Loading...

Sunday, 5 February 2017

عُكّازُ التأويل: قراءةٌ في كتاب (السيرةُ الذاتيةُ لعُكّاز) لأحمد حسن أبي إلياسين

  
   "اللهمّ فقّههُ في الدّينِ وعَلِّمهُ التّأويلَ". كذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلّمَ لابن عبّاسٍ وهو طِفلٌ كما جاءَ في الأثَر. وهي دعوةٌ ربّما لن نجدَ لها مثيلاً في دعاءِ النبيّ للمسلمين الأوائل، ممّا يشي بأهمّيّةٍ كبيرةٍ للتأويلِ كان النبيُّ يستشرفُها ويَرجو أن يحوزَها ابنُ عمِّهَ الذي عَهِدَ بهِ أبوهُ إليه. اهتمّ التراثُ الإسلاميُّ كثيرًا بمسألة الفرق بين التفسيرِ والتأويل، فتناولَها السيوطيُّ في (الإتقان) والشوكانيُّ في (البرهان في علوم القرآن) وغيرُهما، وذهبَ أكثرُ المُنَظِّرين إلى أنّ التفسيرَ أكثرَه في جلاء الألفاظِ والتأويلَ أكثرَه في جلاء المعاني .. وإذا شئنا مقاربةً أخرى لهذا الفرق، فربّما يكونُ مناسبًا أن نستعينَ بمصطلَح البلاغيّ العظيم عبد القاهر الجُرجانيّ (المعاني الثواني) أو (معنى المعنى)، حيثُ يهتمُّ التفسيرُ مثلاً في آيةِ سُورةِ النّجم "تلكَ إذًا قسمةٌ ضيزَى" ببيانِ أصلِ الكلمةِ الغريبةِ الأخيرة، بينما يذهَبُ التأويلُ إلى مناسبةِ غرابةِ الكلمةِ لاستنكارِ القرآنِ تلكَ القِسمةَ (على ما ذهبَ الشعراويُّ رحمَهُ اللهُ وغيرُه إليه). هذا للتبسيطِ الذي يكادُ يكونُ مُخِلّاً وعلى من يريدُ الاستزادةَ أن يعودَ إلى عديدِ المصادرِ التراثيةِ المهتمةِ بهذا الفارق. لكنّ ثمّةَ ما يمكنُ أن نختمَ بهِ هذه الفقرةَ من أقوالِ التراثيين وهو جديرٌ بالذِكرِ لطرافتِه، وأعني أنّ الجذرَ اللُّغَوِيَّ (فَسَرَ) بما يعنيهِ من كشفٍ هو مقلوبُ جذرِ (سَفَرَ) المستعمَلِ في  قولِك: "سَفَرَت المرأةُ" أي كشفَت وجهَها، ولهذا علاقةٌ بنظريةِ الاشتقاقِ الكبيرِ عند (أبي الفتح عثمان بن جِنّي) صاحب (الخصائص).
     اهتمّت المصادرُ الغربيةُ كذلك بالتفرقةِ بين التفسير Exegesis من حيثُ هو استخراجٌ للمعاني من النصوصِ، لاسِيَّما المُقدَّسَةَ (القيادةُ إلى الخارجِ هو معنى الأصل اليونانيّ للمفردة)، والتأويل/الهرمنوطيقا Hermeneutics بما هُو اجتهادٌ في فهم النصّ بتعلقاتِه بالحاضر (المفردةُ اليونانيةُ مشتقّةٌ من اسمِ (هرمِس) رسولِ الآلِهة)، وربّما يكونُ كاشفًا أن نستعينَ بتعريفِ وظيفةِ الهرمنوطيقيّ كما أوردها الفيلسوفُ الكنديُّ المعاصر (چان كروندان) في كتابه (مقدمةٌ في الهرمنوطيقا الفلسفية): "الرسالةُ الإلهيةُ تُستقبَلُ بالضرورةِ بقدرٍ من الشّكّ الضمنيِّ في صِدقِها. وهذا الالتباسُ هو ضربٌ من الجُنونِ يُلِمُّ بمستقبِل الرِّسالة. فقط الهرمنوطيقي (الشخص الذي يمتلكُ طريقةً عقلانيةً في الفهمِ) يمكنُهُ أن يميِّزَ صدقَ الرسالةِ مِن كَذِبِها". وأخيرًا فهناك التحشِيَةُ (وهي مجردُ ترجمةٍ ركيكةٍ مِن قِبَلي لمصطلح Eisegesis الذي يعني التفسيرَ مع فرضِ القناعاتِ القبلِيّةِ للمُفَسِّر على النّصّ، والأصلُ اليونانيُّ للمفردة يعني القيادةَ إلى الداخل، ومبرّرُ ترجمَتي المقترَحةِ هذه ما تستتبعه المفردة العربية من إدخالِ مادةٍ جديدةٍ إلى متنِ أخرى قديمةٍ أو حَشوٍ، رغمَ أنّ معناها المُتعارَفَ عليهِ عربيًّا يشملُ التفسيرَ دون شُبهةِ التعنُّت في لَيّ عنُقِ النّصّ).
     استدعَت هذا التقديمَ بفِقرَتَيهِ ندوةُ مناقشةِ الكتابِ الذي نحنُ بصدَدِه، والتي عُقِدَت برابطة الأدب الإسلاميّ وكان أستاذُنا أ.د.حسام عقل أحدَ المناقشين، وطرحَ مشكلةَ تجنيسِ هذا العمَل، بينَ السّيرةِ الذاتيّةِ والتفسيرِ والتأويلِ والتحشيةِ على النص القرآنيّ (والأقربُ إلى تصوُّري أنه عنَى بالتحشيةِ المفهومَ المستقِرَّ للمفردةِ في التراثِ العربيّ)، وخَلُصَ إلى أنّ العملَ هو مزيجٌ مِن هذا كُلِّهِ ومتروكٌ للأجيالِ المُقبِلَةِ أن تُسَمِّيَه .. ربّما يَطرَحُ اختيارَ (السيرةِ الذاتيّة) عنوانُ الكتابِ (السيرةُ الذاتيّةُ لعُكّاز) فضلاً عن إيرادِ المؤلِّفِ أحداثًا تعرّضَ لها بنفسِهِ أو تعرّضَ لها معارِفُه. لكنّ مقدمةَ الكتابِ تشرحُ لنا مرادَهُ المباشِرَ من العُكّاز حين يقول: "لقد مشيتُ طويلاً في سورةِ الضحى، أنفقتُ عكاكيزَ حِبرٍ .. أكثرُ من عكازٍ توكأَ عليّ وهشَّ بي على غنمِ الاتجاهات"، وكذلك في فقرةٍ قُربَ ختامِ الكتابِ ينصحُ فيها مَن يحاولُ مثلَهُ تَلَقِّيَ القُرآنِ أن يستعينَ بقلَمٍ لتقييدِ طيورِ الإشاراتِ القرآنيةِ، مستشهِدًا برمزيّةٍ يكتشفُها هُوَ لهُدهُدِ سليمانَ في سورةِ (سبأ) ورمزيةِ الكتابِ في أمرِ سليمان: "اذهَب بكتابي هذا فألقِهْ إليهِم". فمقصودُهُ من العنوانِ إذَن أقربُ إلى تتبُّعِ مسلَكِهِ الرُّوحِيِّ خلالَ إنجازِهِ هذه القراءةَ القرآنية مصاحِبًا قلمَه. ولا يفوتُنا أنّ أحدَ التفاسيرِ المُكَرَّسَةِ في الوعي الجمعيِّ الإسلاميِّ –أعني القرطُبِيّ- أدرَجَ فيه صاحبُهُ أحداثًا شخصيّةً مرَّ بها، يَحضرُني منها قولُهُ في تفسيرِ آية سورة الإسراء: "فإذا قرأتَ القرآنَ جعلنا بينكَ وبين الذين لا يؤمنون بالآخِرةِ حجابًا مستورا": "ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مِثلُ هذا. وذلك أني هربتُ أمام العدو وانحزتُ إلى ناحيةٍ عنه، فلم ألبثْ أن خرجَ في طلبي فارسان وأنا في فضاءٍ مِن الأرض قاعدٌ ليس يَسترُني عنهما شيءٌ، وأنا أقرأُ أولَ سورةِ يس وغيرَ ذلك مِن القرآن; فعَبَرا علي ثُمّ رجعا من حيث جاءا وأحدُهما يقولُ للآخَر: هذا دَيبَلَة; يَعنون شيطانا. وأعمى الله أبصارَهم فلَم يَرَوْني". والشاهدُ أنّ إدراجَ (أحمد حسن محمد) لأحداثٍ عايشَها في متنِ قراءتِهِ لا يُخرِجُها في رأيي المتواضع عن الإخلاص لدائرةِ التفسيرِ والتأويل.
     يَحسُنُ بنا أن نؤكِّدَ أنّه لا تأويلَ دون المرور على التفسير، فالتأويلُ أشبهُ بقراءةٍ ثانيةٍ أعمقَ للنصّ تحاولُ استكشافَ شبكةِ علاقاتِ عناصرِه ببعضِها ومن ثَمّ اكتناهَ بِنيَتِه. وهذا ما يحاولُهُ بدأبٍ كاتبُنا. ويعضِّدُ هذا أولُ خصائصِ مُنجَزِهِ الذي بين أيدينا، والتي سنستعرضُها في عُجالَةٍ لضيق المقام:
1-             تراسُلُ آياتِ القرآنِ في وعي الكاتب. أعني كُلَّ مقتضياتِ المفردةِ (تراسُلٍ) مِن إرسالٍ واستقبالٍ وإعادةِ إرسال. مثَلاً مقدمةُ سورةِ المُدّثِر مع آية (والضُّحى) حيثُ يقولُ: "إن كان الضحى ساعةَ عملٍ، وعملُ النبي هو أن ينذِر القوم فيمنحهم طاقة (قم فأنذر)، وأن يتزّود بطاقة إيجابية بدلَ التي يفقدها في عملية شحنه للْآخرين )وربك فكبر) ومقاومتهم لهذا الشحن بطاقة سالبة يهاجمون بها النبي، وأن يتخلص مما علق به من طاقاتهم السلبية أثناء نقل طاقتهِ الإيجابية إليهم (وثيابَكَ فطهر) ...إلخ". وكذلك مقدمةُ (المُزَّمِّل) مع (والليلِ إذا سَجَى): "حيث يأمر الله نبيه أن يقيم الليل (قُم اللَّيلَ إِلاّ قَلِيًلا * نِصَفه أَو انْقص مِنهُ قَلِيًلا * أَو ِزْد َعلَيِه َوَرتّْل الْقْرآن تَرتِيًلا(، لماذا؟ (إِنَّا َسنُلِقي َعليَك قَوًلاً ثَقيًلاً)، وفي الليل فيما يبدو مسار طاقات كوني سماوي عجيب يجعل عملية الشحن الديني أقوى وأشد أثرًا (إِن نَاشئَةَ اللَّيل ِهي أشدُّ وَطْئًا وأَقْومُ قِيًلا)، فاشحن طاقتك واستعدّ للضحى وما فيه من شغلٍ نبوي محتاجٍ إلى طاقة كبيرة. وهنا يمكن أن نقرأ )َوالُضحى*َواللّيل إِذا َسجى) في سورة نزلَت بعد فترة انقطاع الوحي الثانية بطريقة دلالية تحتوي على سورتين نزلتا بعد فترة انقطاع الوحي الْأولى". وهذا التراسُلُ يقتضي معايشةً استثنائيّةً من الكاتبِ لنصوص القرآن الكريم، تذكّرني – مع فارق عُمق التلَقّي- بحديث الشيخ الشعراويّ عن شيوخ الكتاتيب وتوجيههم تلاميذَهم لإدراك متشابهات القرآن والتمييزِ بينها بمفاتيحَ حروفيّةٍ بالغةِ الدِّقّة.
2-             الإغراقُ في شاعريّةِ الأسلوب، ونحنُ هنا إزاء شاعريّةٍ خاصّةٍ بـ(أحمد حسن محمد) الشاعر حاصد الجوائز (ولعلَّ أشهرَها جائزةُ البابطين للإبداع الشِّعريّ التي كان أصغرَ الفائزين بها منذُ إنشائِها، عن ديوانه (مدينةٌ شرقَ الوريد) عام 2010)، حيثُ الصُّورةُ مُرَكَّبَةٌ إلى أقصى درجاتِ التركيب فمِن مقدمتِه (فاتحةُ التلقّي) يقول: "وتحت ظلِّ سنبلةٍ قرآنيةٍ أخرجتُ من زوّادتي قريةً ورغيفَين بسطتُها أمامي بحجمِ قصيدتين من شِعري القديم، مَرّ بي ضالٌّ قديمٌ يرتدي بعض ملامحي ويكلمني بصوتي". وكذلك في فقرةٍ معنونةٍ باستفهامٍ استنكاريٍّ (اللهُ يريدُ أن يعذّبَكَ؟ وأمثلةٌ أخرى) يقول: "فلا تكن جنينًا رخًوا، وامتص ما يمكنك من عظام التجربِة، فلكلِّ حَملٍ نهايةٌ، وحين تولد من رحم التجربِة، لابُد أن تكون قويِّا وأن تكون قد حصلتَ على خبرة جنينية جيدة تجعلك تجتاز كل اختبارات الحمل القادمِة بثقة، لتولَد أقوى وأصفى ضحكةً كأي طفل قوي وسيم".
3-             درجةٌ من درجاتِ القطيعةِ المعرفيّةِ مع تراثِ المعرفةِ الإنسانيةِ الغربيةِ، تتجلّى في اتهاماتٍ مُضمَرَةٍ أحيانًا وصريحةٍ أحيانًا لمباحث الوجود والمعرفة والألوهيةِ في الفلسفةِ الغربيةِ بالتسطيح، ومثلها موجَّهة إلى علم النفس الذي تقَعَّدَ في صورتِهِ الحاليّةِ المكرَّسَةِ حولَ العالَمِ في أوربّا وأمريكا. يواكبُ هذه الاتهاماتِ دعوتُهُ المتكررةُ إلى نشوءِ علمِ نفسٍ إسلاميٍّ أو قرآنيٍّ يتأسسُ على قراءةٍ متجددةٍ للقرآن. كما يواكبُها شكلٌ من أشكالِ التعميمِ المتسرِّعِ أحيانًا في إلصاقِ معتقَدٍ بعينِه بطائفةٍ بعينِها كما في حديثِهِ عن تناسُخِ الأرواحِ واعتقاد (الفلاسفةِ) فيه. ربما هو مجازٌ مُرسَلٌ علاقتُهُ الكليّة فأطلقَ اللفظةَ وأرادَ بعضَ الفلاسفة! لكن على أيةِ حال، علينا أن نتخيلَ موقفًا افتراضيًّا يقرأ فيه أحدُ دارسي الفلسفةِ المعاصرةِ في أوربّا هذا العملَ ليصطدمَ بهجومِهِ المُلمِح المُصَرِّحِ على الفلسفة والمشتغلين بها، مع ملاحظةِ أنَّ الفكرَ الإسلاميَّ (أعني الذي وصلَ إليه مفكرون مسلمون) قد يتشابَهُ بدرجاتٍ متفاوتةٍ مع أفكارِ فلاسفةٍ غربيين، وللمسلمين مرتكَزاتُهم القرآنيةُ في فكرِهم ذلك (كتشابُهِ إبطالِ ديفيد هيوم لمقولةِ السبب والنتيجةِ مثَلاً مع ما يقولُ به الأشاعرةُ المسلمون واتخاذِهم هذا الإبطالَ ذريعةً لفهمِ عدم احتراق إبراهيم بالنار، وكذلك تشابه ما وصلَ إليه الباحثُ نفسُهُ من تحليله لموقف المجيء بعرش بلقيس إلى سليمان حين قال: "هذا من فضل ربّي ليبلوَني أأشكُرُ أم أكفُرُ" مع النتيجةِ التي ساقَها (سارتر) في (نظريةٌ عن الانفعالات) مِن أنَّ التعبيرَ الجسديَّ عن الفرحِ هو ضربٌ من السِّحرِ يعوّضُ به الشخصُ الفَرِحُ كسلَهُ عن القيامِ بمهماتِه المترتبةِ على الموقف المُفرح، فهُنا سليمانُ أدركَ حقيقةَ الموقفِ الابتلائيَّةَ ولم يَنسَقْ إلى السِّحر!)، فصحيحٌ أنّ سياقَي هذه الأفكارِ الغربيَّ والإسلاميّ مختلفان، إلاّ أنّ هذه التشابهات قد تمثّلُ مُنطلَقًا للحوار مع الآخَر، لاسيّما أنّ القرآن مُتَعالٍ على الشرقِ والغرب كما قد نلمحُ من آيةِ (اللهُ نُورُ السماواتِ والأرضِ) من سورةِ النُّور! وربّما في هذا التَّتَرُّسِ بالنصِّ القرآنيِّ في مواجهةِ تياراتِ المعرفةِ الإنسانيةِ المختلفةَ امتدادًا لمفهومِ الولاءِ والبَراءِ عند التيار السلفيِّ الإسلاميّ (وهذا المفهومُ في حقيقتِه ما هو إلاّ صيغةٌ رياضيةٌ بسيطةٌ لبيانِ انتماء العناصر إلى المجموعاتِ المختلفة!). لكن قد تكونُ هذه الدرجةُ من القطيعةِ المعرفيّة هامّةً لعكوفِ باحثِنا على النصّ القرآنيِّ يهذا الإخلاص، وربّما لولاها لما أتحفَنا بقراءةٍ عميقةٍ كهذه تَثري طَيفَ المعرفةِ الإنسانيّةِ المُتنوِّعْ.
4-             بخلافِ النقطةِ السابقةِ نجدُ الكاتبَ مُغرَمًا بأدبياتِ المعرفةِ التجريبيةِ الغربية، فيُكثِرُ من استخدام الاصطلاحات التركيبية المستخدمة بكثرةٍ في العلوم البحتة والتطبيقيّة في صيغتِها الغربية كقولِه "سَنتي-يُتم"، "مفتاحٌ أكسيجينيٌّ في باب سورة الضحى (عائل)"، "السلّم الكهرو-استكباري" وغيرها كثير، ممّا يُذَكِّرُني بكتاب "اغتصاب مفكري ما بعد الحداثةِ للعِلم" للفيزيائيّ والرياضيّ الأمريكيّ (آلان سوكال) والفيزيائي وفيلسوف العلم البلچيكي (چان بريكمونت)حيثُ ينتقدُ اجتراءَ نُقّادِ الأدبِ والفلاسفةِ على اصطلاحات العلم التجريبي بطُول الكتاب! فبعضُها موفَّقٌ في موضعِه وبعضُها ربّما ساقَه للسخريةِ، ولكن هي ظاهرةٌ جديرةٌ بالتسجيلِ على كلّ حال!
5-             دعوةُ الباحثِ إلى الفرديّةِ في تلقّي النصّين القرآنيّ والنبويّ. هو يقفُ بالمرصاد لكلِّ ما مِن شأنِهِ إحاطةُ محاولاتِ السابقين بهالاتِ القداسةِ ومأسَسَتُها ومصادرةُ الحقّ في الاجتهاد. وهو يقفُ في هذا موقفًا قريبًا من مفكّرين معاصرين متفاوتي الحظوظ من الجِدّيّة، لكنّه يشترطُ على الباحثينَ لضمانِ وصولِهم إلى نتائجَ ألاّ يكون قُصاراهم إثارةَ الأسئلة، وإنما عليهم أن يبحثوا بأنفسهم عن إجاباتٍ لها، وإلاّ فستكونُ نتيجةُ نشاطِهم الأوَّلِيِّ هي الهَدمَ بالتأكيد، والهَدمُ – حين يتعلّقُ الأمرُ بالنصوص المركزيةِ في الإسلام – يعني مباشرَةً رفضَ كل حديثٍ اتفقَ المحدِّثُون على نسبتِه إلى النبي إذا لم يوافق النظرةَ الأولى لدى الباحث، وصولاً إلى رفضِ نبوةِ النبيِّ نفسِه ومِن ثَمّ رفضِ القرآن جُملةً وتفصيلا.
6-             ترتبطُ هذه النقطةُ بالثالثةِ (نقطة القطيعة المعرفية). أعني هُنا حرصَ الباحثِ على تقديمِ مُنتَجٍ مفاهيميٍّ إسلاميٍّ في مقابلِ كثيرٍ من المفاهيمِ الرائجة عالَمِيًّا، فهو يقترحُ بديلاً عن (تناسُخ الأرواح) الشائعِ في دياناتٍ ومذاهب مختلفةٍ مفهومًا يسمّيه تقريبًا (تناسُخَ الذاكرةِ الجسديّة) يتعلّقُ بالسلاسلِ الغذائيّة المعروفة في البيولوچي، ويتمحورُ حولَ اكتسابِ الآكلِ صِفاتٍ من جسدِ المأكول، ويمضي خُطوةً بهذا الاقتراحِ ليفسّرَ بهِ مثَلاً وصفَ القرآنِ للمُعاقَبين بالنارِ في الآخِرةِ وحديثِهم فيها. يعترفُ الباحثُ بأنّ دلائلَهُ نقليّةٌ عن سلَفٍ كابنِ خلدونَ الذي فسَّرَ طبائعَ الشعوبِ بطبيعةِ ما تأكلُه، فضلاً عن طرائقَ معينةٍ في فهمِ الحديثِ النبويّ. يبقى الاقتراحُ في الحقيقةِ مُثيرًا للخيال، وتحديدًا الخيالَ العِلميّ في ظلّ صعوبةِ إثباتِه أو نفيِه بطُرُق العلمِ التجريبيّ المعروفةِ حالِيّا.
7-             درجةٌ من الپراجماتية الدَّعَوِيّة لا يمكنُ إغفالُها، ونعني بها استغلالَ الباحثِ وحشدَهُ لكلِّ إمكانياتِ النّصّ القرآنيّ في الدعوةِ للتحلُّقِ حولَ مائدةِ الإسلام، وربما تكونُ بعضُ هذه الإمكانياتِ عارضةً وليست أصلِيّةً من منظورٍ ما. المثَلُ الأبرزُ هو استعانتُهُ برَسم حرف الثاء الذي تنتهي به آخِرُ كلماتِ سورةِ الضحى (فحَدِّثْ) حيثُ يرصُدُ مشابهتَه لطبَقِ فاكهةٍ مُقَدَّمٍ إلى مُتَلَقّي السورة. وهو رصدٌ متماشٍ جدًّا مع سياقِ قراءتِه للسورة رغم أنّ رسم الثاء بنقاطها الثلاثِ أمرٌ طرأ على رسم الحروف العربية مع نصر بن عاصمٍ وسِواهُ كما يقولُ التاريخ.
8-             الربطُ الدائمُ الذي ينجِزهُ الباحثُ بينَ القرآنِ وبينَ حقلَي التنميةِ البشريّةِ والتربية. هنا نزعةٌ پيداجوجيةٌ أراها مُحَقِّقةً للمفهومِ الواضحِ من قولِ الله تعالى في القرآن: "إنَّ هذا القُرآنَ يَهدِي للّتي هِيَ أقوَمُ".
9-             نزعةٌ صوفيّةٌ ربّما لن يسمّيَها الباحثُ بهذا الاسم، إلاّ أننا نلمحُها في تقاطعاتٍ لقراءته مع أدبياتٍ في التصوفِ الإسلاميّ، على غرار ما يُورِدُهُ من رمزية الطيور في قَصَصِ إبراهيم وسُليمان مثَلاً، وفي رُؤاهُ الشخصيّةِ وحوادثِ واقعِه، مع (منطق الطَّير) لفريد الدين العطّار النيسابوري، وكذلك ما يركِّزُ عليه من الجَوهَرِ الحِكمِيِّ لمواقفِ الأنبياءِ في القرآنِ مع (فُصُوصِ الحِكَم) لمُحيي الدينِ بن عرَبيٍّ، حيثُ هناك نجدُ فصوصَ حِكَمٍ موسويّةٍ وسليمانيةٍ وغيرَها. 
     في النهايةِ نحنُ أمامَ وعيٍ مختلفٍ في طريقةِ تلقّيهِ للنص الإسلامي المركزيّ، وهو مختلفٌ بما تستوجبُهُ الكلمةُ من اختلافٍ عن طرُقِ الإسلاميين التقليديةِ المُكَرَّسَةِ تراثيًّا، وطُرُقِ العَلمانيّين المتفاوتةِ الحظوظ مِن الاجتراءِ على هذا النصِّ إلى حدِّ الاستهزاءِ به والسّلام. ولهذا كُلِّهِ فهي محاولةُ تَلَقٍّ جديرةٌ بالقراءةِ والاشتباكِ معها، وتحريكِ الماءِ الآسِنِ في الفكرِ الإسلاميّ.

محمد سالم عبادة

4 ديسمبر 2016
نُشِرت في عدد يناير 2017 من مجلة (عالَم الكتاب) المصرية

Sunday, 1 January 2017

ظاهِرُهُ ثورةٌ وباطِنُهُ سُكون: قراءةٌ في ديوان (لُغَةُ النُّور) للشاعر محمود عبدالرازق جمعة


ربما انتبهَ الفنان (أحمد الجنايني) إلى السُّكون الذي يشغلُ عُمقَ نصوص هذا الديوانِ الصادرِ عن سلسلةِ (كِتابة) بهيئةِ قصور الثقافةِ مطلعَ هذا العامِ، رغم محاولةِ الشاعرِ تصديرَ صورةٍ ثائرةٍ للمتلقّين عبرَ أدواتٍ تعبيريّةٍ مختلفةٍ سنستعرضُ بعضَها لاحِقًا، ولهذا اختارَ صورةَ الغلافِ تلك الفتاةَ الجالسةَ في استكانةٍ مرتديةً ملابسَ محتشمةً، وهي كما هدانا البحثُ لَوحةٌ للفنّان الصينيّ المعاصر (يِي زيانمِنْ) ..
     أولُ ما يُطالِعُنا من نصوصِ الديوانِ الإهداءُ "إلى لغةٍ خلقناها وشمسٍ لا غُروبَ لها .. وحُلمٍ لم يزَل غَضًّا كطفلٍ بالفؤادِ لَها" .. وهو مقطعُ يختزِلُ في جماليّاتِه ومستوياتِ تأويله المحتمَلَةِ طبيعةَ ما سنلتقيهِ من جمالياتٍ واحتمالاتِ تأويلٍ في نصوصِ الديوان، فالشاعرُ يعتمدُ آليّاتِ البلاغةِ العربيةِ التقليديةِ لتشكيلِ نَصِّه، حيثُ التشبيهُ والاستعارةُ حاضرانِ بيانيًّا بكثافةٍ، والجِناسُ التامُّ بين آخِرِ البيتَين لا تُخطئُهُ الأذُنُ ولا العَين .. ونلاحظُ أنَّ إحالاتِ الضميرِ المستترِ (نحنُ) في قولِهِ (خلقناها) تتسمُ بقَدرٍ من الغموضِ فلا نعرفُ ابتداءً هل (نحنُ) المُشارُ إلَينا عاشقانِ خَلَقا لغةً خاصّةً بهما، ممّا يستتبعُ أن تنسحِبَ الجُمَلُ اللاحقةُ على العالَم الحميميّ لهذين العاشقَين، فالشمسُ شمسُ علاقتهما والحُلمُ حبُّهما المتجددُ مثلاً، أم أنَّ (نحنُ) تشيرُ إلى المجموعِ الإنسانيِّ فيكونُ المقصودُ تواضُعَ البشرِ على اختلاقِ اللغةِ، ممّا يستتبعُ أنَّ الشمسَ قد تكونُ ما يسطعُ من معرفةٍ تتجددُ بتجددِ إمكاناتِ اللغةِ، والحُلمَ قد يكونُ تحقيقَ تواصُلٍ يقينيٍّ بين البشرِ واضعي اللغةِ لينتفيَ سوءُ الفهمِ وتصلَ البشريةُ إلى جنّتِها المعرفيةِ الموعودةِ مثَلا .. وربّما المقصودُ مزيجٌ من هاتين الإحالتَين بتوابعِهما، وربّما هو شيءٌ رابعٌ لم تُفلِح هذه القراءةُ السريعةُ في اقتناصِه!
     ننخرِطُ في مواصلةِ القراءةِ فنعرفُ أنّنا أمامَ ديوانٍ مُخلصٍ للعَروضِ، احتوى ثلاثةً وعشرينَ نَصًّا تشملُ الإهداءَ، منها سبعةُ نصوصٍ عموديةٍ والباقي تفعيليّ .. استحوذَ البحرُ المُتدارَكُ على نصيبِ الأسَدِ بتسعةِ نصوصٍ منها سِتّةٌ في الصورةِ الأبسطِ الأسرَعِ من المُتدارَك (الخَبَب) بتفعيلتِها (فَعِلُنَ فَعِلُنْ) .. وفي رأيي المتواضعِ كانت هذه هي الآليّةَ الأوضحَ التي اعتمدَ عليها الشاعرُ في تصديرِ الصورةِ الثائرةِ المُشارِ إليها آنِفًا، بما اعتادَهُ المتلقُّون من قَرن هذا الإيقاعِ الموغلِ في السرعةِ بالمضمونِ الثَّورِيّ في الشِّعر العربيِّ المعاصِر، لاسيّما عند (نزار) و(دنقُل) مثَلاً .. لكن عند تأمُّلِ القصائدِ المصوغةِ على هذا الإيقاعِ في الديوانِ نجدُ أنّ رُوحًا محافِظًا بشكلٍ عامٍّ يتخللُها ويهيمنُ عليها .. ففي (على هامشِ الأسطورةِ) مثَلاً يحاولُ الشاعرُ أن يُسائِلَ المقولاتِ الدينيةَ فيما يتعلَقُ بمسألةِ الجَبرِ والاختيارِ على نطاقٍ أوسعَ وبرؤيةٍ أشملَ ممّا جرَت العادةُ عليهِ، فالاختيارُ قائمٌ ظاهريًّا إلاّ أنّ النظرَ إلى الظروفِ التي تدفعُ الآثِمَ لاختيارِ الإثمِ وإلى تركيبِ النفسِ المُعَقَّدِ يَجعلُ من الاختيارِ والجَبر وجهَين لعُملةٍ واحدةٍ: "ما ذنبُ النفسِ اللوامةِ؟ ماذا فعلَت كي تتحمَلَ إصرًا ليس لها دخلٌ فيهِ؟ كانت يدُها مغلولةً، امتدّت كفُّ النفسِ الأمّارةِ بالسُّوءِ ففعلَت، قلبَت ذاكَ الباطِلَ حَقًّا، جعلَت ذاكَ الحَقَّ جرائمَ لا تُغتفَرُ ... إلخ". لكنَّ هذه المُساءَلَةَ ليست ثورةً جِذرِيَّةً بقَدرِ ما هي محاولةٌ يائسةٌ للفَهم يعرِفُ الشاعرُ أنها محكومٌ عليها بألاّ تَصِلَ إلى إجابةٍ: "وحدَكَ تَدريهِ يا رَبّ .. وحدَكَ تعرفُ كُلَّ تفاصيلِ الدَّرب .. وحدَكَ تُدرِكُ كيفَ ابتدأت تلكَ الحَربْ .. وحدكَ تعلمُ كيفَ الفرَجُ وكيفَ الضِّيقُ وكيفَ الفَكُّ وكيفَ الكَربْ ...إلخ".
     كذلك في (قلبي البَلُّورِيّ) نجدُ رسالةَ حُبِّ تتذرَّعُ بكلِّ المُعتادِ من تفاصيلِ علاقاتِ الحُبِّ وما دأبَ الشُّعراءُ على وصفِهِ، ولا يعني هذا أنَّها رسالةٌ غيرُ ممتِعةٍ لقارئها، لكنّ المُتعةَ متًصِلَةٌ هنا بتاريخِ قصائدِ الحُبِّ الحديثةِ والمعاصِرَةِ كما نعرفُها فهي تدورُ في فلَكِها على مستوياتِ البيانِ المختلفة: "قلبي البلُّورِيُّ العالِقُ في سلسلتِكِ يُقسِمُ لي في كلِّ مناسبةٍ من غيرِ مناسبةٍ أن لا قبلَكِ أن لا بَعدَكْ/ قلبي البلُّورِيُّ العالِقُ في سلسلتِكِ لا يتأنّى في الحُبِّ وأخشى في بعضِ مطبّاتِ الدُّنيا أن يَعلُوَ يَعلُوَ، أن يتهاوى يتهاوى، أن تُفلِتَ سلسلتُكِ من مرآةِ السيارةِ ذاتَ مساءٍ تسقُطَ عنها، يسقُطَ منها، يتحطمَ، يبعُدَ عن عينيكِ وخديكِ وشفتيكِ ولا يلثمَ وردَكْ".  
     نموذجٌ ثالثٌ لما نتحدثُ عنه هو قصيدةُ (لستُ اللهَ) التي يحاولُ الشاعرُ فيها مساءلةَ الحُزنِ والوجعِ الإنسانيِّ عن جدواهُما: "ما شأنُكِ أيتُها الآهْ؟ كيف تجيئين مُحَمَّلَةً كُلَّ خبايا النفسِ وتنطلقين سريعًا من قاعِ الوجعِ إلى أعلاهْ؟" ثُمَّ يستعرضُ نماذجَ من الندمِ المصطبغِ بالآهِ: "ندمَ نبيٌّ وقفَ طويلاً بينَ حُطامِ الرُّوحِ على رُؤياهْ/ ندِمَ صبيٌّ ناجٍ من نصلِ الخنجَرِ – حاول وهو رضيعٌ أن يسعى بين الحَجَرَينِ – على مسعاهْ ...إلخ" ليخرُجَ منها إلى وجعِهِ الخاصِّ: "خرجَت من قلبِ حناجِرِهم بلغَت قلبي/ حفرَت لي أخدودًا لا يُبصَرُ في دَربي/ وأنا مازلتُ على عهدي صَبًّا مفتونًا بالدنيا ...إلخ" إلى ختامِ القصيدةِ "ظلمٌ ألاّ تغفلَ عيني وأنا لستُ اللهْ" .. فالعنوانُ قد يشي بثوريّةٍ وجوديّةٍ ما، يُعضِّدُ ترقُّبَنا لها إيقاعُ القصيدةِ (الخَبَبُ)، لكن في الحقيقةِ هي زفرةٌ مكتومةٌ أو نفثةُ مَصدُورٍ كما يُقالُ، فخلفَ الظاهرِ الساخطِ باطنٌ ساكنٌ من الرثاءِ لحالِ النفس.  
     ولأنّنا بإزاءِ شاعرٍ مخلِصٍ للوَزن الشِّعريِّ، نتوقفُ عند مقطوعةٍ عموديّةٍ من أربعةِ أبياتِ مصوغةٍ في البحر البسيط - وهو بخلافِ اسمِهِ واحدٌ من البحور المُرَكَّبَةِ من تفعيلتَي مُسْتَفْعِلُنْ فَعِلُنْ – وهي (عصفورتان): "قلبي تحوَّلَ عُشًّا في لظى العَيشِ/ عيناكِ عُصفورتانِ احتلّتا عُشِّي.. عيناكِ في الحُبِّ قُرآنانِ رُتِّلَتا/ على فؤادي بلا حفصٍ ولا وَرشِ .. عيناكِ طاقاتُ نُورٍ والظَّلامُ أنا/ لأجلِهِنّ على جَمرِ الهوى أمشي .. فأختفي حينما أدنو بقُربِهما/ عَجِبتُ من سعيِ قلبي حاملاً نَعشِي". في خبرتي الجماليةِ الشخصيةِ تبلغُ متعةُ القراءةِ هنا ذِروتَها حيثُ يسمحُ طولُ الشطرِ الشِّعريِّ مع توقّفاتِهِ المرتبطةِ بالرَّوِيِّ لشاعرِنا أن يرتِّبَ أفكارَهُ وينتقِلَ في سلاسةٍ من فكرةٍ إلى التي تليها، كما تشحذُ توقُّفاتُ الرَّوِيِّ التي ألزمَ بها نفسَهُ – بارتضائِهِ الكتابةَ في قالَبِ العَمودِ – خيالَهُ لالتقاطِ لحظاتٍ من الصُّوَرِ البيانيّةِ لم يكُنْ له أن يلتقِطَها لولا هذا الالتزامُ الجَمالِيّ .. فالصورةُ الأخيرةُ لقلبه ساعيًا حاملاً نعشَهُ دلالةً على اتحادِهِ الصُّوفيِّ الكاملِ بمحبوبتِهِ – وهو ما يصرّحُ به صدرُ البيت (فأختفي حينما أدنو بقربهما) – هذه الصُّورةُ هي وليدةُ إخلاصِهِ لرويِّ الشِّينِ المكسورةِ مع طبيعةِ الإيقاعِ التي حملَتهُ على أن يصوغَ مفرداتِ صورتِهِ على هذا النَّحو .. وفي تقديري المتواضعِ ينمُّ البريقُ المُلاحَظُ في ختامِ تلك المقطوعةِ بالتحديدِ على أننا أمامَ شاعرٍ أكثرَ إخلاصًا للعمودِ الشِّعريِّ وأعمقَ انتماءً إليه من شِعرِ التفعيلةِ الحُرّة، حتى ولو جاءَ مُعظَمُ قصائدِ الديوانِ الذي بين أيدينا تفعيليّا ..
محمد سالم عبادة
أكتوبر 2016
نُشِرَت في صحيفة (أخبار الأدب) المصرية بتاريخ الأحد 25 ديسمبر 2016


Saturday, 22 October 2016

كل القوارير .. قراءة في كتاب (كل البنات حلوين) لكاتبات موقع (نون)


من مزايا كتُب المقالات المُجمَّعة لكُتّابٍ متعدّدين (الأنثولوجِيّات) أنّها تقدّمُ وجبةً دسِمةً لِهُواةِ الإحصاء! أعني مَن تسلَّطَت عليهِم – مِثلي – جِنّيّةُ الإحصاء يومًا ما فظَنُّوا أنّهم سيُفنُون أعمارَهم في تقديمِ القرابينِ لها من بُطونِ الكتُب ومِن بينِ سُطورِ صفحةِ العالَم، ثُمّ شُغِلُوا عنها فظلّتْ قابعةً في زاويةٍ مظلِمةٍ من وعيِهم، تنتظرُ قُربانًا مناسبًا لتَظهَرَ إلى النُّور كُلَّ عِدّةِ أعوام!
     لا أمهّدُ بالأرقامِ لدراسةٍ أسلوبيّةٍ مقارِنةٍ كعادةِ الأسلوبيّين، لأني لستُ منهم بحُكم التخصُّص. وإنما أمارِسُ لَعِبًا حبيبًا إلى نفسي مع نُصُوصِ هذا الكتاب ..
     أولُ ما يبدَهُنا الغِلافُ من تصميم (هاني صالح) حيثُ يقدّم صورةً فوتوغرافيّةً لأثوابٍ من القماش المنقوش بألوانٍ نسائيّةٍ مبهِجةٍ متراصّةٍ فوقَ بعضِها، فيما يُعَدُّ في رأيي معادلاً بصريًّا مبتَكَرًا لموضوع الكتابِ وعنوانِه ..
     يضُمُّ الكتابُ الصادرُ حديثًا عن دار (الشروق) اثنين وستّين مقالاً لسِتٍّ وعشرين كاتبةً، وكاتبٍ واحدٍ هو (لاري نبيل).. (آية خالِد) المحرِّرَة في موقع (نُون) الذي استضاف كُلَّ هذه المقالات قالت في المقدّمةِ إنّ عنوانَ الكتابِ وُلِدَ في جَلسةٍ استضافها الموقِعُ وتحوَّلَ من مجرّد (إفّيه) مأخوذٍ مِن أغنيةٍ شهيرةٍ (كل البنات بتحبّك) لـ(حسام حسني) إلى شِعارٍ لحَملةٍ قامَت بها كاتباتُ الموقِع للثورةِ على القوالبِ النمطيّةِ المُعَدَّةِ سلَفًا للجَمالِ في المرأة/ البنت .. كُتِبَت المقدّمةُ بالعامّيّة، كما كُتِبَ ثلاثةٌ وثلاثون مقالاً بالعامّيّة، وخمسةٌ وعشرون بالفُصحى، وأربعةٌ بمَزجٍ منهما .. (ريهام سعيد) أغزرُ الكاتباتِ إسهامًا بسبعةِ مقالاتٍ منها سِتّةٌ بالعامّيّة وواحدٌ بالمَزج .. بعدَها كُلٌّ من (حنان الجوهري) و(ياسمين عادل) بخمسةٍ لكلٍّ منهما .. بين مَن جمَعن مقالات الفصحى إلى العامية (غادة خليفة) و(رانيا منصور) وكِلتاهُما شاعرة .. لـ(غادة) مقالٌ بالفصحى من أصل ثلاثة مقالات، ولـ(رانيا) واحدٌ من أصل اثنين .. مقالُ (غادة) الفصيح (في ممرّاتِ الجَمال) يُشبهُ شِعرَها جِدًّا: فِقراتٌ مُرقَّمَةٌ قافِزَةٌ بين أحداثٍ تقعُ في أماكنَ مختلِفةٍ يربِطُ بينَها هاجِسُ اكتشافِ الذّاتِ، وهُنا تحديدًا من زاويةِ الأنوثةِ وعلاقتِها بالجَمال .. كذلك جاءَ مقالُ (رانيا) الفصيح (أربعةُ أشياءَ تتنفّسُ بها المرأةُ وتَذبُلُ دُونَها) فِقراتٍ مُرَقَّمَةً تتناولُ كلٌّ منها (شيئًا) من المُشارِ إليها في العنوان، والقصيدة/ المقال يُخاطِبُ الرَّجُل/ الحَبيبَ بشكلٍ لا لَبسَ فيه، وهو ما يُحيلُ قارئَ المَقالِ فورًا إلى شِعر (رانيا) المنشورِ في غير هذا الكتاب ..
     كما استُقِيَ عنوانُ الكتابِ من أغنيةٍ، جاءت المُدخَلاتُ الثقافيّةُ للكاتباتِ – مِن أفلامٍ وأغانٍ وأعمالٍ أدبيّةٍ - واضحةً تمامًا في كثيرٍ من المقالاتِ بِتَرَدُّدِ إشارتِهِنّ إليها .. مثلاً (رنا حسين) أشارت إلى فيلم (المرايا) و(غادة خليفة) إلى (أنا حُرَّة) و(ساندرا سليمان) إلى (فتاة المصنع) و(حنان الجوهري) إلى (صايع بحر) لفظًا و(هستيريا) بشكلٍ ضمنيٍّ حين تماهَت مع (عبلة كامل) في دور (وِداد) في ذلك الفيلم حيثُ قالَت: "أنا ممكن ولا آكُل ولا أشرب ولا أنام بس الراجل اللي أحبه يطبطب عليّ وكِدَهُوَّنْ، ويقول لي سلامة رِجلِك من الوقفة يا وداد"، وقارنَت (ياسمين عادل) بين فيلمَي (تيمور وشفيقة) و(الباب المفتوح) من حيثُ موقفُ الرَّجُلِ من المرأةِ في كِلَيهِما.
     أمّا على صعيد الأغاني، فقد أشارَت (سمر طاهر) إلى (قوم اقف) لـ(بهاء سلطان)، وضمنيًّا إلى (عينك) لـ(شيرين عبد الوهاب) حين تماهَت مع السَّطر (عينك على اللي رايحة واللي جاية)، وأشارَت (إسراء مقيدم) إلى (الزهور زي الستات) لـ(محمد فوزي)، و(دينا فرَج) إلى Shower لـBecky G، و(ساندرا سليمان) إلى فرقة (محيي الدين بن عربي) وغنائها أبياتَ (رابعة العدوية) الشهيرة في الحُبّ الإلهي، و(ريهام سعيد) إلى فريق Spice Girls، و(ياسمين يوسف) إلى (بلد البنات) لمحمد منير ..
     على صعيد الإشاراتِ الأدبيةِ، أشارت (ساندرا) كذلك إلى قصيدةٍ لـ(إبراهيم البجلاتي)، و(مي فتحي) إلى (تنسى كأنكَ لم تَكُنْ) لـ(محمود درويش)، و(حنان الجوهري) إلى رواية (شنغهاي بيبي) لـ(ويهوي چو) والمجموعة القصصية (وارقص) لـ(سهير صبري)، و(رزان محمود) إلى رواية (الباب المفتوح) لـ(لطيفة الزيات)..
      وأخيرًا، امتازت (حنان الجوهري) بالإشارة إلى أحد إعلانات اللبن البودرة في مقالها (مش عايزة هدية عيد أُم يا فريدة)!
     وفي الحقيقة لم يأتِ تفاعلُ الكاتباتِ مع هذه المُدخَلاتِ دائمًا متعلّقًا بمسألة جَمال المرأةِ إيجابًا وسَلبا .. وهذا ببساطةٍ لأنّ هُمومَ هذه المقالاتِ تراوحَت بين الالتزام بهذا المِحوَر إلى أقصى حَدٍّ كما في مقالاتِ (رزان محمود) الثلاثةِ التي صُدِّرَ بها الكتابُ، والابتعادِ عنه إلى آفاقٍ مختلفةٍ قد تتعلّقُ بمسألة الرّضا عن العالَم والتصالُح مع القدَر كما في (سونار وسخّان 40 لتر) لـ(ريهام)، أو العلاقة بالله كما في (وشكوتُ للهِ أنَّ التُّرابَ يُحزِنُني) لـ(دينا فرَج) ..
     وإجمالاً فقد تراوحَت المقالاتُ بين الهَمّ النِّسويِّ الصِّرف (وهو ما يستحوذُ على مُعظَم المقالات) والخروجِ منه إلى الإنسانيِّ العامّ .. في (إنّهنّ حتمًا لا يتنفّسنَ هُناكَ) تتأمّل (دينا فرَج) ما تسمّيه (ميكانو الطوب الأحمر) في إشارةٍ إلى العماراتِ المتراصّةِ على جانبَي الطريق الدائريّ غيرَ حافِلَةٍ بحقوقِ قاطنيها في أقلّ القليلِ من مساحةِ الخصوصيّة أو أقلّ القليل من الجَمال .. تُصَدّرُ لنا همًّا إنسانيًّا حين تتأمّلُ معاناةَ هؤلاء القاطنين مع محيطِهم الأسمنتيّ، لكنّ التفاصيلَ دائمًا تتعلّقُ بامرأةٍ ما، ولا تَخرُجُ إلى حيّز الرِّجال إلاّ في سياقِ طفولةٍ تلعبُ الكُرَةَ أو زوجَين يقلقان من تنصُّتِ الجيرانِ إلى علاقتِهما الحميمة، فيَظهَرُ أنَّ هَمَّ المَقالِ نِسوِيٌّ بالأساسِ وإن اختبأَ خلفَ رحابةِ الإنسانيّ ..
     على عكسِ هذا النموذجِ جاءَ مقالُ (رضوى أسامة) الموسومُ (لماذا لا يُشبِهُ العالَمُ أصدقاءَ أبي؟)، حيثُ تَخرُجُ من خبرةِ طفولتِها الخاصّةِ إلى تأمُّلٍ يتعلّقُ بمعاملَة الأطفالِ إجمالاً- ذكورًا وإناثًا دون تفرقةٍ- وإسهامِ البالغين في تكوين صورتِهم الذِّهنيّةِ عن أنفسِهم ..
     نعودُ إلى المحورِ الأساسيِّ للكِتابِ، فنكتشفُ أنّ للمراحلِ العُمريّةِ المختلِفةِ في حياةِ المرأةِ أنصِبَةً محدّدةً من دفاعِ هذه المقالاتِ عنِ عالَمِيّةِ جَمالِ المرأة .. فَـ(انتبهوا، إنهم يسرقون طفولةَ أبنائنا) لـ(هدى الرافعي) و(أنا جميلة يا تيتة) لـ(رَزان) مثلاً يتعلّقانِ بأنَّ (كُلّ الطِّفلات حلوين)، و(سيبيها تشيل شنبها) لـ(سارة عابدين) يتعلّقُ بأنّ (كل المراهقات حلوين) مع تركيزِه على مسألةِ الاتّساقِ في تربيةِ الأبناء، بينما (مناخيرِك المنفوشة تدُلّ على أنوثة طاغية) لـ(ياسمين عادل) – والذي تتناصّ في عنوانِه مع جُملة (فؤاد المهندس) الشهيرة في (مطاردة غرامية) – يتعلّقُ بأنّ (كُلّ الحوامل حِلوين) .. وأخيرًا نجدُ (موت فاتن وحياة صباح) لـ(سمَر طاهِر) يؤكّدُ ضمنيًّا على أنَّ (كُلّ المُسِنّات جميلات) ومِن حقِّهِنّ أن يمارِسن الحياةَ كما يحلو لهُنّ ..
     التيّارُ العامّ للمقالاتِ هو ضربُ عرضِ الحائطِ بمقاييس الجَمال المُرَوَّجِ لها إعلاميًّا لصالِحِ أنماطٍ جسديّةٍ أُخرَى، ويبلغُ هذا ذِروتَه في مقالاتٍ مثل (فتيات إفريقيا الجميلات الممتلئات) لِـ(رَزان) و(أصل أنا مش عاملة ريچيم) لـ(إنچي إبراهيم) حيثُ يزدري المقالان النمطَ الجسديّ الشائعَ وصفُهُ بـ(الصحّيّ) أو (اللائق طبّيًّا) بكلّ تفاصيلِه، فيما يمكن وصفُهُ بالإرشاد الصّحّيّ المقلوب! هي موعظةٌ طبيّةٌ خاطئةٌ (سياسيًّا) كما يقولُ الأمريكيّون politically incorrect!
     أخيرًا يمكنُ بَسطُ المقالاتِ على مُنحنىً بيانيٍّ مِحورَاهُ هما (نقدُ الجَسَد) و(نَقدُ الرُّوح) .. بالطبعِ لا تخلو مقالاتُ نقدِ الجسَد من إشاراتٍ إلى الرّوح، والعكسُ صحيحٌ، ولا يمكن ألاّ يكونَ الأمرُ كذلك في الحقيقة .. ما أسلفناهُ من أمثِلةٍ يُرَكِّزُ معظمُه على (نقد الجسَد) بالفِعل، وإن كنتُ أرى واجبًا أن أُنَوِّهَ ببعض المقالاتِ التي عبَّرَت في جَمالٍ استثنائيٍّ عن صداقةِ الكاتبةِ وجَسَدِها .. ربّما أهمُّها المقالُ الافتتاحيُّ لـ(رَزان) (أنا جميلة يا تيتة) في فقرةٍ تبدأُ "جسَدي .. هنا قلبٌ تحمَّلَني حتى في أيامٍ صعبة" وتنتهي "هنا شَعرٌ يَحتاجُ القليلَ من الرِّعاية"، ومعَه (رسالة إلى جسمي) لـ(مَيّ فتحي) باكتنازِهِ بتفاصيلَ دقيقةٍ في تطوُّرِ وعي الكاتبةِ بجسدِها وصولاً إلى مرحلة عمليّة (تدبيس المَعِدَة) وما بعدَها .. وثالثُهُما (سِرُّ العلاقة الحميمة) لـ(ياسمين عادل) حيثُ اقتحَمَت مُحَرَّمَ الجِنسِ محاولةً تقديمَ فهمٍ مُغايرٍ لطبيعةِ العلاقة، يُعبّرُ عن جزءٍ منهُ قولُها (يا بَختُه اللي فيوزاتُه تبقى راكبة على فيوزات جوزُه)! وهو قولٌ -على خِفّةِ دمِهِ- يذكِّرُني شخصيًّا بشَرح أستاذِنا أستاذِ أمراضِ الذُّكورةِ بقصرِ العيني الدكتور (أشرف فايز) للحديث النبويّ "خيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالِحة" حيثُ يرى أنّ المقصودَ "صالحةٌ لهذا الزوجِ تحديدًا، كالقُفلِ والمفتاح، وليس صلاحَ الصلاةِ والصومِ والعبادات رغمَ أهميتِها".
     أمّا (نقدُ الرُّوح) فرُبّما أبرزُ أمثِلَتِه مقالُ (كاميليا حسين) (أخطر ستّ قابلتها) الذي تعكفُ فيه على تأمُّلِ الشعور بالذَّنب و(عُقدةِ النقصِ، كما كان يَحلو لألفريد آدلر أن يُسَمِّيَها). تقول في نهايته: "باصطاد كل الكلام السلبي اللي باسمعه من الناس وأغزِل منّه لعنة أعلّقها في رقبتي عشان ما اخطّيش خطوة" معبِّرَةً عن أزمةٍ وجوديّةٍ حادّةٍ تسكنُ وَعيَها، ولا نُعَقِّدُ الأمورَ إذا قُلنا إنّ موضوعَ هذا المقال/ التّدوينة هو (نَقدُ نقدِ الذّات)!
     كذلك مقال (امتى بقى هاحِسّ بالرّاحة) لـ(مَيّ فتحي) يعبّرُ عن قلقٍ وجوديٍّ أصيلٍ إزاءَ كُلِّ مظاهرِ الحياةِ، ولا يبدو منه مَخرَجٌ لدى الكاتبةِ إلاّ النسيانُ .. أن تَنسَى وتُنسَى، متماهيةً مع العذراءِ (مَريَم) في أزمتِها الوجوديّة كما عبَّرَت عنها الآيةُ القرآنيّة "يا لَيتَني مِتُّ قبلَ هذا وكنتُ نَسيًا مَنسِيّا" ..
     انتهاءً، هذا الكتابُ فرصةٌ للإطلالِ على فكرِ وإبداعِ مجموعةٍ من الكاتباتِ المصريات الشابّات، والوقوفِ على طبيعةِ موقفهنّ من أبرزِ القضايا النسويّةِ قاطبةً، وهي بالتأكيدِ قضيّةُ ماهِيّة الأنوثةِ بحدّ ذاتِها، وكيفَ صاغتها الممارسةُ البشريّةُ المجتمعيّة، وكيفَ يطمَحنَ إلى تغييرِها .. لا نجدُ ثورةً جِذريّةً في الحقيقةِ في ثنايا الكتابِ على الوجودِ أو على التصوُّر الدينيّ عن دور المرأة، رغم الإشاراتِ المتناثِرةِ عن الضيقِ بقولبةِ الأنثى بواعزٍ من نُصوصِ الدِّين .. بل نجدُ (نهلة النمر) في (بنت مسترجلة في مجتمع محتاج يسترجل) تقولُ: "المرأة زي القارورة اللي هي الزجاجة في رقّتها، لكن كمان من خصائص الزجاج إذا انكسر إنه يكون حادًّا وجارحًا"، وهو ما يَشِي برِضًا تامٍّ عن الوصفِ النبويّ الشهير للمرأة، وإن كان يقدّمُ تفصيلةً جديدةً فإنّها لا تَخرُجُ عن أن تكون اجتهادًا جديدًا في فهم النّصّ، بعد التسليمِ بصحّتِه ..
........................... 
محمد سالم عبادة
27 سبتمبر 2016
نُشِر في (أخبار الأدب) بعنوان (كتاب ضد مقاييس الجَمال المُرَوَّج لها إعلاميًّا) بتاريخ 16 أكتوبر 2016

Monday, 15 August 2016

لغز الاستثنا .. من ديواني (دروس في العربي)


عَلَيّا انّي اصيد كل طير كل طير
سِوا بْشَرّ طالع غُناه أو بخير
ما يِنفَدش من بُندقِيتي سِوى
أبابيل تعشش ف جامع ودِير!

بسِقط اللِّوَى، أو فِ أرض اللوا
بيطلَع غُنايا ف بياتي النَّوَا
ما تسمعش منّي نشاز ما عدا
صدى للنشاز القوي، جاك أوَا!

أنا برُبع تون اشتريت زئرِدة
وكبَّرتها ف صابحة وف مسعِدَة
ما كَشِّتش من نصبِة التخت إلاّ
امّا راح زمن الباشا والكَتخُدا!

مافيش عِلّة زي الطرَش، أغبى عِلّة
تغور سفسطات السكون المملَّة
وإن كنت بالصمت مُغرَم، فحاشا
وكلاّ، اتِهام زُور ومن غير أدِلَّة!

أنا كنت يوم كتخُدا وصِرت باشا
وأصبحتُ مِن بعدُ بُؤرِة عفاشة
ما يجليش حياتي مقام ما خلا
صَبا زمزمة ف جُبّ مربوط بِشاشة!


ما ترقيني يا بنت بالصهللة
بـ(إيه العبارة)، بْجُفون مُسبَلَة
قالت لي: رقيتك بـ(لا شيءَ) غير
حَدَرجا بَدَرجا ف زمان البَلَه!    
محمد سالم عبادة
الجمعة 8/6/2012
من ديواني (دروس في العربي) الفائز بثانية مسابقة (أخبار الأدب) لشِعر العامّيّة في 2015

............. نُشِرَت في عدد يوليو 2016 من مجلة (المجلّة) الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب                    

Monday, 27 June 2016

سارتر


إجَّاصَتانْ ..
تتدلَّيانِ مِن السماءِ كما هُما إجَّاصَتَينِ ، فلا هما في صَدرِ مُلهِمَةٍ ،
ولا تتدليانِ مِن الكِتابَةْ ..
كَرَبَ المُمَزَّقُ يَعتَلِي مِزَقَهْ !

وأنا : حِمارٌ ليس يَحمِلُ هذه الأسفارَ ، مُبتَهِجٌ ، ولاتُغريهِ مَسكَنَةُ الأتَانْ ..
وحَوَافِرِي تَسفِي التُّرابَ بِرَقصَتي ، إيقاعُها بينَ انكِساراتِ الرَّتابَةِ والرتابَةْ ..
نَغَمُ الوُجودِ مُبارِزٌ نَزَقَهْ ...!

فإذا التقى بِفَمِ الخِتانِ فَمُ الخِتانْ .. :
فلَسوفَ يبرَأُ كلُّ إثمٍ مِن مَتابِ أبيهِ آثِمِهِ ، فَوَا أَبتَاهُ ما أرجَى مَتَابَهْ !
واللهُ لَم يَسلُبْهُ ما رَزَقَهْ !!

وأكادُ أذكُرُ حِينَ قَطَّبَتا لَنا في السُّحْبِ ، واسمُ إشارةٍ يَلهُو ، كأنَّهُما اللَّتَانْ ...
شَتَّانَ بَينَ الحالِ يومَئِذٍ وتلكَ الحالِ يومَ تدلَّتا إجَّاصَتَينِ كما هُما ،
هذا ، فَمَن مِنكُمْ سَيَبسُطُ لي عِتَابَهْ ؟؟

رَسَخَ البَيانُ وسهمُكُمْ خَزَقَهْ ؟!
كَرَبَ المُمَزَّقُ يَعتَلِي مِزَقَهْ ...
إجَّاصَتَانْ ...!
...............
محمد سالم عبادة
2008
نُشِرَت بمجلة الهلال المصرية في عدد يونيو 2016

Friday, 1 April 2016

ومضاتٌ من الوعي (قراءةٌ في المجموعة الروائية: صِدام الحفريات، لكريم الصياد)

رواياتٌ وَمضيّة .. كذلك أراد كريم الصياد هذا التصنيف لهذه الثلاثية المجموعةِ في كتابِه .. واكبَ ظهورَ هذا الكتابِ في النصف الأولِ من عام 2012 إعلانُ صاحبِه اعتزالَ الأدب بشكلٍ شبهِ مُؤقَّتٍ لرؤيتِه أنّ الوسط الأدبيّ المصريَّ غيرُ ملائمٍ لنوعيةِ ما يكتبُهُ من أدَب .. نحنُ أمامَ ثلاثِ رواياتٍ (وَمضِيّةٍ) هي بترتيبِها في الكتاب: (مُقشَعِرّات – صِدامُ الحفريّات: أركيولوچيا الأرضِ والسماء – الحَراشيف) .. كلُّ الروايات مكتوبةٌ بطريقةِ الفصول القصيرة المُرَقَّمَة المُعَنونَة بعناوين فرعية ..
الروايةُ الأولى (مقشعِرّات) يتبادلُ فيها البطولةَ مع الرّاوي شخصٌ غيرُ محدَّدِ الهُوِيّة يقولُ عنهُ في الفصلِ الأولِ (القهوة السويدية) إنه عرفه في أحد المؤتمرات الدولية و"لم يَعرف أحَدٌ الدولةَ التي كان يمثِّلُها" .. في إحالةٍ بلاغيّةٍ إلى المكتوبِ في كُتب السّيرة النبوية عن إبليس حين حضرَ اجتماعَ القُرَشِيّين للائتمارِ بالنبي .. ثُمّ إنه يصِفُ فعلَه بقولِه: "كان يصمت حتى ينتهي سيجاره متأملاً ما يخلقه من عوالم الدخان التي تمتد دون أيدٍ في الفراغ" في إحالةٍ مقلوبةٍ إلى الآية: "والسماءَ بنيناها بأيدٍ وإنّا لَمُوسِعُون". فهو خالِقٌ دونَ أيدٍ، دون قُوّةٍ، وربّما دون قصدٍ مسبَّقٍ، وربّما خَلقُهُ بالدخانِ هكذا تأكيدٌ لنظريةِ الصُّدفةِ في نشأةِ العالَم من طرفٍ خفِيّ .. المهمُّ أننا أغلبَ الظنِّ إزاءَ الشيطان في هذه الرواية .. تدريجيًّا عبرَ هذه الروايةِ الأولى يتخلّصُ الكاتبُ من جِلدِهِ الذي يبدأُ في القُشعريرةِ حين يأكلُ في الفصل الثالث (الشجرة) من الشجرةِ المحرَّمَة التي هي الفنُّ والمرأة .. يقولُ له الرجلُ الذي اتفقنا على أنه الشيطان: "سأعرف أنك أكلت من المرأة حين تلطّخك الأجنّة. وأنك شربت من السيمفونية حين تبللك الدموع. وأنك سكنت القصيدة حين يقشعرّ جلدك كالصوف المنفوش. حين يبدو عليك كمعطفٍ. حين يبدو عليك كمعطفٍ ليس معطفَك.". في الفصل الخامس (الثالوث) يدورُ حوارٌ بين الكاتب والبحر/ العالَم حول جدوى وكُنه العلاقةِ بين ثنائياتٍ هي: الكاتبُ والبحر/ الكاتبُ والمرأة/ الكاتبُ والشيطان، يختارُ الكاتبُ في نهايتِه أن يحتفظَ بعلاقتِه بالشيطانِ أمام البحر وأن تختفيَ المرأة: "فليكن هو هو .. وأنت بحرًا .. وأنا-يا بحر-طفلاً". وطفولتُهُ مع الشيطانِ تعني أنّ هذا الأخيرَ رمزٌ على تساقُطِ الأساطيرِ والأفكارِ المسبّقَة والانفتاحِ على العالَم واختبارِ الفروضِ بصددِ الوصولِ إلى الحقيقة .. ربما يكونُ هو الفلسفةَ ذاتَها باعتبارِها بحثًا دءوبًا عن الحقيقة .. يتعلّمُ الكاتبُ القشعريرةَ من الشيطانِ باعتبارِها أُمَّ اللغاتِ ويصبحُ حوارُهُ مع البحر من خلالِها .. بعد ذلك يتساقطُ عنه المزيدُ من جلدِهِ، مرّةً في صورةِ المرأةِ التي يريدُها ومرّةً في صورة القصيدة الموزونة التي يورِدُها في فصلٍ بعنوان (ديوان في رواية) يتلوهُ فصلُ (نقد) يسمعُ فيه تعليقَ الشيطانِ على القصيدة: "القوافي تخدش في الجلد كالأظافر لكنها لا تنغرس فيه، اترك الأظافر مرتشقة في جلد المستمعين أفضل"، و"أقترح عليك أن تدع بحور الشعر وتتعلم أنهاره، فتربتها أكثر خصوبة حول المصبّات وما يليها من أذن وُسطَى وداخلية".
الروايةُ الثانيةُ (صِدامُ الحفريات: أركيولوچيا الأرض والسماء) تحاولُ أن تختزِلَ التاريخَ الإنسانيَّ بما فيه من نشوءِ المجتمعات وتكوُّن السُّلطة ونشوءِ الدين وفكرةِ القداسةِ، وطبيعة الصّراع بين الطبقاتِ فيما بعدُ وتكوُّن علاقاتِ القُوّة – كما يفهمُها فوكو دونَ إشارةٍ صريحةٍ له – من خلالِ تدشينِ المعنى بالكلمةِ المكتوبة .. والرّاوي هنا في بعضِ الفصولِ يكونُ الكاتبَ نفسَه أو مجموعةً غيرَ محددةٍ تعبّرُ عن نفسِها بصيغة المتكلمين، ويبدأ ظهورُهم في الفصل الثاني (العهد) حيثُ يقولون: "ها نحن جئنا يا أنبياء .. الأرض عذراء. ونحن جميعًا سنصير من أبنائها". ويلجأُ الكاتبُ في عنونةِ بعض الفصولِ إلى ما يشبهُ الألعابَ البديعيّة القديمةَ لكن في ثوبٍ ساخرٍ جديدٍ ينتهِكُ تاريخَها الساذَجَ في الحقيقةِ .. وذلك كما في الفصل العاشر (عَدَن) الذي يشيرُ به إلى الجَنّة إشارةً واضحةً (رغم سكونِ الدّالِ في اللفظة المعجمية الأصلية)، ثُمّ الحادي عشر (نَدَعْ) ولا أعرفُ لها معنىً مباشرًا إلا (نَترُك) أو (نتخلّى) .. يقولُ في العاشِر بلسانِ المتكلمين المشارِ إليهم: "حديقة صغيرة ذات شجرة واحدة ستكون أجمل .. ستكون أرحب .. ستكون أشهى من كل ما سيصنع الناس من حدائق .. من كل ما سيجرب الناس من شهوات .. ستكون كذلك محرمة". حيثُ يعقّبُ المتكلمون بأنّ هذه الحديقةَ وهمٌ كبيرٌ سيتلهى به البشَر طيلةَ حياتِهم .. أما في (ندَع): "حتمًا ستجد وسط هذا الجوع ما تطعم به طفلها، بحثت كثيرًا حتى وجدتْ ساقها". فهو هنا يسرِدُ مصيرَ امرأةٍ يتتبعُها منذُ بداية الرواية ذاهبةً إلى فَناءٍ وعدَمٍ لا مَخرَجَ منهُ إلى وجودٍ ثانٍ، محاولاً فضحَ وهمِ الجَنّة الذي حدثَنا عنه المتكلمون بهذا المِثال .. والروايةُ ناضحةٌ بالنيتشوية .. فمحاولةُ الكاتبِ تتبُّع ظهور مفهومي الخير والشرّ وعلاقتهما ببقاء النظُم الاجتماعية مستقرّةً وإبقاء من في السُّلطة على مصالحهم يذكِرُنا بآراءِ (نيتشه) في (ما وراءَ الخير والشّرّ) وفي غيرِه من مُنجَزِه الفكريّ .. كما يشيرُ من طرفٍ خفيٍّ بين الفينةِ والفينةِ إلى الكائناتِ السوپر المتعالية على الأعراف والتقاليد المجتمعية وأخلاق العَبيد من مفهومٍ نيتشويٍّ كما في قوله: "إن الطيور التي تطير لن تحسدنا على أجنحتنا ولن يسحرها تحليقنا .. أما الطيور التي لا تطير فستؤمن بالسحر والحسد" وكما في فصل (ديك الحظيرة): "إذا أردتم أن يكفر الناس بأبطالهم.. اجعلوهم يؤمنون بالشيطان .. لا نعرف ما الشيطان .. أنا نفسي لا أعرف .. فليكن شيئًا ما, وستصبح البطولة لا شيء".
في الرواية الثالثة (الحراشيف) نستطيعُ أن نميِّزَ أركيولوچيا أخرى يبسُطُها لنا الكاتب، ولا نبالِغُ إذا قُلنا إنها أركيولوچيا (كريم الصياد) الشخصية .. وربّما يبدو أنّ تنامِيَ الأحداث الروائيَّ التقليديّ هو أوضحُ ما يكونُ في المجموعةِ هنا .. يخبرُنا (كريم) في الفصل الأول القصير –في لمحةٍ (ميتا-سَردِيّة)- بأنه يكتُبُ فصول هذه الرواية في الثواني التي يُغفِي فيها أمامَ مصادرِ مذاكرتِه لرسالتِه العلمية .. كثيرٌ من الفصول معنوَنٌ بأسماءِ أعلامٍ في التراثِ الفكري العربي الإسلامي: ابن رشد, ابن حزم، ابن سينا، الزركشيّ، ابن عربيّ .. وكلٌّ منهم يكونُ له تجسُّدٌ – أو فلنَقُل: تنَزُّلٌ – في أحداثِ الرّواية التي تقعُ في حارةٍ في السيدة زينب .. ثَمّ عسكَرٌ خياليّون يمثّلون تهديدًا دائمًا لأهل الحارة .. وهم غيرُ محدّدي الهُوِيّة مبدئيًّا .. وزمَنُ الرّوايةِ دَوّامِيٌّ حُلُمِيٌّ رائحٌ غادٍ في التاريخ .. ابنُ رُشد يصبح (رشدي) صاحب ورشة الأرابيسك، وابنُ سينا يصبح شيخًا سيناويًّا وابنُ عربيّ يصبح رجلاً ببذلة قديمة وطربوش جالسًا دائمًا في مكتبٍ يكتظّ بالكتُب ومنهمِكًا في فهرسة وتدوين كل شيء .. نعرفُ أنّ جماعةً سِرّيّةً تسمى (الحراشِف) تتكون لمقاومة الغزاة أو العسكَر الذين استوطنوا الحارةَ وهم – بخلافِ أهلِها – لا يفهمونَ شيئًا عن فنون العمارة ولا الموسيقى ولا النقوش الإسلامية، وأنّ زعامةَ هذه الجماعة تئولُ من أحدِ هؤلاء الأعلام إلى الذي يليه، حتى تصِلَ – بين مَن تصِلُ إليهم – إلى أم كلثوم ثُمّ عبد الوهّاب ثُم محمد عفيفي مطَر .. ونعرفُ أنّ نجاحاتِ الحركةِ في المقاومة تتوالى ولا يوقِفُها إلاّ زلزالُ 12 أكتوبر عام 1992 (وهو ما أحالَني بشكلٍ شخصِيٍّ إلى رؤية أسامة أنور عكاشة في مسلسل أرابيسك) ..
الخلاصةُ أننا بإزاءِ محاولةٍ لمعرفةِ حقيقة الهُوِيّة العربية الإسلامية الإنسانية منذُ نشأةِ الحضارةِ المسمّاةِ بهذا الاسمِ إلى الآن، وتصوُّرٍ للتياراتِ الفكرية التي دافعَت عنها وجددت دماءَها وفتحَتها على الإنسانيّة، في مقابلِ هؤلاء (العسكر) غير المحدَّدِين والذين ربّما يُقصَدُ بهم الجامدون الذين سعَوا إلى السلطةِ وإخضاع الناسِ بقتل تجلياتِ هذه الحضارة .. والاسمُ الذي اتخذته هذه الجماعةُ لنفسِها دالٌّ جِدًّا في اتجاهَين على الأقل .. أولُهما الحِرصُ المستميتُ على الدفاعِ عن الهوِيّة، وثانيهِما التمترُسُ بطبقاتِ الوعي والفكر الضاربةِ في طولِ التاريخ العربي الإسلامي كأنّها الحراشِفُ بالفعل ..
انتهاءً، فإنّ فصولَ الروايات الثلاثِ تتأرجَحُ بين الشِّعريّة الطافحةِ كأننا أمامَ قصائدِ نثر، والتماسُكِ النسبيّ في سياقِ الحدَث الروائي .. المجموعةُ جديرةٌ بالقراءة وإعادة القراءة في الحقيقة، وهي حُبلَى بمزيدِ إلهاماتٍ وأظنُّها كفيلةً بإدارةِ الكثيرِ من الجدَل حولَ عددٍ رهيبٍ من الأسئلةِ يبدأُ بمستقبَل الشكل الروائيّ، ولا ينتهي بإعادةِ الحَفر في مفهومِ الهُوِيّة.

نُشِرَت في عدد الأحد 27 مارس 2016 بـ(أخبار الأدب) المصرية
          

Friday, 23 October 2015

قراءة في رواية (كلام) لمحمد سالم عبادة - للشاعرة الصديقة/ دعاء فتوح



الإبداع إناء يمتلئ بالمعنى، و"كلما افترق عمّن يتحدثون لغته، ظل بلا لسان، وإن كان لديه ألف صوت" مثلما قال مولانا جلال الدين الرومي، فوجب على العمل الإبداعي الذي يطمح إلى البقاء أن يتحدث بلغات عدة تتناسب مع تنوع مستويات تلقيه الذي يختلف باختلاف المتلقي.

(كلام) رواية للشاعر والقاص والروائي محمد سالم عبادة. تحمل في طياتها سمة الكلمة التي يختلف فهمها وتأويلها باختلاف طريقة تلقيها، فهي نموذج مثالي للنص الذي يوحي بأكثر مما يقول صراحة!!

بعد قراءتي الأولى لها غرقت في موجة ضحك هستيري لا أعرف سببه، فأنا أمام أربعة شخوص منقسمين إلى أربعة فصول، كل فصل يحمل اسمًا لواحد منهم بمصاحبة كلمة أو أكثر:

أولاً/ مختار (ترنيمة)
ثانياً/ صلاح (الإثم وردة ذهبية)
ثالثاً/ نادر (اقترب المقت)
رابعاً/ عادل (وهبتُ لنصل فأسيَ أمَّ رأسي)

في حوالي مائة صفحة من القطع الصغير وبلغة مكثفة للغاية، تعرف أنهم ثلاثة أطباء ومتخصص في علم الاجتماع يعملون في مجالات مختلفة، وهم شعراء يكتب كل منهم نوعًا مختلفًا من أنواع الشعر، تعرف ذلك من نماذج صغيرة لأبيات شعر قُرئت في أمسية جمعتهم، فهم أعضاء جماعة أدبية تسمى (كلام)، ويحبون جميعاً (رحاب) التي لم تظهر إلا كصورة منعكسة في حدقة عين كل واحد منهم لتعكس ذاته. عند فشلهم جميعا بالارتباط بها، تنتهي الرواية بانتحارهم!!

فلماذا أضحك إذاً؟!
أبحث في عقلي عن أحداث الرواية الرئيسة، فلا أجد غير يوم الأمسية الشعرية، الذي نعيشه أربع مرات مختلفة باختلاف رؤية كل واحد منهم لذلك اليوم العارض!!

أعود مرة أخرى لآخر فقرة في الرواية فأجد (عادل) يحدث نفسه قبل الانتحار:
"اليوم.. (كلام) أنثى.. (كلام) لا يُفعَّل.. أنا أنثى.. طبنجة ليس لها من الفعل إلا ماسورتها.. حشوت خزانة المسدس.. أنا عارية تماما.. ها أنذا.. أفتح صوت الكمبيوتر لآخره.. أضحك كما لم أضحك من قبل..
We are the champions
الماسورة تدغدغني.. وأضحك.. سأضغط الزناد، وأتوقف عن الكتابة.."

من الواضح أن تلك الماسورة كانت تدغدغ نفسي، لهذا كنت أضحك مثل (عادل)!!
أدرك الآن أن عقلي يحتاج إلى قراءة أخرى لفهم الأبعاد (النفسية/ الاجتماعية/ الثقافية) لهم.

·       الأبعاد النفسية

في الفصل الثالث يوجد مفتاح فهم الأبعاد النفسية لكل شخصية من الأربعة، (نادر) أستاذ علم الاجتماع المتعالي، والذي أمقته فعليا، وأسعد كثيرا بانتحاره –يُشعرني بلزوجة عرق صيف وجب التخلص منها بحمام بارد!- يُلقي محاضرة عن أسباب الانتحار وفق وجهة نظر (دور كايم)*(1)، فنحن أمام شخوص رسمها الكاتب منتحرة بالفعل، فكل واحد منهم يمثل نموذجا من نماذج (دور كايم) الأربعة، و(رحاب) ما هي إلا رمز لعلاقة كل واحد منهم بالمجتمع الثقافي:

أولاً/ مختار (ترنيمة)، انتحار أناني:
فهو يحب رحاب كما يحب الله، ولكنه لا يقترب منها أو يتفاعل معها، حب لا يعرف سبل التواصل، فهو ذلك المسرع في صلاته لكي يلحق بحلقة ذكر صوفية ليتواصل فيها مع الله!!. كما أنه يشعر بانعدام انتمائه لمجتمعه الذي يأخذ جوانب عدة هي (الله/ رحاب/ صديقه المقرب نادر)، يقول مختار قبل انتحاره:
"اليوم سقط آخر في الحضرة بجواري.. لن يصيبني الدور أبدا."

ثانيا/ صلاح (الإثم وردة ذهبية)، انتحار إيثاري:
ينغمس (صلاح) في التجريب (الجنسي/ الثقافي) على مستويات عدة من المجتمعات (رحاب (وسط ثقافي)/ دينا (وسط العامة)/ سارة، وجورو ناناك (أوساط ثقافية وأدبية غربية)) ولكنه نهم وشره لا يستطيع التوقف، يكتب صلاح:
"الإثم وردة ذهبية/ نصلها يجرح سكون الكون الرتيب/ لكنني لا أستطيع أن أستمر في امتصاص رحيقها.."

فيضحي بعلاقته بـ(رحاب/ الوسط الثقافي) عندما يدرك أنها ستكون أفضل مع صديقه الأقرب (عادل). فيقول (صلاح) موجها حديثه لـ(عادل):
"أنت تنتمي لنفس المجتمع الذي تنتمي إليه (رحاب) يا (عادل).. تشارك فيه كواحد من أبنائه البررة وتغترف من نهر تقاليده، لكنك تفعل ذلك بوعي مطلق بقصوره الذاتي وتخلفه.. ستكونان معا زواجاً مثالياً إن قُدِّرَ لعاطفة ما أن تولد بينكما..)

ثالثا/ نادر (اقترب المقت)، انتحار فوضوي:
يحدث تحول عنيف في حياة نادر بزواجه من (رحاب)، فهو يفتقد الوازع الأخلاقي، وتزوجها فقط لأن شكل جسدها بدا له جميلا من الخلف!، فهو يراها سطحية وغير جديرة به، وعند محاولته الولوج فيها، يخفق في إقامة علاقة جنسية معها، فيتضاعف إحباطه وينتحر.

رابعا/ عادل (وهبت لنصل فأسي أم رأسي)، انتحار مصيري:
فهو يحب الأنثى للأنثى لدرجة أنها تتلبسه فعليا، فلا يستطيع الفكاك من الانصهار النفسي معها ليصبح هو (أنثى/ رحاب) فيصبح عبدا، وعبوديته تلك عائقا يقف أمام زواجه منها.
يقول (عادل) بعد غضب (رحاب) منه: "كانت غاضبة مني للغاية.. لا أطيق ذلك يا (رحاب).. أنا عبدك الطفل.. أنا مكسور بين يديك.."

·      الأبعاد الاجتماعية والثقافية

في فهمنا السابق للأبعاد النفسية، كان الكاتب قد ألقى لنا بوجهة نظر (دور كايم) في سياق أحداث الرواية وكأنها معلومة عارضة، ولكننا اكتشفنا أنها كانت كقطع (بازل) صغيرة عند تجميعها نرى صور واضحة لأسباب انتحار كل واحد من أبطال الرواية، فأنت أمام رواية تفاعلية، تريد من قارئها تجميع قطع (بازل) تخلق في كل محاولة لترتيبها عالمًا جديدًا يساعد في بناء تأويل جديد لعوالم شخوصها..
فهل تركت الأبعاد الاجتماعية والثقافية دون قطع (بازل) خاصة بها؟

بعد بحث خلف تاريخ كل كاتب أو مفكر تأثرت به إحدى الشخصيات تجد نفسك أمام:

أولا/ مختار (ترنيمة)، انتحار أناني، معادل موضوعي:
لشخصية (فيرتر) الذي ينتحر حين يكتشف أن قصة حبه باءت بالفشل، في أحداث رواية (آلام فيرتر) للروائي الألماني (جوته).

ثانيا/ صلاح (الإثم وردة ذهبية)، انتحار إيثاري، معادل موضوعي:
لشخصية الفنان التشكيلي الفرنسي (جوجان)، الذي اتخذه (سومرست موم) بطلا لروايته (قمر بستة بنسات) والتي أتى ذكرها بشكل عارض في الرواية، مثل (آلام فيرتر)!
فرائد الرمزية الآن (جوجان) تعرض لنقد شديد من معاصريه من النقاد والفنانين،  بسبب رفضه لمدرسة التجسيم الإغريقية، وسعيه للموائمة بين الواقع والخيال، وفشل في محاولة انتحاره  يناير 1898!!

ثالثا/ نادر (اقترب المقت)، انتحار فوضوي، معادل موضوعي:
لشخصية الفيلسوف الألماني (شوبنهاور)، الذي عُرِف بالعدمية والتشاؤم، فكان يرى الحياة شرًّا مُطلقا.

رابعا/ عادل (وهبتُ لنصلِ سيفيَ أُمَّ رأسي)، انتحار مصيري، معادل موضوعي:
لشخصية الشاعر والروائي الانجليزي (أوسكار وايلد) -صرح الكاتب بوجود الشبه بينهما بشكل مباشر- الذي حظي بتشجيع ومحبة معاصريه، ولكنه نُبذ وسُجن بسبب حكم المجتمع عليه أخلاقيا لـ(مثليته الجنسية)، ودافع وقتَها (وايلد) عن نفسه:
"إن الأعمال الفنية لا يمكنها أن تكون أخلاقية أو غير أخلاقية، هي فقط تكتب بشكل جيد أو بشكل سيء."

·      رمزية المجتمع

لا نستطيع فهم أبطال رواية (كلام) بمعزل عن رؤيتهم الخاصة عن المحفز والدافع  الرئيسي في الرواية لانتحارهم (رحاب/ أو مجتمعهم الثقافي)، أنت أمام ثلاثة أنواع من المجتمعات، لا نتعرف عليها بشكل واضح إلا من خلال أكثر الأبطال انفتاحا على العلاقات، بكلمات بسيطة منه يمكننا التأويل إلى ما لا نهاية، يقول (صلاح): "الحب ضفيرة من الروح والعقل والجسد"، ونكتشف رؤيته لرموز تلك المجتمعات (دينا/ رحاب/ سارة)، فنجد أن:

- دينا/ مجتمع العامة (بيضاء كالثلج-الروح/ بضة كالقطن-العقل/ ثرثارة كالمرأة-الجسد)
- رحاب/ مجتمع المثقفين (بيضاء كالسحاب-الروح/ بضة كالبالون-العقل/ ثرثارة كالماء-الجسد)
- سارة/ مجتمع غربي (بيضاء كالورق-الروح/ بضة كالدفتر-العقل/ ثرثارة كالقصائد-الجسم)

·      المفارقة أساس البناء

المفارقة هي الأساس الفعلي الذي اتكأت عليه السمات الشخصية لأبطال الرواية:

(مختار)
- شكله/ "جسد مترهل وكرش واسع وأرداف مكورة في تمام مضحك!"، إلا أن روحه تشبه الشتاء القارص الذي يصطك في بعضه من الألم.
- منجزه الأدبي/ "ربما أنا أغزر أصدقائي إنتاجا وأكثرهم تنوعا.. إلا أنني الأقل جماهيرية."
- مهنته/ "مشكلة حقيقية أن يداهم الروماتزم طبيب الروماتزم فيضطر إلى اعتزال مرضى الروماتزم!"

(صلاح)
- هو من طبقة اجتماعية عالية، وعلاقته بمجتمع البسطاء (دينا) تبدو ظاهريًّا تعاطفًا ومساندةً له، فيبحث لها عن عمل فيجعلها خادمة له، ثم يستغلها جنسياً.
- نظريا يبدو كفصل ربيع يزهر في حياة مجتمع البسطاء (دينا) فيقول: "أحاسيس البسطاء يجب أن تظل أفضل من أحاسيس النخبة.. وتصوراتهم يجب أن تظل أكثر مباشرة من تصورات أولئك.. ما يسميه (مختار) (نشازاً) في أصوات هؤلاء المطربين، يسميه عشاقهم (بحة).. وما يعتبره (نادر) سطحية في التناول اللحني وحتى في الكلمات، هو عين بساطة هؤلاء.. أما (عادل) فهو يتفهم هذا رغم أنه لا يحبه..".
ثم نجده يقول عندما فضلت (دينا) البقاء في المنزل وعدم حضور الأمسية الشعرية: "رائعة (دينا).. تعرف مكانها كما ينبغي.. وتتركني وشأني!"، فهذه هي وجهة نظره الحقيقية عن تلك الطبقة.

(نادر)
- يتعالى على رحاب ويتهمها بالسطحية ولكنه يتزوجها.
- يتزوج رحاب بسبب شكل جسدها الذي يعجبه، ولكنه يفشل في إقامة علاقة جنسية معها.
- يتعالى على عقلية مجتمع البسطاء ويرى أنه يعيش في طوره "الثيوقراطي" من أطوار الحياة العقلية، وينتحر على صوت الأغنية الشعبية "هنروح المولد".

(عادل)
- طبيب نساء، وسيم ولطيف كنسمة خريف دافئة تجتذب الفتيات الجميلات من سنه، ولكنه فعليا يتساقط جنسيا كأوراق الشجر فيميل إلى الكبيرات في السن.
- يحب ماهية (رحاب) وكونها أنثى، وليس رحاب بذاتها لذلك يريد أن يَكُونَها!!
- ينتقد أخلاق العبيد ويكون مثالاً فجًّا لها في علاقته برحاب!!

·      الخلاصة

أنت أمام رواية شاعر استفاد تمام الاستفادة من لغة الشعر المكثفة، وكان قديراً في توظيف مخزونه الثقافي عن تيار الوعي الثقافي بأوربا في القرن التاسع عشر، فنجده بوعي أو بدون وعي، قد أحالنا لتلك الحقبة التاريخية من تاريخ الأدب الإنساني.
وعلى غرار (إبْسِن) وضع في نصه فجواتٍ دلاليةً وجب على القارئ مَلؤُها، عن طريق المزيد والمزيد من العصف الدماغي!!

أنت فعليًّا أمام مقطوعة موسيقية تتحدث لغاتٍ عِدّة، فيمكنك تأويلها في (كلامٍ) متحرك ليبقى حياً.

"كلام" رواية صدرت عن دار نشر (أكتب) 2013، وحائزة على المركز الثاني بمسابقة الساقية 2013، والجائزة الثانية بمسابقة نادي القصة لنفس العام.
__________________________________

*(1) (إميل دور كايم، 15 إبريل 1858 - 15نوفمبر 1917)، أحد مؤسسي علم الاجتماع الحديث وأول من قال بأن الانتحار يأتي كظاهرة اجتماعية، بعكس ما كان شائعا بأنه ظاهرة نفسية.
 ...................................

نُشِرَت هذه القراءة في عدد الأحد 18 أكتوبر 2015 من (أخبار الأدب) المصرية تحت عنوان (مقطوعةٌ موسيقيةٌ تتحدثُ لغاتٍ عِدّة).