Loading...

Saturday, 8 August 2015

لغةٌ تُحيلُ إلى نفسِها .. قراءةٌ في ديوان (رَمادٌ أخضر) للشاعر (أحمد عايد)

 
 (رمادٌ أخضر) هو الديوانُ الأول للشاعر (أحمد عايد)، وهو الصادر عن هيئة قصور الثقافة كجزءٍ من جائزة الفوز بالمركز الأول في شِعر الفصحى في المسابقة الأدبية المركزية للهيئة في موسم 2013/2014، مناصفةً مع ديوان (الأول) للشاعر (أيمن ثابت).
   يبدَهنا العنوان في البداية بمفارقة النعت الغريب على منعوتِه .. والرمادُ المنعوتُ في هذا العنوان يأتي في طيات الديوان بشكلٍ واضحٍ في قصيدتين هما (رمادُ الحُلم .. حُلمُ الرّماد) و(نَصٌّ مجهولٌ وُجِدَ على شاهدة قبر أحد الفقراء)، ففي الأولى يقول: "هذا رمادُ الحُلمِ في كفيك يضحكُ من سذاجةِ فكرتي، هل للرمادِ بأن يفسِّرَ ما أقُولُ؟" إلى أن يقول: "كان الرمادُ يُحاصِرُ الأحلامَ قُربَ الهاوية"، وفي الثانيةِ وهي آخر قصيدةٍ في الديوان يقول: "كالذكرياتِ الناسياتِ ملامحي كان المَدى متحمسًا لتجاهُلي، لم أحمل الألقابَ في صدري ولم أحصُل على شيءٍ من الدنيا سوى هذا الرماد" .. وفي تقديري أنّ الرمادَ المُحتفى به في كلِّ موضعٍ في هذا الديوانِ هو الشِّعرُ ذاتُه، استنادًا إلى ظواهر أكثر من أن يحيط بها الإحصاء في هذا الديوان ترسُمُ لنا رؤيةَ الشاعرِ لنصيبِهِ من الدنيا باعتبارِهِ الشِّعرَ والشِّعرَ وحدَه .. والشِّعرُ رمادٌ في يدَي الشاعرِ لأنه ما يتبقى بعد احتراقِ خبراتِهِ الحيويةِ المختلفة فهو جوهرُها الثمينُ البخسُ في آنٍ، ثمينٌ لأنه يختزنُ أهمَّ عناصرِ هذه الخبراتِ، وبَخسٌ لأنه في النهاية ليسَ إلاّ رمادا .. وهو رمادٌ أخضرُ في هذه الرؤية الخاصةِ جدًّا لدى (عايد) لأنه نابتٌ من حياةٍ عريضةٍ ولأنه ربما يكونُ مبشِّرًا بحياةٍ عريضةٍ كذلك، أو ربما يكون في الأمر خداعُ الشاعرِ لنفسه ولا شيءَ وراء ذلك.
   بنى (عايد) ديوانه على ثلاثة أقسامٍ غير معنونةٍ إلا ثانيها الذي هو قصيدةٌ مُدَوَّرَةٌ طويلةٌ بعنوان (سَردِيّة)، وهو عنوانٌ دالٌّ في الحقيقةِ لأنها تحملُ الحِسَّ السرديَّ الأعلى بالفعل بين قصائد الديوان. وهو يُدخِلُنا إلى ديوانه بـ(موقِفٍ) تناصًّا مع مواقفِ النِّفَّرِيِّ رأسِيًّا، ومع عشراتِ الشعراء العرب الذين يتناصُّون مع مواقف النّفّرِيِّ أفقِيّا .. يقول: "أوقفتَني في الشِّعرِ/ قُلتَ: الحُلمْ. فاستيقَظَت لُغَتي/ وَجدتُ الوَهمْ. أنَصَبتَ لي رَفعًا/ وتَنوي الجَزمْ؟ أبَراءةٌ أن قُلتَ: (سُوءُ الفَهمْ)؟".
   هنا نجدُ أثرًا من خيبةِ أملٍ أصيلةٍ تتعلّقُ بالموقف الوجوديِّ للشاعرِ من حيثُ هو شاعرٌ خامتُهُ وصنعتُهُ ومُنجَزُهُ اللغة، حيثُ تُستَنفَرُ مفرداتُهُ لِتُعَبِّرَ فلا يجدُها في النهايةِ تُعَبِّرُ عن شيءٍ حقيقيٍّ خارجَها، فليس ثَمَّ إلاّ الوهمُ (فاستيقظَت لُغَتي وجدتُ الوَهم) .. وهو ما يتجاوبُ في الحقيقةِ مع كثيرٍ من المقاطع الشِّعريةِ في هذا الديوانِ، حيثُ تُحيلُ اللغةُ إلى نفسِها وينشغلُ الشاعرُ بوصفِ لُعبةِ الشِّعرِ التي تستغرقُه أو يغزلُ صُورًا موغلةً في التركيبِ تبطئُ إيقاعَ حركةِ الصورةِ الكلّيّة لقصائده، أو يعمَدُ إلى مقابلاتٍ وتضادّاتٍ كثيفةٍ للغايةِ تشبهُ معادلاتِ الميكانيكا التي يُلاشي فيها كلُّ طرفِ الطرفَ الآخَرَ فتصبحُ محصِّلةُ الحركةِ صِفرًا كبيرًا ساكنا!
   فإذا أردنا أن نبسُطَ أمثلةً على تلك الآليات التي ذكرناها في الفقرة السابقةِ والتي بمقتضاها تُحيلُ اللغةُ إلى نفسِها ويجدُ الشاعرُ نفسَهُ إزاءَ ذلك الوهم الذي يذكرُهُ في (موقفِه) الافتتاحيِّ، فسنجدُ في قصيدةٍ واحدةٍ هي (قصيدتان) وفرةً من الأمثلة .. فأمّا انشغالُ الشاعر بوصفِ لُعبة الشِّعر فهو في قوله: "خُذني هناك إلى التناقُضِ في تفاصيلِ القصيدةِ"، وفي السطرين التاليين مباشرةً مثالُ للمقابلات الكثيفة الميكانيكية في قولِه: "ربما أجدُ المماتَ بلا حياةٍ والحياةَ بلا مماتٍ/ ربما أجدُ الحياةَ بلا حياةٍ والمماتَ بلا مماتٍ"، وكذلك في قوله لاحقًا في نفس القصيدة: "خُذني هُناكَ .. هناك خُذني أو هُنا .. فهناك يعني لي هُنا .. وهُنا يُطابِقُ ما هُناكَ .. وما هُناكَ سوى هُناكَ وما هُنا إلاّ هُنا"، ثُم: "متناقضانِ أنا وأنتْ/ متشابهانِ أنا وأنتِ، وربما نجدُ الفَناءَ هو البقاءَ وربما نجدُ البقاءَ هو الفَناء" وفي النهاية: "قصيدتان ستكفيانِ ستكفيانِ ورُبّما لا تَكفِيانْ!".
   أمّا الصور الموغلةُ في التركيبِ والتي تشبهُ حدودُها الجنادِلَ المُلقاةَ في تيارِ نهر الصورة الكلّيّة للقصيدة فتبطئه بالضرورةِ، فمنها في قصيدة (رماد الحُلم .. حُلم الرماد) قوله: "للحُلمِ مئذنةٌ/ على شفةِ الخيالِ مُؤَذِّنٌ تَسري به حيثُ الفناءْ" وكذلك قوله: "كان الضياءُ كما يشاءُ/ أنا أنقّبُ في الزمَنْ .. عن شهوةِ الأحلامِ في عَطَشِ الفِتَنْ" ..
   ومن الأمثلة على وصف لعبة الشِّعر قوله في نفس القصيدة: "وحدي وتخترعُ القصيدةُ نَسجَها" وفي (لابُدَّ من شيءٍ): "أمسكتُ أوراقي التي تحوي أنينَ الياسَمينِ مضَيتُ حيثُ الماءُ لا يَنداحُ ثُمّ شَقَقتُ في الأسماعِ مَجراها ومَرساها وبسمِ الله مَجراها ومَرساها .. تقولُ: (أقولُ لي: لابد أن قصيدةً في جيبي .. لابُدَّ من شيءٍ)" .. فهو هنا يُحيلُنا بنهاية القصيدةِ إلى بدايتها ويُحيلُنا مع اكتمالِها المرتقَبِ إلى مطلعِ هلالِها .. هو شكلٌ من أشكالِ الولعِ ما بعد الحداثِيِّ بالكتابة عن الكتابة.
   الديوانُ جديرٌ بالقراءة وفي ظنّي أن إعادة القراءة كفيلةٌ بفتحِ آفاقٍ جديدةٍ لفهم هذا النّصّ الذي بذل (عايد) في إخراجهِ جهدًا محمودًا بلا شَكّ.
........................
محمد سالم عُبادة
نُشِرَ بـ(أخبار الأدب) المصرية في 19 يوليو 2015


No comments:

Post a Comment