Loading...

Friday, 3 April 2015

صراعُ اللوحةِ والدراما .. قراءةٌ في ديوان (الأمرُ ليس كما تَظُنُّ) للشاعر العربي السعودي محمد إبراهيم يعقوب


كان إبراهيمُ المازنيُّ يعتقدُ – كما ذكرَ في (حصادِ الهشيم) – أنَّ الشِّعرَ بصفتِهِ جنسًا أدبيًّا ينتمي إلى الدراما بما هي حركةٌ دءوبةٌ تصعدُ من نقطةٍ إلى التي تليها حتى تنتهي إلى غايتِها، وذلك وجهٌ يُبعِدُ الشِّعر عن اللوحة التشكيلية القائمةِ على السكونِ وتثبيتِ الزمن .. طالما حاولَ الشعراءُ إحداثَ تماهٍ بين الشِّعر واللوحة، وكانت النتيجةُ غالبًا – بحسب المازنيِّ كذلك – سقوطًا حتميًّا في فخِّ الدراما، ربّما لأنَّ الشِّعر يصلُ تدريجيًّا إلى المتلقّي وليس دفعةً واحدةً كما يحدثُ في الفنونِ البصريةِ الساكنة.
   يفاجئنا (محمد إبراهيم يعقوب) منذ الأبيات الأولى في ديوانه بأنَّ الأمرَ ليسَ كما نظنّ .. أرى أنّ (يعقوب) ينجحُ إلى درجةٍ بعيدةٍ في الاقتراب بالشِّعر من سكون اللوحة التشكيليةِ مُضَحِّيًا بحركيةِ الدراما .. ولنتأمَّل قولَهُ في القصيدةِ الافتتاحية (سِوَى اعترافِكَ بي): "شغفي بحرفِ الجيمِ إرثٌ من أبي/ كم في الأُبُوَّةِ من ضلالِ طيِّبِ .. شجرُ الكلامِ مكيدةٌ يا سيّدي/ والوقتُ كاللغةِ التي لم تُحطَبِ .. يا طينةَ المعنى الخؤونِ أما ترَى/ مطرًا يَخِفُّ وفكرةً لم تُعشِبِ .. علِّقْ على الفصلِ الأخيرِ مدينةً/ كانت تغنّي للفراغِ المُخصِبِ .. لا تقترحْ طقسًا يُطيلُ نهايتي/ أنا صيغةُ الرّكضِ التي لم تتعَبِ". صحيحٌ أنَّ صورةً كُلّيّةً تتخللُ هذه الأبياتَ وما بعدَها – وهي تعتمدُ على تشبيهِ حالةِ إنتاجِ المعنى التي تستبطنُ الإبداعَ الشِّعريَّ بإنباتِ الزروعِ من الأرضِ – لكنَّها صورةٌ شديدةُ التعقيدِ تروحُ وتجيءُ في اتجاهَي التشبيهِ دون سابقِ إنذارٍ، فالكلامُ شجرٌ يَكيدُ برَوعتِهِ لشاعرِنا فيعزمُ على إنتاجِ شجرِهِ الخاصِّ، والوقتُ الذي يمثّل خلفيةً حتميةً لإنتاجِ المعنى/الزَّرعِ كاللُّغةِ التي تشبهُ بدورِها غابةً بِكرًا لم تُحتَطَب، والمعنى المراوغُ طينةٌ يُقرِّعُها (يعقوبُ) باللوم من طرفٍ خفيٍّ حين يصرّحُ بأنَّ المطرَ يخِفُّ والفكرةَ ظلّت بذرةً كامنةً في باطنِها ولم تُعشِبْ بما يكفي لأن تُفصِحَ عن مكنونِ نفسِ مَن خطرَت له .. ربَّما كان الوقتُ في نظرِ (يعقوب) لغةً بكرًا لم تُحتَطَبْ بعدُ لأنهُ يريدُ أن يملأهُ معانيَ تفصِحُ عن نفسِها في جُمَلٍ حُبلَياتٍ بالرموزِ والأفكارِ، ففعل هذا وكان كلُّ بيتٍ صورةً موغلةً في الهُجنَةِ والتركيبِ، حتى لم يدَعْ موضِعًا في وقتِ القصيدةِ يتّسِعُ لمعنىً آخرَ، فقتلَ هذا الوقتَ، ولا ننسى أنَّ الوقتَ هو خلفيةُ الدراما الحتميةُ، فلمّا ماتَ لم يعد من الممكن أن نقتفيَ أثرَ الحركةِ كما هو في الشِّعرِ خارجَ الديوانِ، فتحوّلت قصيدةُ (يعقوبَ) إلى لوحةٍ ساكنةٍ مليئةٍ بالتفاصيلِ، تُذَكّرُنا بدروس الرسمِ التي تلقَيناها في الصِّغَرِ، حين كانت المُعلّمةُ تُشَدِّدُ على ألاّ نترُكَ مساحةً بيضاءَ في اللوحةِ وأن نملأها تفاصيلَ بقدرِ المستطاع .. هذا ما يحدثُ هُنا! وكأنَّ (يعقوبَ) يميلُ إلى حيلةٍ دفاعيّةٍ - لا واعيةٍ رُبَّما – في قولِهِ: "لا تقترحْ طقسًا ...... لم تتعَبِ"، فهو يتوقعُ أن ينقُدَ أحدُهُم ابتعادَهُ بالشِّعرِ عن الحركيّةِ المعتادةِ التي تركنُ إليها النفسُ، فيردّ عليهِ بأنَّ هذه الحركيةَ ستكونُ طقسًا يؤجّلُ النهايةَ باستمرارِ تدفُّقِ القصيدةِ وهو ما لا يحدثُ هنا حيثُ البيتُ الأولُ كأنهُ موجودٌ مع البيتِ الأخيرِ في نفسِ اللحظة، ويردُّ عن نفسِهِ التهمةَ في ذاتِ الآنِ، فهو راكضٌ من زمانٍ ولم يتعَب، لكنّهُ الآنَ يريدُ للنهايةِ أن توجدَ أمامَ متلقّيهِ مع البدايةِ، ولذا جاءَ البيتُ الأخيرُ: "ساُمَرِّرُ الورَقَ العتيقَ، لَرُبَّما/ هذا البياضُ يقولُ ما لم أكتُبِ!" .. وكأن لا نهايةَ هناكَ لأنَّهُ ليس ثَمَّ بدايةٌ، وكلُّ ما في الأمرِ أن (يعقوبَ) يعترفُ في البيتِ الأخيرِ بأنَّهُ بذلَ ما في وُسعِهِ في (ملء المساحات البيضاء) ولكنَّ الورقَ مازالَ به الكثيرُ من البياضِ، فلعلَّ البياضَ يُفصِحُ عمّا يعتملُ بفكرِهِ أكثرَ ممّا تفعلُ الكتابة.     
   يميلُ (يعقوبُ) في هذا الديوانِ إلى الأبحر الشِّعريةِ الطويلةِ، فمعظمُ القصائدِ جاءَ في البحرين البسيطِ والكاملِ بما يوفّر له مساحةً كبيرةً لتعشيق الصُّوَرِ وتركيبِها في البيتِ الواحدِ كما رأينا في الأبياتِ التي تمّ استعراضُها وكما نرى في أبياتٍ مثل: "نخافُ من شُرفةٍ في الرُّوحِ مُشرَعَةٍ/ على البُكاءِ، عيونٌ هذه الشُّرَفُ .. أنرتقي صخرةَ العِرفانِ؟ موجَعَةٌ/ ظلالُنا أم نرى ما عنهُ ننجرِفُ؟ .. نضيءُ كالحُلمِ، نخفَى رُبّما انتبهَتْ/ غريزةُ الوقتِ، بعضُ الوقتِ يُقترَفُ" في قصيدة (خاتمةٌ لروحٍ مُتعَبَة)، ومثل: "يأسُو على سِيرةِ الأعصابِ مصباحُ/ وتبعثُ الحُبَّ في الأرواحِ أرواحُ .. يا سيِّدَ البيدِ قُم في العُمرِ مُتَّسَعٌ .. واعبُرْ أغانِيكَ، هَمٌّ سوفَ يَنزاحُ" في قصيدة (عُد من تجلِّيك) ..
   وحين يُعرِضُ (يعقوب) عن هذه الأنساقِ الموسيقيةِ إلى أخرى أقصَرَ كما في قصيدة (تفاصيلِ الذي يأتي) المَصوغةِ في مجزوءِ الوافرِ حيثُ يقولُ: "على مَن لم يقِف في الصَّفِ أن لا يَدَّعي وَطَنا .. لِمَن غنَّيتَ؟ لا تَدري/ سبيلُ العارفينَ غِنا .. كمُفردةٍ بلا رئةٍ/ قضَتْ جُدرانُها شَجَنا"، وكما في قصيدةِ (كتابِ الطائرِ العبثيِّ) المصوغةِ في مجزوءِ الكاملِ حيثُ يقولُ: "تبًّا لميراثِ العُروشِ، لبِرِّهِ ولِغَصبِهِ .. وطنٌ بلا أحرارَ تغسِلُهُ انتفاضَةُ شَعبِهِ .. الجائعونَ لهم كلامٌ غيرُ ما نَهذي بهِ .. والقُوتُ خَصمُ الطيّبينَ تورَّطوا في حَربِهِ"، أقولُ حينَ يفعلُ هذا نجدُ الصُّوَرَ أبسطَ كثيرًا ، بل قد تتوارَى في تواضُعِ لتفسِحَ المكانَ لمعنىً (جماهيريٍّ) يَسهُلُ – فيما أعتقِدُ – تسرُّبُهُ إلى الذائقةِ الجمعيةِ باعتبارِهِ حكمةً تتجاوبُ وحاجةَ البُسَطاءِ إلى بعضِ الشِّعرِ، ولا أدَلَّ على هذا الأمرِ من بيتِهِ: "على من لم يقِف في الصفِّ أن لا يدّعي وطَنا".
   أخيرًا نصِلُ إلى القسم الأخيرِ من الديوانِ - وهو جمعٌ من قصائدِ البيتِ الواحدِ لكلٍّ منها اسمٌ – سمّاهُ يعقوبُ (وَخَزاتٍ)، بعنوانٍ فرعيٍّ محتشدٍ بالتركيبِ الصُّورِيِّ، وهو (تُرَّهاتٌ نُسَمّي روائحَها مُتَّكأَ) .. من هذه القصائدِ شديدةِ القِصَرِ قولُهُ في (يقين): "آمنتُ بالصفحةِ البيضاءِ تغسِلُني/ من الخطايا، فكانت لذّتي ألَمي"، وفي (مَدَد): "بعيدونَ لا برزَخٌ لا صِراطُ/ أليسَ لهذا الغيابِ انفِراطُ؟" وفي (لُغة): "أُقايِضُ أخطائي بماذا؟ أنا أنا/ كأنّي على بابِ الكلامِ أُضيءُ". هنا تتجلّى جماليّةُ البيتِ الواحدِ عند (يعقوبَ) وتثيرُ سؤالاً عن مشروعيةِ إدراجِ قصائده الأطولِ في الديوان – كالقصيدة الافتتاحية (سِوَى اعترافِكَ بي) – ضمنَ الشِّعرِ العربيِّ القائمِ على وحدةِ البيتِ فيما قبلَ ثورةِ الرومانسيّين ومدرسةِ الديوان في مطلعِ القرن العشرين .. أعني أننا إذا حاوَلنا تبديلَ بيتٍ مكانَ بيتٍ في تلك القصيدةِ واطّرَدنا في هذه اللُّعبةِ التي مارسَها (العقّادُ) مع (شَوقيٍّ) في مرثيّته لـ(مصطفى كامل)، فأظنُّ أننا سننجحُ إلى حدٍّ كبير .. وفي رأيي المتواضعِ أنَّ حلقةً مفرغةً من النسقِ الموسيقيِّ الطويلِ والمساحةِ الزمنيةِ الكبيرةِ بالتالي - والتي تُحَرِّضُ على تعشيق الصُّوَر والإمعانِ في تركيبِها - هذه الحلقةُ كفيلةٌ بأن تجعلَ من البيتِ الشِّعريِّ وَحدةً للقصيدةِ العموديةِ قائمةً بذاتِها وفي غير حاجةٍ إلى ما يكملُها من فوقِها أو من تحتِها، ناهيكَ عن جَرْسِ القافيةِ الرّتيبِ الذي يختمُ البيتَ في شُعور المتلقّي، والّذي طالما أُشيرَ إليه في معرِضِ نَقدِ القصيدةِ العمودية.
   لا يسعُني في الختامِ إلاّ أن أُشِيدَ بالجهدِ الإبداعيِّ الذي بذله شاعرُنا – وهو نجمُ برنامج (أميرالشعراء) في نسخته الثانية عام 2008 – والّذي أقنعَنا من خلالِهِ بإمكانيةِ السيرِ خُطواتٍ كبيرةً في سبيلِ مقاربةِ الشِّعر للّوحة، وابتعادِهِ عن الدراما .. فالأمرُ فيما يبدو ليسَ كما كُنّا نظُنّ!

8/10/2014
نُشِرَت في أخبار الأدب بتاريخ 30 مارس 2015

No comments:

Post a Comment