Loading...

Saturday, 7 January 2012

من تجارب 2005: الشَّنيشة

بشاكوشِ فقري ،
ورأسِ المِفَكّْ ..
أ ُفَتِّشُ عن كلِّ حُلم ٍ هزيلْ ..
لأرفعَ ذِكرَ أيادي الصِّغارِ، ويُرفَعَ ذِكْري ..
أبي .. يامليكَ الحزانى ..
تناولتُ شاكوشَ فقريَ منكْ ..
أتذكرُ ؟ إذ قُلتَ : "خُذْهُ ، سَيَرفعُ ذِكرَكَ ، دُقّْ" ..
أبي .. مالكٌ ياحزينُ ، ابنُكَ المُبتلى قَصَّ رِيشَهْ ..
وما عادَ يقوى على الطَّيَرانِ ، وأُنْسِيَ فنَّ الهديلْ ..
أبي ..لا تَلُمْني إذا ما عَقَقْتُكَ ، فالكلُّ صاحَ بأذنيَ : "عُقّْ" !!
ومازالَ صوتُكَ ينسابُ: "دُقّ ْ" !!!

أدُقُّ، اطمَئنَّ، أدقُّ الشَّنيشَةْ!!
بهذا الجِدارِ القديمِ العليلْ ..
وصاحبةُ البيتِ تغلي بقُربي دماءَ السُّجُقّْ ..
أنا لا أحِنُّ لهُ .. مِلءُ أنفي تباريحُ شيشةْ ..
متى يجمعُ الدَّهرُ شَملي بشملِ الحشيشة ؟!
لتشهدَ عينايَ فيها عُروشًا تُدَكّْ ..
بشاكوشِ فقري ، ورأسِ المِفَكّْ ..!

لصاحبةِ البيتِ ساقٌ تُغنِّي ، بلحمٍ قليلْ ..
وخائنة ُ الأعيُنِ المُجهَداتِ تشقُّ الدُّخانَ إليها ..
تشُقّْ ..!
- "(عِناياتُ) .. ساقُكِ مثلُ الرَّبابةْ" ...!
لماذا يُصِرُّ السُّجُقُّ اللَّعينُ على أن تُعانِقَ عَينِي ضَبابَهْ ؟!
أنا الآنَ لستُ أرى السَّاقَ .. لكنْ ، أفي السَّاقِ شَكّْ ؟!!
أيا عَبَقَ البَولِ حَولي ،
مِفَكِّي سعيدٌ، يَدُكُّ عُرُوشَهْ!
(عناياتُ) تدنو، وتضربُ وجهي من الشَّعرِ شُوشَةْ ..
أعدَّت شَطيرةَ صُنعِ يَدَيها، وقالت: "تَكَرَّمْ عليَّ، وَذُقْ" ..
نَظَرْتُ، فذَكَّرَنيهِ السُّجُقّْ!!
ونَدَّتْ على الرَّغمِ مِنِّيَ ضِحْكَةْ ..
دِراما من البُؤسِ حِيكَت عن الخُبزِ، مِن دونِ حَبكَةْ ..!

- "(عناياتُ)" ..
- "ماذا ؟" ..
- "(أمَيمَةُ)" ..
- "ماذا ؟!!" ..
- "كِليني لِهَمِّي!! ...
فرائحةُ البَولِ تجتاحُ شَمِّي" ..

وبينا أدُقّْ ..
تَجَسَّدَ فوق البلاطِ المُعَطَّنِ (جادو) ..!!
وقال برفقٍ: "تجسَّدتُ فوق البلاطِ المُعَطَّنْ ..
ولَفَّفْتُ جِسْمي - لكي لا تراني- بِخَيشٍ مُقَطْرَنْ ..
فَقُل لي بربِّكَ يا مَن تدُقّْ ..
هل القومُ عادُوا؟!! " ...
وعاد إلى الصَّمتِ (جادو) ..
أُراهِنُ .. : هذا الجِدارُ القَديمُ لو ارتدَّ شَخصَا...:
لأنفقَ من أجل رأسي قُرُوشَهْ ..
ولو نالَ رأسي، أنا لن أحُوشَهْ !!

تهاوَى الجِدارُ، فقد كان مثلَ (أ ُمَيْمَةَ) رَخْصَا ..
(عناياتُ) تدنو، وتغمرُ حِسِّي بلَعقٍ وحَكّْ ..
تهاوى الجِدارُ، بشاكوشِ فقري ، ورأسِ المِفَكّْ ..
- "أصاحبة َ البيتِ إنِّي انتهَيْتْ ..
وفوقَ جدارِ المساكينِ – حُلمِ الليالي البَشوشَةْ - ..:
دقَقْتُ الشنيشَةْ ..
وَدُقَّتْ على أمِّ رأسي شنيشةْ ..!"
تعاطٍ


محاولةٌ لاستكناهِ الأساطيرِ المؤسسةِ للصَّنائعِي!! بقصديَّةٍ تتأرجَحُ بين التحليقِ والفجاجةِ (كما أراها الآنَ) قدَّمتُ عناصِرَ وعيِ البطل (السّبَاك/ الكهربائي) كما أدركتُها آنئذٍ ، وعناصر لاوعيِهِ الجَمعِيّ (كما في قولِهِ : "كِليني لِهَمّي" الذي يتقاطَعُ مع مفتتحِ قصيدة النابغةِ الذبيانيِّ الاعتذاريةِ المشهورة، والتي لم يسمع بها البطل في حياتِهِ على الأرجح ، لكنَّها جزءٌ من هُوِيَّتِهِ رغم ذلك) ، وحاولتُ أن أضفِّرَ هذه العناصِرَ في ظهور الجِنِّيِّ الذي يسكنُ الحمّامَ الذي يدقُّ في أحد حوائطهِ الشَّنيشةَ (جادو - في الموروث الشعبي المصري) .. هذا الجِنِّيُّ الذي ما إن يَظهَر حتّى يسألَ البطلَ سؤالاً مُبهَمًا: "هل القومُ عادُوا؟" .. هذا الإبهامُ يُفترَضُ أن يحمِلَ باقةً صاخبةً من الأفاعي الدّلاليةِ والإيحائيّة، بينَها حَنينٌ غريبٌ إلى مَن رحلوا ، وخوفٌ أصيلٌ من صُحبةِ الناسِ ، وغيرُ ذلك ..
الخلاصةُ أنَّ الشَّنيشةَ كانت تنغرِسُ في رُوحِ البطلِ كما تنغرِسُ في الحائطِ الذي يعملُ عليه .. كانت تُظهِرُ صراعاتِهِ النفسيةَ وآلامَهُ وانتصاراتِهِ وطموحاتِهِ شيئًا فشَيئا .. رُبَّما ينفذُ نُورٌ إلى من يتلقّى هذه التجربة .. والنورُ معرفةٌ، وسماحة.

أذكرُ جيّدًا أنَّ هذه التجربةَ كانت أولَ تجربةٍ أُلقيها في (لقاء الأدباء) بساقية الصّاوي في منتصف عام 2005 ..
أثارَت مزيجًا من الجدَلِ بشأن صحة الاشتقاق اللُّغَوِيّ (الشَّنيشة) ، وإعجابِ البعضِ بمحاولةِ تفصيحِ حوارٍ داخليٍّ يدور في نفس مصريٍّ بسيطٍ لا يعرفُ الفصحى ، واستهجانِ البعضِ لذاتِ المحاولة ..
هيييييه .. دنيا!

No comments:

Post a Comment