبرزُ هو استعانتُهُ برَسم حرف الثاء الذي تنتهي به آخِرُ كلماتِ سورةِ الضحى (فحَدِّثْ) حيثُ يرصُدُ مشابهتَه لطبَقِ فاكهةٍ مُقَدَّمٍ إلى مُتَلَقّي السورة. وهو رصدٌ متماشٍ جدًّا مع سياقِ قراءتِه للسورة رغم أنّ رسم الثاء بنقاطها الثلاثِ أمرٌ طرأ على رسم الحروف العربية مع نصر بن عاصمٍ وسِواهُ كما يقولُ التاريخ.
8-             الربطُ الدائمُ الذي ينجِزهُ الباحثُ بينَ القرآنِ وبينَ حقلَي التنميةِ البشريّةِ والتربية. هنا نزعةٌ پيداجوجيةٌ أراها مُحَقِّقةً للمفهومِ الواضحِ من قولِ الله تعالى في القرآن: "إنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي للّتي هِيَ أقوَمُ".
9-             نزعةٌ صوفيّةٌ ربّما لن يسمّيَها الباحثُ بهذا الاسم، إلاّ أننا نلمحُها في تقاطعاتٍ لقراءته مع أدبياتٍ في التصوفِ الإسلاميّ، على غرار ما يُورِدُهُ من رمزية الطيور في قَصَصِ إبراهيم وسُليمان مثَلاً، وفي رُؤاهُ الشخصيّةِ وحوادثِ واقعِه، مع (منطق الطَّير) لفريد الدين العطّار النيسابوري، وكذلك ما يركِّزُ عليه من الجَوهَرِ الحِكمِيِّ لمواقفِ الأنبياءِ في القرآنِ مع (فُصُوصِ الحِكَم) لمُحيي الدينِ بن عرَبيٍّ، حيثُ هناك نجدُ فصوصَ حِكَمٍ موسويّةٍ وسليمانيةٍ وغيرَها. 
     في النهايةِ نحنُ أمامَ وعيٍ مختلفٍ في طريقةِ تلقّيهِ للنص الإسلامي المركزيّ، وهو مختلفٌ بما تستوجبُهُ الكلمةُ من اختلافٍ عن طرُقِ الإسلاميين التقليديةِ المُكَرَّسَةِ تراثيًّا، وطُرُقِ العَلمانيّين المتفاوتةِ الحظوظ مِن الاجتراءِ على هذا النصِّ إلى حدِّ الاستهزاءِ به والسّلام. ولهذا كُلِّهِ فهي محاولةُ تَلَقٍّ جديرةٌ بالقراءةِ والاشتباكِ معها، وتحريكِ الماءِ الآسِنِ في الفكرِ الإسلاميّ.

محمد سالم عبادة

4 ديسمبر 2016
نُشِرت في عدد يناير 2017 من مجلة (عالَم الكتاب) المصرية