Loading...

Saturday, 22 October 2016

كل القوارير .. قراءة في كتاب (كل البنات حلوين) لكاتبات موقع (نون)


من مزايا كتُب المقالات المُجمَّعة لكُتّابٍ متعدّدين (الأنثولوجِيّات) أنّها تقدّمُ وجبةً دسِمةً لِهُواةِ الإحصاء! أعني مَن تسلَّطَت عليهِم – مِثلي – جِنّيّةُ الإحصاء يومًا ما فظَنُّوا أنّهم سيُفنُون أعمارَهم في تقديمِ القرابينِ لها من بُطونِ الكتُب ومِن بينِ سُطورِ صفحةِ العالَم، ثُمّ شُغِلُوا عنها فظلّتْ قابعةً في زاويةٍ مظلِمةٍ من وعيِهم، تنتظرُ قُربانًا مناسبًا لتَظهَرَ إلى النُّور كُلَّ عِدّةِ أعوام!
     لا أمهّدُ بالأرقامِ لدراسةٍ أسلوبيّةٍ مقارِنةٍ كعادةِ الأسلوبيّين، لأني لستُ منهم بحُكم التخصُّص. وإنما أمارِسُ لَعِبًا حبيبًا إلى نفسي مع نُصُوصِ هذا الكتاب ..
     أولُ ما يبدَهُنا الغِلافُ من تصميم (هاني صالح) حيثُ يقدّم صورةً فوتوغرافيّةً لأثوابٍ من القماش المنقوش بألوانٍ نسائيّةٍ مبهِجةٍ متراصّةٍ فوقَ بعضِها، فيما يُعَدُّ في رأيي معادلاً بصريًّا مبتَكَرًا لموضوع الكتابِ وعنوانِه ..
     يضُمُّ الكتابُ الصادرُ حديثًا عن دار (الشروق) اثنين وستّين مقالاً لسِتٍّ وعشرين كاتبةً، وكاتبٍ واحدٍ هو (لاري نبيل).. (آية خالِد) المحرِّرَة في موقع (نُون) الذي استضاف كُلَّ هذه المقالات قالت في المقدّمةِ إنّ عنوانَ الكتابِ وُلِدَ في جَلسةٍ استضافها الموقِعُ وتحوَّلَ من مجرّد (إفّيه) مأخوذٍ مِن أغنيةٍ شهيرةٍ (كل البنات بتحبّك) لـ(حسام حسني) إلى شِعارٍ لحَملةٍ قامَت بها كاتباتُ الموقِع للثورةِ على القوالبِ النمطيّةِ المُعَدَّةِ سلَفًا للجَمالِ في المرأة/ البنت .. كُتِبَت المقدّمةُ بالعامّيّة، كما كُتِبَ ثلاثةٌ وثلاثون مقالاً بالعامّيّة، وخمسةٌ وعشرون بالفُصحى، وأربعةٌ بمَزجٍ منهما .. (ريهام سعيد) أغزرُ الكاتباتِ إسهامًا بسبعةِ مقالاتٍ منها سِتّةٌ بالعامّيّة وواحدٌ بالمَزج .. بعدَها كُلٌّ من (حنان الجوهري) و(ياسمين عادل) بخمسةٍ لكلٍّ منهما .. بين مَن جمَعن مقالات الفصحى إلى العامية (غادة خليفة) و(رانيا منصور) وكِلتاهُما شاعرة .. لـ(غادة) مقالٌ بالفصحى من أصل ثلاثة مقالات، ولـ(رانيا) واحدٌ من أصل اثنين .. مقالُ (غادة) الفصيح (في ممرّاتِ الجَمال) يُشبهُ شِعرَها جِدًّا: فِقراتٌ مُرقَّمَةٌ قافِزَةٌ بين أحداثٍ تقعُ في أماكنَ مختلِفةٍ يربِطُ بينَها هاجِسُ اكتشافِ الذّاتِ، وهُنا تحديدًا من زاويةِ الأنوثةِ وعلاقتِها بالجَمال .. كذلك جاءَ مقالُ (رانيا) الفصيح (أربعةُ أشياءَ تتنفّسُ بها المرأةُ وتَذبُلُ دُونَها) فِقراتٍ مُرَقَّمَةً تتناولُ كلٌّ منها (شيئًا) من المُشارِ إليها في العنوان، والقصيدة/ المقال يُخاطِبُ الرَّجُل/ الحَبيبَ بشكلٍ لا لَبسَ فيه، وهو ما يُحيلُ قارئَ المَقالِ فورًا إلى شِعر (رانيا) المنشورِ في غير هذا الكتاب ..
     كما استُقِيَ عنوانُ الكتابِ من أغنيةٍ، جاءت المُدخَلاتُ الثقافيّةُ للكاتباتِ – مِن أفلامٍ وأغانٍ وأعمالٍ أدبيّةٍ - واضحةً تمامًا في كثيرٍ من المقالاتِ بِتَرَدُّدِ إشارتِهِنّ إليها .. مثلاً (رنا حسين) أشارت إلى فيلم (المرايا) و(غادة خليفة) إلى (أنا حُرَّة) و(ساندرا سليمان) إلى (فتاة المصنع) و(حنان الجوهري) إلى (صايع بحر) لفظًا و(هستيريا) بشكلٍ ضمنيٍّ حين تماهَت مع (عبلة كامل) في دور (وِداد) في ذلك الفيلم حيثُ قالَت: "أنا ممكن ولا آكُل ولا أشرب ولا أنام بس الراجل اللي أحبه يطبطب عليّ وكِدَهُوَّنْ، ويقول لي سلامة رِجلِك من الوقفة يا وداد"، وقارنَت (ياسمين عادل) بين فيلمَي (تيمور وشفيقة) و(الباب المفتوح) من حيثُ موقفُ الرَّجُلِ من المرأةِ في كِلَيهِما.
     أمّا على صعيد الأغاني، فقد أشارَت (سمر طاهر) إلى (قوم اقف) لـ(بهاء سلطان)، وضمنيًّا إلى (عينك) لـ(شيرين عبد الوهاب) حين تماهَت مع السَّطر (عينك على اللي رايحة واللي جاية)، وأشارَت (إسراء مقيدم) إلى (الزهور زي الستات) لـ(محمد فوزي)، و(دينا فرَج) إلى Shower لـBecky G، و(ساندرا سليمان) إلى فرقة (محيي الدين بن عربي) وغنائها أبياتَ (رابعة العدوية) الشهيرة في الحُبّ الإلهي، و(ريهام سعيد) إلى فريق Spice Girls، و(ياسمين يوسف) إلى (بلد البنات) لمحمد منير ..
     على صعيد الإشاراتِ الأدبيةِ، أشارت (ساندرا) كذلك إلى قصيدةٍ لـ(إبراهيم البجلاتي)، و(مي فتحي) إلى (تنسى كأنكَ لم تَكُنْ) لـ(محمود درويش)، و(حنان الجوهري) إلى رواية (شنغهاي بيبي) لـ(ويهوي چو) والمجموعة القصصية (وارقص) لـ(سهير صبري)، و(رزان محمود) إلى رواية (الباب المفتوح) لـ(لطيفة الزيات)..
      وأخيرًا، امتازت (حنان الجوهري) بالإشارة إلى أحد إعلانات اللبن البودرة في مقالها (مش عايزة هدية عيد أُم يا فريدة)!
     وفي الحقيقة لم يأتِ تفاعلُ الكاتباتِ مع هذه المُدخَلاتِ دائمًا متعلّقًا بمسألة جَمال المرأةِ إيجابًا وسَلبا .. وهذا ببساطةٍ لأنّ هُمومَ هذه المقالاتِ تراوحَت بين الالتزام بهذا المِحوَر إلى أقصى حَدٍّ كما في مقالاتِ (رزان محمود) الثلاثةِ التي صُدِّرَ بها الكتابُ، والابتعادِ عنه إلى آفاقٍ مختلفةٍ قد تتعلّقُ بمسألة الرّضا عن العالَم والتصالُح مع القدَر كما في (سونار وسخّان 40 لتر) لـ(ريهام)، أو العلاقة بالله كما في (وشكوتُ للهِ أنَّ التُّرابَ يُحزِنُني) لـ(دينا فرَج) ..
     وإجمالاً فقد تراوحَت المقالاتُ بين الهَمّ النِّسويِّ الصِّرف (وهو ما يستحوذُ على مُعظَم المقالات) والخروجِ منه إلى الإنسانيِّ العامّ .. في (إنّهنّ حتمًا لا يتنفّسنَ هُناكَ) تتأمّل (دينا فرَج) ما تسمّيه (ميكانو الطوب الأحمر) في إشارةٍ إلى العماراتِ المتراصّةِ على جانبَي الطريق الدائريّ غيرَ حافِلَةٍ بحقوقِ قاطنيها في أقلّ القليلِ من مساحةِ الخصوصيّة أو أقلّ القليل من الجَمال .. تُصَدّرُ لنا همًّا إنسانيًّا حين تتأمّلُ معاناةَ هؤلاء القاطنين مع محيطِهم الأسمنتيّ، لكنّ التفاصيلَ دائمًا تتعلّقُ بامرأةٍ ما، ولا تَخرُجُ إلى حيّز الرِّجال إلاّ في سياقِ طفولةٍ تلعبُ الكُرَةَ أو زوجَين يقلقان من تنصُّتِ الجيرانِ إلى علاقتِهما الحميمة، فيَظهَرُ أنَّ هَمَّ المَقالِ نِسوِيٌّ بالأساسِ وإن اختبأَ خلفَ رحابةِ الإنسانيّ ..
     على عكسِ هذا النموذجِ جاءَ مقالُ (رضوى أسامة) الموسومُ (لماذا لا يُشبِهُ العالَمُ أصدقاءَ أبي؟)، حيثُ تَخرُجُ من خبرةِ طفولتِها الخاصّةِ إلى تأمُّلٍ يتعلّقُ بمعاملَة الأطفالِ إجمالاً- ذكورًا وإناثًا دون تفرقةٍ- وإسهامِ البالغين في تكوين صورتِهم الذِّهنيّةِ عن أنفسِهم ..
     نعودُ إلى المحورِ الأساسيِّ للكِتابِ، فنكتشفُ أنّ للمراحلِ العُمريّةِ المختلِفةِ في حياةِ المرأةِ أنصِبَةً محدّدةً من دفاعِ هذه المقالاتِ عنِ عالَمِيّةِ جَمالِ المرأة .. فَـ(انتبهوا، إنهم يسرقون طفولةَ أبنائنا) لـ(هدى الرافعي) و(أنا جميلة يا تيتة) لـ(رَزان) مثلاً يتعلّقانِ بأنَّ (كُلّ الطِّفلات حلوين)، و(سيبيها تشيل شنبها) لـ(سارة عابدين) يتعلّقُ بأنّ (كل المراهقات حلوين) مع تركيزِه على مسألةِ الاتّساقِ في تربيةِ الأبناء، بينما (مناخيرِك المنفوشة تدُلّ على أنوثة طاغية) لـ(ياسمين عادل) – والذي تتناصّ في عنوانِه مع جُملة (فؤاد المهندس) الشهيرة في (مطاردة غرامية) – يتعلّقُ بأنّ (كُلّ الحوامل حِلوين) .. وأخيرًا نجدُ (موت فاتن وحياة صباح) لـ(سمَر طاهِر) يؤكّدُ ضمنيًّا على أنَّ (كُلّ المُسِنّات جميلات) ومِن حقِّهِنّ أن يمارِسن الحياةَ كما يحلو لهُنّ ..
     التيّارُ العامّ للمقالاتِ هو ضربُ عرضِ الحائطِ بمقاييس الجَمال المُرَوَّجِ لها إعلاميًّا لصالِحِ أنماطٍ جسديّةٍ أُخرَى، ويبلغُ هذا ذِروتَه في مقالاتٍ مثل (فتيات إفريقيا الجميلات الممتلئات) لِـ(رَزان) و(أصل أنا مش عاملة ريچيم) لـ(إنچي إبراهيم) حيثُ يزدري المقالان النمطَ الجسديّ الشائعَ وصفُهُ بـ(الصحّيّ) أو (اللائق طبّيًّا) بكلّ تفاصيلِه، فيما يمكن وصفُهُ بالإرشاد الصّحّيّ المقلوب! هي موعظةٌ طبيّةٌ خاطئةٌ (سياسيًّا) كما يقولُ الأمريكيّون politically incorrect!
     أخيرًا يمكنُ بَسطُ المقالاتِ على مُنحنىً بيانيٍّ مِحورَاهُ هما (نقدُ الجَسَد) و(نَقدُ الرُّوح) .. بالطبعِ لا تخلو مقالاتُ نقدِ الجسَد من إشاراتٍ إلى الرّوح، والعكسُ صحيحٌ، ولا يمكن ألاّ يكونَ الأمرُ كذلك في الحقيقة .. ما أسلفناهُ من أمثِلةٍ يُرَكِّزُ معظمُه على (نقد الجسَد) بالفِعل، وإن كنتُ أرى واجبًا أن أُنَوِّهَ ببعض المقالاتِ التي عبَّرَت في جَمالٍ استثنائيٍّ عن صداقةِ الكاتبةِ وجَسَدِها .. ربّما أهمُّها المقالُ الافتتاحيُّ لـ(رَزان) (أنا جميلة يا تيتة) في فقرةٍ تبدأُ "جسَدي .. هنا قلبٌ تحمَّلَني حتى في أيامٍ صعبة" وتنتهي "هنا شَعرٌ يَحتاجُ القليلَ من الرِّعاية"، ومعَه (رسالة إلى جسمي) لـ(مَيّ فتحي) باكتنازِهِ بتفاصيلَ دقيقةٍ في تطوُّرِ وعي الكاتبةِ بجسدِها وصولاً إلى مرحلة عمليّة (تدبيس المَعِدَة) وما بعدَها .. وثالثُهُما (سِرُّ العلاقة الحميمة) لـ(ياسمين عادل) حيثُ اقتحَمَت مُحَرَّمَ الجِنسِ محاولةً تقديمَ فهمٍ مُغايرٍ لطبيعةِ العلاقة، يُعبّرُ عن جزءٍ منهُ قولُها (يا بَختُه اللي فيوزاتُه تبقى راكبة على فيوزات جوزُه)! وهو قولٌ -على خِفّةِ دمِهِ- يذكِّرُني شخصيًّا بشَرح أستاذِنا أستاذِ أمراضِ الذُّكورةِ بقصرِ العيني الدكتور (أشرف فايز) للحديث النبويّ "خيرُ متاعِ الدنيا المرأةُ الصالِحة" حيثُ يرى أنّ المقصودَ "صالحةٌ لهذا الزوجِ تحديدًا، كالقُفلِ والمفتاح، وليس صلاحَ الصلاةِ والصومِ والعبادات رغمَ أهميتِها".
     أمّا (نقدُ الرُّوح) فرُبّما أبرزُ أمثِلَتِه مقالُ (كاميليا حسين) (أخطر ستّ قابلتها) الذي تعكفُ فيه على تأمُّلِ الشعور بالذَّنب و(عُقدةِ النقصِ، كما كان يَحلو لألفريد آدلر أن يُسَمِّيَها). تقول في نهايته: "باصطاد كل الكلام السلبي اللي باسمعه من الناس وأغزِل منّه لعنة أعلّقها في رقبتي عشان ما اخطّيش خطوة" معبِّرَةً عن أزمةٍ وجوديّةٍ حادّةٍ تسكنُ وَعيَها، ولا نُعَقِّدُ الأمورَ إذا قُلنا إنّ موضوعَ هذا المقال/ التّدوينة هو (نَقدُ نقدِ الذّات)!
     كذلك مقال (امتى بقى هاحِسّ بالرّاحة) لـ(مَيّ فتحي) يعبّرُ عن قلقٍ وجوديٍّ أصيلٍ إزاءَ كُلِّ مظاهرِ الحياةِ، ولا يبدو منه مَخرَجٌ لدى الكاتبةِ إلاّ النسيانُ .. أن تَنسَى وتُنسَى، متماهيةً مع العذراءِ (مَريَم) في أزمتِها الوجوديّة كما عبَّرَت عنها الآيةُ القرآنيّة "يا لَيتَني مِتُّ قبلَ هذا وكنتُ نَسيًا مَنسِيّا" ..
     انتهاءً، هذا الكتابُ فرصةٌ للإطلالِ على فكرِ وإبداعِ مجموعةٍ من الكاتباتِ المصريات الشابّات، والوقوفِ على طبيعةِ موقفهنّ من أبرزِ القضايا النسويّةِ قاطبةً، وهي بالتأكيدِ قضيّةُ ماهِيّة الأنوثةِ بحدّ ذاتِها، وكيفَ صاغتها الممارسةُ البشريّةُ المجتمعيّة، وكيفَ يطمَحنَ إلى تغييرِها .. لا نجدُ ثورةً جِذريّةً في الحقيقةِ في ثنايا الكتابِ على الوجودِ أو على التصوُّر الدينيّ عن دور المرأة، رغم الإشاراتِ المتناثِرةِ عن الضيقِ بقولبةِ الأنثى بواعزٍ من نُصوصِ الدِّين .. بل نجدُ (نهلة النمر) في (بنت مسترجلة في مجتمع محتاج يسترجل) تقولُ: "المرأة زي القارورة اللي هي الزجاجة في رقّتها، لكن كمان من خصائص الزجاج إذا انكسر إنه يكون حادًّا وجارحًا"، وهو ما يَشِي برِضًا تامٍّ عن الوصفِ النبويّ الشهير للمرأة، وإن كان يقدّمُ تفصيلةً جديدةً فإنّها لا تَخرُجُ عن أن تكون اجتهادًا جديدًا في فهم النّصّ، بعد التسليمِ بصحّتِه ..
........................... 
محمد سالم عبادة
27 سبتمبر 2016
نُشِر في (أخبار الأدب) بعنوان (كتاب ضد مقاييس الجَمال المُرَوَّج لها إعلاميًّا) بتاريخ 16 أكتوبر 2016

1 comment: